مما جعل المسجد الجامع يزدحم بأداء هذه الوظائف في بداية نشوء الدولة، ويمكن إجمال هذه الوظائف بما يلي:. فالمسجد باعتباره ــ مقر عبادة لإقامة الصلوات ــ هو مدرسة الأمة الأولى لاقترانه بهذه العبادة الجليلة، ولا شك أن في فرض الصلاة خمس مرات كل يوم بيان لأثر المسجد في حياة الأمة المحمدية، إذ جعل الشارع الحكيم بهذه الفريضة، مكانا يجتمع فيه أفراد الأمة خمس مرات في اليوم، لأن صلاة الجماعة في المسجد تفضل صلاة الفرد في بيته خمسا وعشرين ضعفا، روى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ قَالَ: وقد عملت الدولة الإسلامية في وقت مبكر من قيامها على الأخذ بمبدأ التكافل العلمي، وكان لها دور مهم في نشر العلم، وتيسير سبل التعليم والإنفاق على العلماء وطلبة العلم، إذ تولى بنفسه مهمة تعليم أهل المدينة مبادئ الإسلام وقراءة القرآن ورواية الأحاديث، وكان الرسول  يجيبهم ويطلب من الحاضرين أن يبلغوا من لم يحضر بقوله: " ألا بلغوا عني فرب مبلغ أوعى من سامع". والظاهر من خلال هذه القصة التي أوردها الواقدي، أن النبي  كان يخص المسجد بهذه الأمور المصيرية التي تعتري أحوال الدولة الإسلامية في عصره، ويخص منهم أهل الرأي والمكانة والوجاهة بالاستشارة في كثير من الأمور. المطلب الثاني: المسجد باعتباره مركز إعلام للدفاع عن الإسلام: فقد أنيطت بالمسجد مهمة الإعلام من أجل الدفاع عن الإسلام، وإما أن يكون هذا الإعلام وسيلة أخرى من أجل الهدم وليس البناء، وقد ثبت أن كفار قريش قصدوا الشاعر حسان بن ثابت، ومعلوم أن المادة الإعلامية في الجاهلية كانت هي الشعر، فالشاعر كان إذا تكلم بقصيدة تروج في الأسواق ويذيع صيتها، نعطيك ما شئت من الأموال بشرط أن تهجو محمدا وأن تذكر مساوئه، فلما بدأ ينتظر قدوم النبي  في مكان من أماكن المدينة رآه، فجاء إلى كفار قريش من المدينة إلى مكة، خذوا أموالكم ولا أريد شيأ منكم، المطلب الاول: المسجد باعتباره مركزا لعقد ألوية جيوش وسرايا المجاهدين: من بين الوظائف التي أنيطت بالمسجد إبان نشوء الدولة الإسلامية، كونه مكانا لتدريب الجيش على فنون القتال، "لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ، أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ. المطلب الثاني: المسجد باعتباره معتقلا لأسرى الحرب ومكان المفاوضة عليهم: وقد كان في ذلك عظة لمن يراه من الناس، وتأليفا لقلوب الأسرى عند رؤية الصلاة وسماع القرآن وأحاديث النبي ، روى البخاري عن سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ: يُقَالُ لَهُ ‌ثُمَامَةُ ‌بْنُ ‌أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ). روى البخاري عَنْ سَهْلٍ أَخِي بني ساعدة: أَيَقْتُلُهُ؟ فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد" ومعلوم أن الضرورة قد اقتضت وخاصة في بداية نشوء الدولة الإسلامية أن يكون لهذا المجتمع الجديد مكان عام لا يضيق عن إيواء جريح كتائب الله وجنده في معارك الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته، وينظر في أمره، ويقوم بحاجته، لأنه  أولى بالمؤمنين من أنفسهم.