مقدمة تاريخية يرتبط مفهوم المذاهب الأدبية بولادة الآداب القومية وتطورها في اقطار اوروبا الغربية بالدرجة الأولى ولقد جاءت هذه الولادة على المستوى الأدبي متزامنة مع ولاده الدول القومية في تلك الأقطار المرتبطة بها عضويا كلمه اخرى ان مفهوم المذاهب الأدبية مفهوم حديث ترتب من بين مقومات الحياة الفكرية والعلمية الحديثة الاخرى القيام عصر النهضة الأوروبية كذلك فقد مفهوم المذاهب الأدبية مع قيام الفلسفه الحديثه والعلوم الحديثة والمتجه الى جانب قيام الدول ذات الفحو القومي في أوروبا دليل على انجاز عصر النهضة لمهماته التي قام من أجلها في النصف الثاني من القرن الخامس عشر من بداية القرن الخامس عشر على وجه التحديد اجتاحت اقطار اوروبا الغربية حركة فكرية عارمة عرفت بحركة النهضة او الإنبعاث ويتلخص المضمون التاريخ لهذه الحركة بتحطيم الثقافة الإقطاعية الكنيسة وإحلال ثقافة دنيوية جديده محلات السردين مبادئ الحركة الانسانية ويعد عصر النهضة أكبر انعطاف عرفته البشرية على امتداد تاريخها الطويل انه حسب كلمات احد المفكرين أوجده عمالقة وخلق عمالقة من حيث عظمة أفكارهم وأهوائهم واضمعهم ومن حيث التعدد مواهب والسعة تطلع من أولئك الذين اوجدتهم عصر النهضة هم الذين وضعوا حجر الأساس لسيادة البرجوازية فيما بعد ولم يكونوا برجوازيين وإذا كان بإمكان الباحث أن يتحدث عن التغيرات النوعية التي يدخلها عصر النهضة على حياة الشعوب الأوروبية منذ منتصف القرن الخامس عشر فهذا يعني ضمنا أن عصر النهضة قد بدأ قبل ذلك بكثير لا شك أن تحديد مفهوم عصر النهضة أمر ينطوي على أهمية كبيرة لفهم جوار التحويلات التي عرفت الحياة الاجتماعية بعد عصر النهضة وتفسيرها وتحليلها لهذا السبب فإن الجدل الذي دار ما زال يدور بين المؤرخين حول جوهر مجمل التغيرات التي كونت مقومات العصر الحديث واختلاف هؤلاء المؤرخين فيما بينهم انما يعود الى اختلاف في فهم عصر النهضة من حيث أبعاده الفكرية والفنية ومن حيث بعده الزمان على حد سواء ونظرا لأهمية تحديد مفهوم عصر النهضة في فهم جوهر حركة المذاهب الأوروبية بوصفها معلما بارزا في حركة الأدب الحديث وبغيت فهم الجدال الداخلي الذي التحكم بالمسارات التاريخية لهذه المذاهب من حيث مضمونها الداخل وارتباط هذا المضموم بحركة المجتمع نفسه كذلك من حيث التعاقب هذه المذاهب رأينا ان نضع بين أيدي القارئ أهم سمات الجد الذي دار بين المؤرخين حول مفهوم عصر النهضة مقوماته و مهامه التاريخية التي أنجزها وأثر ذلك في مجمل توجهات حياتنا الفكر والفني في عصر الحديث قبل التطرق الى أهم مظاهر الجدل والخلاف بين المؤرخين علينا ان نتذكر انهم يقسمون تاريخ الشعوب الأوروبية الى ثلاثة عصور هي ١- العصر الكلاسيكي القديم العتيق إغريقي و روماني ٢- العصر الوسيط الذي يبدأ بانتشار المسيحية في اوروبا وانت في نهاية القرن السادس عشر وهنالك من يؤجل هذه النهاية الى اواخر القرن السابع عشر ٣- واخيرا العصر الحديث هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإنهم يقسمون العصور الوسطى الى مراحل: ١- عصور وسطى متقدمة سادت فيها النظره الكنيسة الى العالم مع كل ما صاحب العقيدة الكنيسة من نظر الفيزيقية غيبية وما ورائية اخروية واهمال الحياة الدنيوية ٢- عصور وسطى متاخره عصر النهضة التي سادت فيها