خامسا - التاريخ ازدهرت الكتابة التاريخية في تلك الفترة بشكل ملحوظ، حيث ظهرت العديد من كتب التراجم والسير، وكان للأندلسيين دور كبير في ذلك. برز منهم أبو عبد الله القضاعي، المعروف بابن الأبار، والذي كان له العديد من المؤلفات المهمة في هذا المجال، مثل "الحلة السيراء" و "التكملة لكتاب الصلة" و "عتاب الكتاب". كما برع أبو الخطاب بن دحية الكلبي، نزيل بجاية، في هذا الميدان، فكان له "التنوير في مولد السراج المنير" و "النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس" و "تاريخ الأمم في أنساب العرب والعجم". سادسا - التصوف التصوف هو علم شرعي حديث في الإسلام، وقد اختلف الناس في ظهوره وتعريفه. يُرجّح ظهوره بعد القرن الثالث الهجري، حيث لم يكن لفظ "الصوفية" مشهورًا في القرون الثلاثة الأولى، بينما اشتهر بعد ذلك في بلاد المشرق. انتشر التصوف في الأندلس في أواخر القرن الثالث الهجري، ويعتبر محمد بن عبد الله بن مسرة القرطبي أول من أدخله البلاد، مما أدى إلى ظهور العديد من الأتباع. اختلفت الآراء حول دوره، فمنهم من اعتبره إمامًا في العلم والزهد، ومنهم من اتهمه بالزندقة. انتشر التصوف بشكل كبير في المغرب مع بداية القرن الرابع الهجري، وذلك بسبب ظروف مختلفة، منها خروج العديد من أقطاب التصوف من الأندلس إلى المغرب الأوسط، خاصة بعد المأساة التي شهدتها الأندلس وحروب الاسترداد المسيحية. كان من أهم هؤلاء أبي مدين شعيب، الذي استقر أولًا في بجاية، ثم ارتحل إلى تلمسان، ليصبح قبره بمدينة العباد مزارًا لأتباعه. ساهم الموحدون أيضًا في انتشار التصوف، فكان الخليفة عبد المؤمن بن علي قد تلقى تعاليم التصوف من أبي محمد عبد السلام التونسي، وكان الخليفة أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن زاهدا متقشفا. وعندما أدرك الموحدون قوة هذا التيار، حاولوا الاستفادة منه ووضعه تحت المراقبة، ليصبح جزءًا من نظام الدولة. ازداد انتشار الزهد والتصوف في الفترة اللاحقة، بسبب الظروف التي شهدتها البلاد، مثل الفتن والحروب، والتي دفعت الناس إلى البحث عن الروحانية والهداية. كانت بجاية الأكثر استقطابًا للمتصوفة من أهل الأندلس، بسبب عدم خضوعها لحكم المرابطين، وانفتاح الحماديين تجاه المتصوفة، ووجود أهم أقطاب التصوف بها، مثل أبي مدين شعيب. ساهم تدفق العلماء والمصنفين من الأندلس إلى بجاية في تشكيل اتجاهات صوفية جديدة، مثل التيار السني الذي يمثله أبو مدين شعيب وأتباعه، والتيار الفلسفي الذي يمثله محي الدين بن عربي وابن سبعين والششتري وأتباعهم. سابعا - الطب يعتبر ابن خلدون الطب صناعة تهتم بجسم الإنسان من حيث مرضه وصحة، وهدفها حفظ الصحة وعلاج المرض بالأدوية والأغذية. انتشرت المعارف العلمية في المغرب عبر بوابة الأندلس، التي شهدت تقدمًا لم يسبقه أي قطر آخر من أقطار الدول الإسلامية. لكن مهنة الطب شهدت إهمالًا كبيرًا في بجاية، رغم هجرة الكثير من الأندلسيين إليها. من أهم الأعلام الذين مارسوا مهنة الطب وسكنوا ببجاية: أبو الصلت، ابن عتيق، أحمد بن أبي عبد الله محمد بن أبي الخليل مفرج الأموي، أبو العباس أحمد بن خالد، ابن أندراس، الشقوري. ثامنا - أعلام أندلسيون آخرون مروا ببجاية - محمد بن شريح الرعيني، - عبد الله بن إبراهيم بن الحسن بن منتيال الوراق، - عبد الملك بن حبيب بن كذا السلمي، - أبو محمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي القاسم عبد الرحمان بن عثمان. رغم زخمها بالحضارة والعلم، فقدت بجاية بريقها بعد انخفاض عدد طلبة العلم بها، كما ذكر العبدري في رحلته الشهيرة من تلمسان.