نعرض الآن ببعض التفصيل لسيرة المقوقس وهو — كما تقدم — من أكبر الشخوص الخلافية في تاريخ مصر، ويندر أن توجد في تاريخ العالم كله سيرة خلافية من هذا القبيل.وشطر من اللوم في ذلك على المؤرخين الناسخين، وشطر آخر من اللوم على المؤرخين الذين يدخلون أهواءهم الحديثة في مسائل التاريخ الخالية، ويكتبون بخصومات اليوم وأغراضه في شئون لم يكن فيها محل قط لتلك الخصومات والأغراض!وقد كان تاريخ المقوقس مبهمًا كتواريخ حكام الرومان في البلاد التي فتحها العرب من فلسطين إلى إفريقية الشمالية؛ يتولاها الإمبراطور اليوم، ويغير المناصب وأصحابها، ولا يستقر على عرشه حتى يثور عليه طامع في الملك يهدم كل ما أقامه من أركان ملكه، وقد يبقي أناسًا من أصحاب المناصب كانوا معه سرًّا أيام ثروته، وقد ينكل بأناس كان يداريهم ويداورهم إلى أن يتمكن منهم، وقد تنظم الدولة وتجري حوادثها على وتيرة معقولة بضع سنوات، ولكنها تصل إلى التاريخ في عصر قد اضطرب فيه التاريخ والمؤرخون، ويبذل الثناء لمن لا يستحقه، وتمسخ الأخبار والحوادث مسخًا لمجاراة المآرب والشهوات!وتاريخ المقوقس كان عرضة للمسخ والإبهام في جميع هذه الجوانب: كان عرضة للمسخ والإبهام من جانب المؤرخين النساخين، وعرضة للمسخ والإبهام من مؤرخي العصور الحديثة الذين نظروا إلى أيام الفتح العربي كأنهم ينظرون إلى فتح يحدث في هذه الأيام، ثم كان قبل ذلك جميعه عرضة للمسخ من تقلقل الأحداث وتغير الدول والحكومات والأحزاب الدينية والسياسية، ويكفي منها اغتيال إمبراطور وجنون إمبراطور بعده، ودخول مصر في حوزة الفرس وخروجها منها، وتنازع الكنائس على العبادات تنازعًا قد استعصى على كل توفيق، فمن دان بمذهب فخصوم ذلك المذهب عنده كفرة مشركون ولا توسط بين الطرفين؛ وتطرأ في إبانها غارات من الخارج وثورات من الداخل لا تؤذن في حينها باستقرار! واختلفوا على منصبه، فضلًا عن الاختلاف على مقاصده وأغراضه!وظن بعضهم أن المقوقس اسم الرجل على أصله، أو مشوبًا ببعض التحريف.وظن بعضهم أنه لقب وظيفة، ثم اختلفوا في الرجل الذي كانت تطلق عليه، فمنهم من اعتقد أنه «الأجيرج» أو الأعيرج الذي جاء في كلام بعض المؤرخين العرب أنه كان يتحصن في قصر بابليون، ومنهم من اعتقد أنه البطرق بنيامين الذي كان على مذهب الكنيسة الوطنية، ومنهم من اعتقد أنه البطرق فيروش الذي كان على مذهب الكنيسة الملكية، ومنهم من قال: إنه وطني تمذهب بمذهب أبناء البلاد واعتقد الكفر في رؤساء الدين بالقسطنطينية، فأضمر الكيد لهم وأحب أن يستأثر بالحكم دونهم، ولم يتفقوا بعض الاتفاق أخيرًا إلا في أمر لقبه باللغة اليونانية، فليس بين المؤرخين اليوم من يحسب المقوقس اسمًا للرجل.بل ليس فيهم من يحسب أنه لقب سبقه إليه أحد من ولاة الروم على الديار المصرية.وعندنا أن هذا «اللقب» مفتاح لبعض الألغاز التي أحاطت بتاريخه؛ لأنه يرجح الدلالة على جنسه، وعلى علاقته بالدولة التي كانت لها السيادة الاسمية على البلاد.لم تجر عادة الدول الأجنبية أن تفخم ألقاب الولاة إلا إذا كان الغرض مرضاة البلد المحكوم بمظهر من مظاهر السيادة.وكانت الدولة الرومانية على الخصوص تكتفي بأيسر الألقاب إذا أطلقتها على الولاة من الرومان، فكانت تسمي الوالي حاكمًا أو قنصلًأ أو نائب قنصل أو نائبًا أو وكيلًا، من أشباه هذه الأسماء التي تؤدي المعنى الرسمي ولا تزيد، وتعمدت الدولة في أيام العواهل أن تضعف من في الولايات؛ لأنهم كانوا يرشحون أنفسهم للعرش إذا برزوا بين القادة وملكوا زمام الجيش في إقليم كبير.إنما كانت ألقاب التفخيم مقصورة على الوطنيين ومن هم في حكمهم من المنتسبين إلى البلد؛ لأن هذا اللقب عوض عن التاج حيث لا منازعة عليه، فلا خطر على الإمبراطور في القسطنطينية من رئيس وطني مفخم في بلده بين أبناء وطنه، بل في ذلك دفع لخطر الثورة ورضى بالنصيب المقدور من الرئاسة، وأما الخطر كل الخطر فهو من تعظيم قائد روماني ينازع الإمبراطور على عرشه، ويتخذ من فخامة اللقب ذريعة إلى الاقتراب به من مقام الإمبراطور وجميع الأعوان الذين يحيطون به، كما يحاط بكل حاكم مناظر لصاحب العرش يطمح إلى مكانه.