نزعة مطابقة الطبيعة مع الطابع العلمي والمنهجي والشمولي الذي صاحب هذه النزعة إلى جانب الاهتمام بالعلم التجريبي على حساب الرمزية الميتافيزيقية على أن هنالك من يضع مرحلة اخرى وهي العصور المتوسطة بين هاتين المرحلتين حيث يتحقق نوع من التوازن بين قيم القرون الوسطى المتقدمة الميتافيزيقية والغيبية والماء ورائية والاخروية والروحانية إلى آخره وقيم العصر الحديث نزعم مطابقة الطبيعة و ملاحظتها ودراستها دراسة تجريبية تعتمد المنهج العلمي الشمولي والدنيوية والعقلانية إلى آخره لتكن هذه الحقبة المتوسطة مدخلا يقودنا الى عصر النهضة بخصائصه النموذجية حيث الرجحان كفه سمات العصر الحديث أمام سمات القرون وسط المبكرة إن كان المرء أن يلاحظ تفاوت مفاهيم المؤرخين حول العصور الوسطى والعصر الحديث ليس فقط من خلال اختلاف امام ينسبون شخصية فكرية وأدبية مثل دانتي للعصور الوسطى والى عصور النهضة ومعه بترارك بوكاشيو بل من خلال اختلافهم أيضا وهم ينسبون الى العصور الوسطى او الى عصر النهضة أدباء مثل سرفانتس و شكسبير وموليير وامام هذه الحقيقة نجد مؤرخا للحضاره مثل أرنولد هاوزر يقترح علينا ان ننظر بعين الجد الى الفكرة القائلة بأن نقطه التحول الحقيقية لم تحدث الا في القرن الثامن عشر وان( العصر الحديث يبدأ حقيقه مع العصر التنويري وعلى فكرة التقدم ومع التصنيع) مثل هذا الاقتراح سيكون نافعا لنا ونحن نحاول ان نقيم الخطوط النوعيه التي تفصل المذهب الكلاسيكي الجديد الذي ازدهر في منتصف القرن السابع عشر عن النزعه التنويريه ثم التيار الروماتيكي التي عرفت بدايتها منذ القرن الثامن عشر ومن الناحيه الاخرى فان اور نولد هاوزار يقترح علينا ان نضع الخط الفاصل الحاسم فيما بين النصف الاول والثاني من العصور الوسطى بين العصور الوسط المتقدمه وعصر النهضه عند نهايه القرن الثاني عشر عندما بعثت الحياه مره اخرى في الاقتصاد النقدي وظهرت المدن الجديده واكتسبت الطبقه الحديثه لاول مره صفاتها المميزه وفي الوقت نفسه فان ارنولد هاوزار يحذرنا من وضع هذا الخط في القرن الخامس عشر الذي لم ينكر احد ان ثمارا عديده قد جنيت فيه ولكن لم يبدا في اي شيء جديد كل الجده بعباره اخرى ان درجه النضج النوعيه التي تطالعنا بها عناصر عصر النهضه في القرن الخامس عشر انما ترجع بداياته الى الخلف الى بدايه القرن الثالث عشر وربما قبل ذلك ايضا لا شك ان الاهتمام بالموضوع الفردي والسعي الى الكشف عن القانون الطبيعي والشعور الولاء للطبيعه في الادب والفن كل ذلك اصبح يتسم منذ القرن الخامس عشر بدرجه كافيه من العين من العيانيه والوضوح ولكن يعد من الناحيه الاخرى استمرارا لخطوط توصل هذه السمات وهذه ظواهر بدايه العصر القوطي في القرن الثاني عشر ويحاول أرنولد هاوزر مؤلف كتاب( الفن والمجتمع عبر التاريخ) ان يسلط الضوء على عمليات التحول المبكره في حياه الشعوب الاوروبيه التي قادت فيما بعد الى عصر النهضه في مراحل نضجه ومن ثم الى العصر الحديث بالمعنى الاصطلاحي الدقيق يقول هاوزار بهذا الصدد(( ان البرجوازيه لم تعد في القرن الثالث عشر طبقه اجتماعيه منبوذه على الاطلاق وان لم تكن قد اكتسبت بعد احتراما كاملا فمنذ ذلك الوقت اصبحت تحتل بوصفها( جبهه ثالثه) مركز الصداره في التاريخ الحديث واخذت تطبع الحضاره الغربيه بطابعها المميز) ويقدم