تعاني علوم كثيرة من إشكالية وضع تعريف جامع مانع لها، متفق عليه ويتم اعتماده بصورة مستمرة، وذلك بسبب طبيعة العلم التطورية، إذ تتجدد وتتعدل اتجاهات البحث والدراسة على توالي الأزمان وتتراكم المعلومات العلمية وتنمو في مسارات متشعبة وفق تطور المفاهيم وتكوين النظريات الجديدة، إذ تتسم النظريات العلمية بالتغيير على نحو دائم, وكلما تنوعت دراسات الباحثين في مجالات هذه العلوم واستدعت الحاجة إلى استيعاب الإبداعات الجديدة في الجهد العلمي وميادين التطبيق، كلما أعيد النظر في المسلمات القديمة والمفاهيم والنظريات والتعريفات الثابتة في تلك العلوم وعدلت أو استبدلت بما يلائم الحالة العلمية الجديدة. وبهذا تواكب العلوم التقدم الإنساني المضطرد في مجالاتها وفي المجالات الأخرى المؤثرة فيها والمتأثرة بها، فينمو ويزداد نشاطها العلمي. إن قضية وضع تعريف لعلم المعلومات هي مشكلة مزمنة صاحبت هذا العلم منذ بداياته وما تزال حتى اليوم تحظى بنقاش كبير وجدل واسع، تدل على حيوية هذا العلم وتجدده وتطوره المتنامي المستجيب للتقدم العلمي الذي تشهده ميادينه النظرية والتطبيقية والحقول العلمية الأخرى المرتبط بها علمياً أو عملياً فالعلم لا يتحجر وإنما يتطور كل يوم بالنماذج الجديدة، ومن لايقبل هذا التطور فليس هو بعالم ويسعى علماء المعلومات في أنحاء العالم إلى وضع نظرية شاملة لعلم المعلومات وبناء قوانينه العلمية وإنجاز تعريفه الموحد. ف هو من العلوم الحديثة النشأة ولم يتجاوز عمره النصف قرن. لن تعيق تطوره، فعلم كالاتصال مثلاً لم يتم الاتفاق على تعريف جامع له، وليس ذلك عيباً في علم الاتصال إذ إن مشكلة صياغة التعريفات مشكلة شائعة في كل العلوم ولاسيما الحديثة منها على وجه الخصوص. لقد وضع الرواد الأوائل ومن جاء بعدهم تعريفات متعددة لعلم المعلومات، وأن اختلفت هذه التعريفات في صياغاتها اللغوية أو تفصيلاتها الجزئية، فإنها تتفق في معانيها الشاملة وفي أطرها العامة، وقد عبرت في مجملها عن قضية واحدة ولكن من وجهات نظر متعددة. وبعد أن درس الباحث عدداً كبيراً من هذه التعريفات وعدداً آخر من دراسات وبحوث كتبت عنها، توصل إلى أن التعريف الذي صدر عن مؤتمري معهد جورجيا للتكنولوجيا المعقودين عامي 1961 و 1962 كان أكمل وأشمل التعريفات وأن باقي التعريفات وإن زادت عليه أو نقصت عنه، فإنها تصدر منه وترد إليه، فضلاً عن كونه أول وأقدم هذه التعريفات وله قوة الإجماع العلمي لصدوره عن مؤتمر ترعاه مؤسسة علمية سعت من خلاله إلى وضع برامج دراسية لأخصائيي المعلومات، لذلك فقد تم اعتماده أساساً لمناقشة التعريفات الأخرى ومقارنتها به. عرف مؤتمر معهد جورجيا علم المعلومات بأنه: «العلم الذي يدرس خواص المعلومات وسلوكها والعوامل التي تحكم تدفقها ووسائل تجهيزها لتيسير الإفادة منها إلى أقصى حد ممكن، وتشمل أنشطة التجهيز إنتاج المعلومات وبثها وتجميعها وتنظيمها واختزانها واسترجاعها وتفسيرها واستخدامها والمجال مشتق من أو متصل بـ «الرياضيات المنطق اللغويات، بحوث العمليات، الفنون الجرافية [الطباعية ] الاتصالات، 2 - 1 . 2 - 3. له ارتباطات و تداخلات موضوعية أساسية مع حقول علمية متعددة. ويلاحظ أن «علم المكتبات يرد في التعريف عند آخر قائمة العلوم المتصلة بعلم المعلومات وهو العلم الأكثر عطاء لهذا العلم الجديد، حيث قدم له الأدوات والأساليب المهنية الأساسية للعمل المعلوماتي. وتكاد تجمع التعريفات الأخرى على ذكر المواصفات الثلاث المحددة لعلم المعلومات في صياغاتها تصريحاً أو تلميحاً ، سنجد ذلك واضحاً في أهم هذه التعريفات التي صاغها أبرز علماء المعلومات في العالم، ففي عام 1963 نشر تايلور (R. S. Taylor) تعريفه الذي نص على أن «علم المعلومات» يدرس خواص المعرفة وكيانها وبثها، وبناء على ذلك فإن لعلم المعلومات جانبين، أحدهما نظري ‏(Theortical) والآخر عملي (Operational)، ففي الجانب النظري يدرس نظم المعلومات المتنوعة، والإنسان كعنصر في عملية الاتصال