وقد وجب تعويض مصر عن بعض ما فقدته من سلطان الملك وسلطان الدين بعد القرن الخامس للميلاد.فقبل ذلك كانت الثورات في مصر لا تنقطع، وكان بعض الثائرين من قادة الرومان أنفسهم، فلما استقرت هذه الثورات بعض الشيء كانت الإسكندرية قد تعرضت لمنافسة شديدة أشد عليها من سلطان السيادة السياسية.كان الإمبراطور قسطنطين قد دان بالمسيحية في أواخر أيامه، فأصبحت عاصمة الدولة تابعة في العرف الديني لكنيسة الإسكندرية؛ لأنها أقدم الكنائس وأكبرها في المشرق والمغرب.ثم جاء جوليان المرتد بعد قسطنطين فبقيت للإسكندرية مكانتها الكبرى، ولم تكن للقسطنطينية مكانة دينية كبيرة أو صغيرة؛ لأنها عاصمة دولة لم تعترف بالدين، أو لم تثبت على الاعتراف به، وانقلبت عليه تحاربه وتقصي أتباعه من مراكزها العليا.وظل مقام الإسكندرية مقامها إلى القرن السادس الذي استقرت فيه المسيحية في عاصمة الدولة وأصبحت كنيستها عاصمة الكنائس على هذا الاعتبار، وأوشكت هذه الصفة أن تثبت لها بعد تسمية القسطنطينية برومة الجديدة؛ تعاليًا بها على رومة القديمة، فلم يبق لبطرق العاصمة مناظر يحسب حسابه غير بطرق الإسكندرية. وإذا كان مذهب الملك هو المذهب السائد في بلاد الدولة الرومانية، فرئيس الكنيسة في الإسكندرية تابع ولا شك لرئيس الكنيسة التي يصلي فيها الإمبراطور ويتولى رئاستها الدينية في عاصمته الكبرى، وبطرق الإسكندرية مرءوس لبطرق القسطنطينية على هذا الاعتبار.لقد كان البطرق الإسكندري رأس الدين المسيحي في العالم كله قبل رؤسائه في العاصمة الغربية والعاصمة الشرقية، وكان من بطارقتها من يقول: «ماذا يعنيني من الإمبراطور؟ إنني هنا الإمبراطور!» وكان صادقًا فيما قال؛ لأن الناس كانوا يطيعونه ويؤمنون بأن طاعته من طاعة السماء، أما الإمبراطور فمهما يكن من أمر طاعته القسرية فهي طاعة أرضية على كل حال!هنالك وجب تعويض مصر، ووجب اجتماع اللقب السياسي واللقب الديني في كرسي واحد، وكان هذا هو حكم البداهة الذي وافقه حكم الواقع، فكان «المقوقس» جامعًا بين صفة الرئاسة الدينية وصفة الرئاسة الإدارية، أو كان هو بمثابة «ولي الأمر» في مصر بالاصطلاح الحديث، وقد تكون رئاسته عند الدولة رئاسة شرف يعززها مكانة «عملية» بين أبناء البلاد. فهو لا يخلو كل الخلو من التكرار المتجدد حينًا بعد حين، ولعل لقب «الخديو» أشبه الأشياء بلقب «المقوقس» في أواخر عهد الدولة الرومانية، فهو وال وأكثر من وال في المنزلة السياسية، وهو ولي الأمر بالنيابة عن الخليفة أمير المؤمنين، وباسمه تقام الأحكام الشرعية والإدارية في ظل شاهنشاه، وخليفة الإسلام.كان لقب المقوقس أو المقوقز كلمة يونانية بمعنى المفخم أو الفاخر، كالحضرة الخديوية «الفخيمة» أو المفخمة كما صححتها اللغة العربية. ودفع النزاع والتنافس بين سلطان العاصمة الكبرى وسلطان الإسكندرية، أما الغريب الذي قلما يفهم فهو إطلاقه على قائد روماني لا يكبر — إذا كبر — إلا لينتزع العرش من الإمبراطور.وهذه ناحية من نواحي البحث المنتج في تاريخ المقوقس وتاريخ الفتح العربي على إجماله، وهناك نواح أخرى تضارعها في الإنتاج أو تزيد عليها، ومنها خطاب النبي — عليه السلام — إلى المقوقس، وتلك السمعة «الخارجية» التي جعلت له هذه المكانة، وجعلته أهلًا لأن يخاطبه النبي — عليه السلام — في أمر المصريين جميعًا، مع خطابه لهرقل في الوقت نفسه، كأنه لا يملك من أمر مصر ما يملكه المقوقس. والتزام الإنجاز والتنفيذ بعد ارتحال الجيش الروماني من البلاد، ومنها البواعث النفسية التي تحبب إليه أن يبقى في مصر ويخرجها من دولة الروم أبدًا، فكل هذه النواحي المنتجة تؤدي إلى شيء من الترجيح القوي، إن لم يكن من شأنها أن تؤدي إلى القطع والجزم في جانب الإثبات أو جانب النفي والإنكار، ولكنها على ذلك أهملت أسوأ الإهمال، ولم يعرها «المؤرخون النساخون» بعض ما أعاروه كعادتهم للمقارنة بين النصوص والموازنة بين الأرقام، ولا في حوادث كل يوم.