المؤرخون وصفا تفصيليا ودقيقا للظروف التاريخيه التي ادت في المراحل الاخيره من العصور الوسط المتقدمه الى تجمع الثروات بايدي ابناء الطبقه البرجوازيه الامر الذي ادى الى انتقال الثقل الحياه الاجتماعيه من الريف الى المدن ولقد انعكس هذا التحول على الفن ايضا فبعد ان كان فن الكاتدرائيات قبل عصر النهضه فنا ارستقراطيا مرتبطا بالاديره فاصبح منذ القرن الثالث عشر فنا حضريا برجوازيا وهذا يعني ازدياد دور التجار وهم رجال علمانيون في تشييد الكاتدرائيات الكبيره وتناقص دور رجال الدين بالمقدار نفسه وجاء دور ثقافه عصر الفروسيه منذ القرن الثالث عشر لتخفف من غلواء الثقافه الاقطاعيه في تاكيدها التفاوت في المراتب ولتكن وسطا بينها وبين الثقافه البرجوازيه الجديده ذات النظره المتحرره الى الحياه ولعل ابرز دور لبرجوازيه هو جعل الثقافة ذات صبغه دنيويه بعد ان كانت خلال القرون الوسط المتقدمه ثقافه غيبيه ما ورائيه تحتقر كل ما هو مادي ملموس ودنيوي وتمجد كل ما هو غيبي وروحاني وبفضل اشعه الروح الدنيويه في الثقافة لم يعد الفن لغة خاصة لفئة محدده من الواصلين على حد تعبير ارنولد هاوزر بل اصبح معنيا. كما ان المسيحية ذاتها لم تعد عقيدة القساوسة بل تحولت الى عقيدة جماهيرية واخذ الاهتمام ينصب على تاكيد مضمونها الأخلاقي على حساب الشعائر والتعاليم الثابتة ولقد كان دانتي سباقا في التبشير بهذه القيم بواسطة اعماله الادبية لا سيما الكوميديا الالهيه ذلك من أواخر القرن الثالث عشر مطلع القرن الرابع عشر لقد كان للتجاره وتطورها دورا بارزا في تحطيم الأطر الضيقة((لعويلمات)) القرون الوسطى وفي اضعاف مظاهر التعصب الاعتقادي والتطوير المناهج التعليمية لتصبح قادر على تلبية متطلبات الحياة الجديدة يفترض المؤرخون ان نوع التعليم الذي يحتاج إليه التاجر هو الذي أدى إلى تحرره التدريجي من وصايا الكنيسة ومع ان المؤرخين يفترضون أن معرفة القراءات والكتابة والحساب التي كان الضرورية من أجل ممارسة التجارة كانت تلقن في البداية على الأقل بواسطة القساوسة إلا أن هذه المعارف كانت تختلف كل الاختلاف عن الموضوعات التقليدية التي كان يؤكد عليها التعليم الكنيسي مثل النحو والبلاغة فضلا عن ذلك فمن المفروض ان التجاره تقتضي الماما ببعض اللغات ولكنها لغات حية وليست اللغة اللاتينية من بينها وهكذا استطاعت اللهجات المحليه في أقطار أوروبية متعددة ان ان تشق طريقها الى المدارس العلمانية التي اشتدت الحاجة إليها منذ القرن الثاني عشر في كل مدينه كبيره تقريبا وهذا يعني أن التعليم باللهجات المحلية عمل مع مرور الزمن على القضاء على احتكار رجال الدين للتعليم وعلى صبغ الثقافة بالصبغة العلمانية وهكذا فقد اصبح بالامكان منذ القرن الثالث عشر وجود أشخاص مثقفين من غير رجال الدين لا يعرفون اللاتينية لقد كان الشعر التروبادور من بين العوامل التي ساعدت منذ القرن الثالث عشر على إحداث تحولات عميقة بروح عصر النهضة في ميدان الأدب لقد كان هذا الشعر باعتراف المؤرخين شعرا علمانيا يتسم بطابع معادي كل المعدات لروح الكنيسة الزائده الكهنوتية لقد أصبح الشاعر الدنيوي منذ الآن يحل تماما محل الشاعر الهاوي من رجال الدين وبهذه الطريقه وضعت نهاية لتلك الحقبة التاريخية التي استمرت حوالي ثلاث قرون كانت الأديرة خلالها هي المقر