في صباح اليوم الثالث ودعنا المدينة متوجهين إلى مكة، فكان طريقًا حصويًا تسير عليه السيارة بيسر، حتى إذا ما وصلنا إلى ذي الحليفة ميقات أهل المدينة أحرمنا بالعمرة، فإذا ما قرب موعد الوقوف بعرفة، فنطوف ونسعى ومن ثم نخرج إلى عرفة. دخلنا مكة ليلا مكبرين ومهللين فطفنا وسعينا، ثم أخذتنا السيارات إلى جرول – حي من أحياء – مدينة مكة. هناك نزلنا في فندق التيسير والمكوّن من عدة طوابق، ضيوفا على الحكومة السعودية؛ في اليوم التالي تعرفت على المسؤول عن التغذية في الفندق، وقد حضر للإشراف على الترتيبات الأمنية للحجاج، وكان وقتها يهم بالخروج لمتابعة دوامه في محكمة الحميدية، سألته أن يأخذني معه إلى مكتبة بوشناق والملاصقة حيث شاهدتها الليلة الماضية ونحن نسعى، وليس في ذهني من كتاب معين. استأذنت شقيقي خالد بالذهاب إلى مكة، قدمني اللواء عبد الرحمن لصاحب المكتبة بوشناق خير تقديم، حيث كان مجرى الوادي. يعرف ذاك الفاصل بمنطقة الهرولة، فكان كثير من الحجاج يظن أن تلك الهرولة للمرور من أمام السيارات كان الثلثان الآخران من المسعى عبارة عن سوق مسقوف على جوانبه الحوانيت حتى جبل المروة، ويفصل بين الذاهبين والقادمين في المسعى سور حديدي. كان أصحاب المحلات التجارية يدخنون الشيشة فيتصاعد الدخان ليدخل صحن الحرم من الأبواب المفتوحة ناحية المسعى. وكان لكل مقام إمام يجتمع إليه الناس يسألونه عن أمور دينهم تبعًا لمذهبهم. ا باب إبراهيم فكان يطل على مجموعة من الحجرات، وكانت تنبعث من بينها روائح كريهة. بقينا في مكة أكثر من عشرة أيام، وتوافد الحجاج من الرجال نحو باب الكعبة حيث كان هناك حبل يتدلى من سطح الكعبة والأيادي ممسكة به، تحاول أن ترتفع إلى مستوى باب الكعبة، وإذا بأحدهم يمسك بالغترة التي ألفها حول عنقي ويشدها إلى أسفل ظنا منه أنها الحبل، فسقطت على الأرض بين أرجل المتعلقين بالحبل، وقدر الله أني سلمت من دوس الأرجل. لففت غترتي على وسطي وبعدت عن المجموعة المتعلقة بالحبل وجريت بأقصى سرعة، ثم قفزت أعلى من رؤوس المتعلقين بالحبل وأمسكت بالحبل، وبعد برهة استطعت أن أتعرّف على مكونات الكعبة؛ ففي وسطها عمودان من الخشب، الموافق 28 يوليو سنة 1955م، وفي اليوم التالي، فوقفنا بعرفة ونحن ندعو، ونمنا حتى الفجر. وكان عن سبعة أفراد، بعد ذلك حلق من وجب عليه الحلق منا وقصرت ، النساء وتحللنا، فلبسنا ملابسنا وتوجهنا إلى مكة لطواف الإفاضة، ومن ثم السعي. فوجب أن تطوف وتسعى في مساء ذلك اليوم. فوافق صاحب الكرسي. نزل الصبية بي ضربًا حتى فلت الكرسي المتحرك من يدي وأخذ يتحرك بسرعة، كنت مستندا إلى السور الفاصل في المسعى والصبية ينهالون بعضها "جدتي. جدتي!". قضينا أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام، بعدها عدنا إلى مكة فطفنا طواف الوداع ،