ويدرس تفاعل العوامل المؤثرة في ذلك، وفي هذا الجانب فإنه يتقاطع مع علوم متعددة كالرياضيات والمنطق، وعلم النفس وعلم وظائف الأعصاب (Neurophysiology) وعلم اللغة. أما في الجانب العملي فالاهتمام يكون بتطوير النظم البشرية / الآلية، لتوفير أفضل الأوضاع للإفادة من المعرفة المتخصصة، وفي هذا الجانب فإنه يتقاطع مع التكنولوجيا في مجال الهندسة الكهربائية والحواسيب ومع علم الإدارة والمهنة المكتبية وبحوث العمليات إن هذا التعريف وإن احتوى أساسيات تعريف معهد جورجيا فقد كان أكثر عمومية، إذ أشار تايلور في تعريفه إلى مجموعة من علوم المعلومات وليس علماً واحداً. ويكرر تايلور عام 1967 مضمون تعريفه هذا في حديث له أمام الجمعية الأمريكية لعلم المعلومات وفي عام 1968 قدم بوركو (H. Borko) تعريفه الشهير لعلم المعلومات موضحاً بأنه علم متداخل التخصص (Interdisciplinary) يبحث في خواص المعلومات وسلوكها، والقوى التي تحكم تدفقها والإفادة منها والأساليب اليدوية والممكنة في معالجتها وخزنها واسترجاعها وبثها وقد جاء هذا التعريف بخلاصة تعريف مؤتمري معهد جورجيا، وأن استخدامه عبارة «الأساليب اليدوية والممكنة في معالجة المعلومات وخزنها واسترجاعها وبثها فيها إشارة إلى الجانب التطبيقي من علم المعلومات المستند إلى الأساليب المكتبية التقليدية التي تطورت باستخدام تكنولوجيا المعلومات في المكتبات. وعند بداية السبعينيات وصل عدد تعريفات علم المعلومات تسعة وثلاثين تعريفاً، استعرضها والش في دراسة نشرت عام 1972 وحلل مصطلحاتها وتطوراتها تاريخياً وفق طريقة تحليل المضمون (Content analysis) مشيراً إلى أن علم المعلومات بدأ بتسمية (Library economy) وهي مدرسة ديوي للمكتبات التي أسسها عام 1887، وانتهى بتسمية (Informatics) مروراً بتسميات «التوثيق» و «استرجاع المعلومات» وخزن واسترجاع المعلومات إن هذه التسميات تمثل المسيرة التطورية لعلم المعلومات الذي بدأ من المكتبات وانتهى علماً شاملاً مستقلاً. وفي مؤتمر لعلم المعلومات عقده المعهد الدولي للتوثيق (FID) في موسكو عام 1974 قدم بروكس تعريفاً لعلم المعلومات، ينصب اهتمامه في تحديد الجانب التطبيقي لعلم وبطرق وأساليب متنوعة تسهل استرجاعها والإفادة منها لأنواع المستفيدين، وإننا إن هذا التعريف هو من أفضل التعريفات التي توضح العلاقة القائمة بين علم المعلومات وأساسيات المهنة المكتبية، ساعياً إلى تحديد العلاقة بين المعلومات والمعرفة لكونها ضرباً من الدراسات النظرية في علم المعلومات. Samuelsion) وآمي (B. 1968، وفي ختام السبعينيات، يستعرض تافكو سراسفك مجموعة من هذه التعريفات مؤكداً على أهمية دراسة هذه القضية، ويرى أن التعريف يمكن أن يتم بطريقتين هما: إما من خلال قواميس نوعية تعطي الخطوط العريضة للحدود الموضوعية للعلم، وإما من خلال مناقشة المشكلات التي يواجهها الحقل العلمي، مستشهداً بالقول: «إن العلم يعرف من خلال مشكلاته، وعمليات الاتصال، وهو بوصفه تخصصاً متطوراً فإنه يستخدم أدوات وأساليب أو تكنولوجيات عدد من التخصصات العلمية وأن موضوعه الأساس هو «المعلومات ومشكلته العلمية هي «الاتصال الإنساني» وأن للعلم جانبين نظري وتطبيقي، وأن تخصصات علمية متنوعة ترفد علم المعلومات بأدوات وأساليب وتكنولوجيا، وما قيل عن هذا التعريف يقال عن تعريف آخر صدر في الفترة نفسها، إذ نشر هيس Hayes ) (5) ما نصه: «إن علم المعلومات هو دراسة لعمليات إنتاج المعلومات التي تتم في أي نظام للمعلومات»، وأن هذه النظم يمكن أن تشمل: الحاسوب بوصفه نظام معلومات في حد ذاته. النظم الاجتماعية والنظم البيولوجية لقد أضاف هذا التعريف قضية جديدة لم تتطرق إليها التعريفات الأخرى وهي قضية المعلومات في النظم البيولوجية، قاصداً بذلك الإشارة إلى تناقل المعلومات داخل جسم الكائن الحي بوساطة الأعصاب، أو تناقلها عبر أجيال الكائنات الحية بوساطة الجينات الوراثية التي يعدها المتخصصون في علوم الأحياء أو التاريخ الطبيعي،