الوحيد الشعر لقد كان لظهور الفارس على المسرح الادبي بوصفه شاعرا ((شيئا مختلفا كل الاختلاف عن الدوره السلبي الذي كان يقوم به الجمهور العلماني من قبل وكان شيئا جديدا الى حد اننا ينبغي ان ننظر اليه على انه كان من أعمق نقاط التحول في تاريخ الأدب)) على حد تعبير أرنولد هاوزر. ان اتجاه التطور العام الذي ساعد على استمرار اشعه الطابعه الدنيوي في الحياة الاجتماعية هو الذي جعل بلاطات الملوك والامراء تتنافس بما بينها على اجتذاب الفنانين والشعراء مما ساعد على ظهور ما يسمى ب ((شاعر البلاط)) الذي كان يتقاضى أجرا ساعده على الاستقرار ومن الناحية الاخرى فان ظهور شاعر البلاط جعل الشعراء والمنشدين الجوالين يفقدون عادات الطبقات العليا ويعودون الى توجيه شعرهم الى جمهور من مرتبة أدنى ويقدم ارنولد هاوزار تحليلا دقيقا لعمليات التحول هذه وأثرها في تعميق دور اللهجات المحليه في الحياه الثقافيه لمختلف الطبقات المجتمع ان شعراء البلاط الذين تعمدوا أن يقفوا في الطرف المضاد للشعراء الجوالين قد تطوروا إلى ادباء بالمعنى الصحيح يتصفون بكل مظاهر الغرور والكبرياء التي أصبحت تميز ادباء النزعه الانسانيه فيما بعد فهم لم يعودوا يقنعون التمتع ابلحظوة لدى سيد عظيم والانتفاع من كرمه وإنما أصبحوا يتوقون الى ان يصبحوا معلمين لسادتهم. ومن الناحية الاخرى فان الأمراء لم يحتفظوا بهم من أجل الترويح عن ضيوفهم فحسب كما كان الحال رجال البلاط مع الشعراء الجوالين قبل ذلك بل اصبحوا يتخذون منهم رفقاء وامناء على السر ومستشارين وهكذا فقد ارتقت الان مكانه الشعراء الاجتماعيه وازداد دورهم في الحياه الفكريه للمقارنه مع التابعين من امثالهم في العصور الماضية لقد اصبحوا من ارفع الثقات في كل المسائل المتعلقة بالذوق السليم واصول السلوكي في القصور وشرف الفروسيه وهؤلاء هم الأسلاف الحقيقيون لشعراء عصر النهضة وادبائه الانسانيين او هم على اي حال قد اسهموا في التمهيد لظهور هؤلاء الاخيرين بدور لا يقل عن دور خصومهم المثقفين المشردين على ان روح البرجوازية التي شكلت القوى الدافعة في هذا المجتمع الجديد الذي فقدت فيه القيم القديمة نفوذها دون ان تزاح من موقعها بينما لم تتمكن القيم الجديدة بعد من الهيمنة والتسيد هذه الروح استطاعت فرض نفسها في الفنون التشكيلية بسرعة أكبر مما فعلته في الشعر حتى الان فإذا كان الشعور ما يزال لا يضم سوى نماذج قليلة إذا ما قيست بمجموع ما كان ينتج منهم تعبر تعبيرا مباشرا عن روح الاستمتاع الدنيوي الواقعي للحياة وفق الاتجاه البرجوازي الجديد فإن الروح البرجوازية استطاعت في الوقت عينه ان تتغلغل في الفن التشكيلي كله لتشمل كل انواعه تقريبا لقد تحقق في هذا الفن منذ القرن الثالث عشر تحولا هائلا للروح الأوروبية من مملكة الله الى الطبيعه ومن العالم الاخر الى البيئة المباشرة ومن الغوامض الاخرويه الهائلة الى اسرار عالم المخلوقات الاكثر بساطة يفوق كثيرا ما تحقق منه على مستوى الشعر لقد لاحظ المختصون ان الفن البصري كان أسبق إلى الكشف عن تحول اهتمام الفنان(( من الرموز الكبرى والعلاقات الميتافيزيقية إلى تصوير ما يدور في التجربة المباشرة ما هو جزئي ومحسوس)) . كما اقامت دليل على عودة هذا الفنان الى(( تكريم الحياه العضوية التي فقدت بعد نهايه العالم القديم (الإغريقي والروماني) كل معاني وقيم لها)). ، وعلى أن الأشياء الفردية في الواقع المجرب اصبحت ((منذ ذلك الحين موضوعات للفن دون ان تحتاج الى تفسير آخر روي خارق للطبيعه))فضلا ان هذا التحول كان في الفن التشكيلي أوضح منه في الشعر. يجب ان لا يخطر ببال أحد أن ينزعه مطابقة الطبيعة القائمة على اساس رد الواقع الى مجرد مجموعة الانطباعات الحسية كان يمكن لها ان تسود المراحل الأخيرة من العصور الوسطى المتقدمة( القرن الثاني عشر والثالث عشر) ، وذلك بالضبط مثل ما كان من المتعذر ان يحل نمط الحياة البرجوازية محل أنماط الحياة الاقطاعيه خلال الفترة عينها او أن تختفي الديكتاتورية الروحيه للكنيسه مخليه الطريق امام ثقافه حره ودنيويه غير مقيدة ان الذي طرأ على الفن شانه وشان الانشطه الحضارية الأخرى في هذه الحقبة من تاريخ اوروبا مقدار معين من التوازن بين القيد والحرية لقد كانت النزعة الى مطابقه الطبيعيه في هذا العصر خير تجسيد لهذا النوع من التوازن غير المستقر بين النوازع التي تؤكد الحياه والنوازع التي تنكرها وشبيه بذلك تارجح الحياه الدينيه باسرها انذاك بين التعاليم المفروضه والايمان الباطن بين العقائد الكنيسه والتقوى العلمانيه وتارجح الحياه الاجتماعيه بين الحرفيه والذاتيه لقد عكست هذه المتقابلات جميعها الاجتماعيه والدينيه والفنيه نفس التناقض الداخلي ونفس الاستقطاب الروحي ان هذه الثنائيه القائمه على التقابل بين المتنقبات انعكست في الشعر القرون الوسطى المتوسطه فانها في الطبيعيه لم تعد(( عالما ماديا اخرس)). كما كانت تبدو في نظر القرون الوسطى المتقدمه في القرون الوسطى المتوسطه لم يعد المرء يبحث في الطبيعه النظائر لحقيقه خارقه للطبيعه فحسب وانما اخذ يبحث فيها عن اثار لشخصيتي وانعكاسات لمشاعره الخاصه فالمرج المزهر والجدول المغطى بالجليد والربيع والخليفه والصباح والمساء كل هذه تعد مراحل في رحله للحج تقوم بها الروح ومع ذلك فعل الرغم من ان هذا الشعور بالالفه مع الطبيعه ظل الناس يفتقرون الى ادراك ما هو فردي في الطبيعه في الصور المستخلصه من الطبيعه كانت جاهزه وتقليديه في جمود وتفتقر الى التنوع الشخصي والتعاطف العميق فقد اغنيه الحب تتكرر مرارا اوصاف محفوظه لمناظر الربيع والشتاء حتى تعد اخر الامر مجرد صيغ تقليديه فارغه مع ذلك فان مجرد تحول الطبيعي الى موضوع للاهتمام والنظر اليها في ذاته على انها امر مجرد تحول الطبيعي الى موضوع الاهتمام والنظر اليها في ذاتها على انها امر جدير بالوصف هو في ذاته امر يسترعي النظر ويعلي الاورنولد هاوزر هذه الظاهره على اساس ان عيني الانسان ينبغي(( ان تتفتحا اولا على الطبيعه قبل ان تستطيع كشف السمات الفرديه فيها )). لقد تحقق في ميدان الفن تشكيلي الذي كان له سبق على الشعر في الكشف عن نزعه مطابقه الطبيعه انتقال مفاجئ الفن من حاله لم يكن ينظر فيها الى الجنس البشري الا في كليته واطراده ولا يميز بين الناس الا تبعا لكونهم سينعمون بالخلاص او ستلحق بهم اللعنه ويتجاهل كل الفوارق الفرديه الاخرى على اساس انها خارج كل الخروج عن الموضوع الى حاله مختلفه كل الاختلاف تؤكد الفردانيه وتحاول الوصول اليها في كل شكل ويعبر المؤرخون عن ده شتم الكيفيه التي استيقظ بها فجاه احساس بالاشياء العاديه وبالحياه اليوميه وكيف بدا الناس مره اخرى يلاحظون بسرعه ويرون الاشياء والرؤيه صحيحه ويجدون ثانيه لذه فيما هو عرضي تافه ولعل الكوميديه الالهيه لدانتي كانت قد حققت بالفعل سبقا من هذه الناحيه. وهكذا فان التغيير الاساس وربما الجوهري في راي مؤرخي الحضاره هو ان فن العصور الوسطى المبكره كان من حازن الى جانب الروح وحده وكان يرفض كل محاكاه للواقع المجرد مباشره وكل تحقيق بواسطه الحواس اما الان اي في العصور الوسطى المتاخره فقد حل محله فان يجعل صحه كل تعبير حتى ولو كان ذلك تعبيرا عن ارفع الامور على الطبيعه واكثر مثاليه والوهيه متوقفه على الوصول الى مطابقه كامله مع الواقع الطبيعي المحسوس وبهذه الطريقه فقد تبدلت كل العلاقه بين الروح والطبيعه وهكذا بينما كانت الطبيعه توصف في السابق بافتقاره الى الروح اصبحت توصف الان بشفافيتها الروحيه وقد رجع للتعبير عن الروحي لقد اصبح الان للحقيقه وجهان بعد ان كان لها في السابق وجه واحد ولقد اصبح الناس الان يعرفون بوجود طريقين مختلفين للحقيقه او بوجود نوعين للحقيقه هنالك الايمان والعلم والسلطه والعقل واللاهوت والفلسفه وهما مفهومان يناقض احدهما الاخر وان كل مفهوم منه ما يعبر بطريقته الخاصه عن نوع من الحقيقه سنرى فيما بعد ان عصرنا واقام اساسا على مبدا الصراع بين هذه المتناقضات في ميدان العلم والفلسفه والعقيده والسياسه والعلاقات الاجتماعيه وان هذا الصراع انعكس بوضوح على النشاط الابداعي شعرا ورسما ونحتا الى اخره وسيختتم عصر النهضه وهو ينجز مهماته بحل مؤقت على الاقل في تقليب جانب على اخر وسيكون التطور اللاحق بعد عصر النهضه محصله مباشره لهذا الصراع بين المتناقضات في تغليف جانب على اخر او في التوفيق بينهما وذلك في ميدان السياسه والاجتماع والنشاط العلمي والفني على حد سواء. لقد احدث عصر النهضه تغيرات ضخمه في كل الابنيه الاقتصاديه والاجتماعيه للشعوب الاوروبيه وتمثلت هذه التغيرات منذ القرن الخامس عشر هذه الحقبه التي عمت فيها قيم عصر النهضه اقطار اوروبا الغربيه جميعها بالغاء نظام القنانه والغاء نظام السخره الذي كان سعيدا في المجتمع الاقطاعي وباعتماد النقود معياره لتنظيم العلاقات بين الفلاحي وملاك الاراضي بالانتقال التدريجي في الانتاج اليدوي في ورشات الطوائف الى الانتاج الراسمالي في المعامل الكبيره وبالاكتشافات الجغرافيه الكبرى وتطور التجاره الخارجيه التي وضعت اساسا للسياسه الاستعماريه فيما بعد لقد عد كل ذلك علامه على ظهور البرجوازيه بوصف اقوى عالميه استطاعت ان تتمرد على العطر الضيقه لنظام الانتاج الحرفي الذي كان سعيدا في عهد الاقطاع القديم وان تاخذ زمام نفسها بوصفها طبقه تتخذ الاهبه للكفاح الى من اجل السياده الاقتصاديه فحسب من اجل السياده السياسيه ايضا. الى جانبي انهيار الصيغ القديمه للحياه فقد تم ايضا انهيار تلك المفاهيم التي كانت تشكل الاساس الايديولوجي الاعتقادي لتلك الصيغ وبدلا من العقيده الجامده المعروفه باخلاقيتها التسلطيه بدلا من الخضوع للاعراف وجهات النظر التقليدي التي تحظى بمباركه الكنيسه جرى اعتماد مبدا جديد يتسم بقدر من الواقعيه اكبر في التعامل مع الواقع الحياتي ويتلائم مع متطلبات العلاقات الاجتماعيه الجديده كذلك ظهر الى الوجود اسلوب البحث الانتقاد المستنده للعقل والخبره العلميه الذي وضع اساسا للفلسفه الحديثه وللتقنيه والعلم الحديثين.