إلا أن الباحث والمستشرق أرنست رينان اعتبر أن العرب لم يسهموا سوى بترجمة آثار اليونان ونقدها، إلا أن القراءات لهذه الموضوعات تؤكد على إسهامات متميزة للعرب في مجالات العلم المختلفة. الحقيقة هي أن العرب والمسلمين لم يقتصروا على تطوير موضوعات العلوم ومناهجها فقط، بل عملوا على تأسيس ما نسميه اليوم بالعلم الإبستيمولوجي، مما يفرقه عن أساليب التفكير الأخرى مثل الفلسفة والدين والفن. يمكننا فهم ملامح وخصائص العلم عند العرب والمسلمين من خلال النظر إلى إنتاجهم المتنوع في مجالات مختلفة مثل الطبيعة والحيوان والأفلاك والتاريخ، الاستقصاء هو عملية عقلية تهدف إلى وصف وملاحظة الظواهر بهدف التفسير والتركيز على العناصر الأساسية المرتبطة بهذه الظواهر. يأتي هذا البحث لاستكشاف مفهوم العلم ومهامه الرئيسية كما تجلى لدى العرب والمسلمين، بالإضافة إلى مدى إسهام العرب والمسلمين وتحديات مستقبلهم في هذا الميدان. - دلالة العلم ومهامه في الأفق العربي الإسلامي: كانت ثقافة العرب تتسم بالأمية والتفضيل للشعر والقصص الشفهية، حيث شجع الإسلام على الاستفسار والتأمل، وحث على التفكير العقلاني والبعد عن المواقف العفوية من الحياة. كما ساهمت الدولة الإسلامية في تعزيز ثقافة البحث العلمي وتشجيع المجتمع على طلب العلم وممارسته، وساعدت اتساع البلاد الإسلامية في تبادل الثقافة مع الحضارات الأخرى، حيث تعرف العرب على إنتاجات الشعوب الأخرى ونقلوها وتطويرها في لغتهم. - مفهوم العلم ومهامه في الأفق العربي الإسلامي: من خلال دراسة بحوث العرب والمسلمين في مختلف المجالات العلمية، نجد أن مفهوم العلم بالنسبة لهم يعتمد على التجربة المعرفية التي تهدف إلى فهم وتفسير الظواهر بواسطة الطرق والمناهج المعلومة. ومن ثم القدرة على توضيحها أو إثباتها أو نفيها، - قام العرب بتقسيم العلم إلى نوعين: النظري والكسبي. النظري هو ما يتعلق بالفهم المباشر والمنطق البديهي، من خلال استخدام الوسائل المناسبة مثل السماع والتجربة والتفكير. بالإضافة إلى تقديم إسهامات في العلوم التجريبية مثل الفيزياء والكيمياء والجغرافيا، 1- دلالة العلم ومهامه في الأفق العربي الإسلامي: لدى العرب والمسلمين، بينما المعرفة التجريبية تهتم بفهم وتحليل محتوى الأفكار. من خلال هذا التحديد، يُصبح العلم مسارًا يوصل إلى اكتشاف الحقائق وتنظيمها، بالإضافة إلى أبحاث ابن خلدون في التاريخ والعمران. - كل الأمثلة المذكورة تشير إلى أن العلم عند العرب والمسلمين يُفهم على أنه معرفة تجريبية، ويُعتبر هذا مثالًا على العلوم الصورية. - ربط العرب المسلمون بين العلم والفضيلة، وفي الجانب العملي من خلال تحقيق السعادة وتجنب الآلام والأحزان والعذابات في الحياة. 2- خصائص المعرفة العلمية وأسسها: - العلم يُعتبر معرفة تقوم على التبادل والتأثير، - من منظور إسلامي، ويعتبرون أن كل ما يُقدمه العلم نسبي وقابل للتعديل بناءً على الأدلة الجديدة والبحوث الأحدث. يُختم العلماء العرب والمسلمون بحوثهم بعبارة "والله أعلم"، وهذا يشير إلى استعدادهم لمراجعة وتعديل أفكارهم. يتمثل النقد الذاتي في عادة العلماء في استعراض الأقوال السابقة وإعادة التفكير فيها، من خلال تاريخ العلم لدى العرب والمسلمين، كمثال، تعاملوا مع نظرية أرسطو في علوم الطبيعيات والإلهيات والمنطق، ونظرية إقليديس في المتوازيات، العلم لم ينشأ من العدم، بل ورثه العلماء العرب والمسلمون من الأقدمين وطوّروه وأضافوا إليه، يوجد اعتقاد بأن ما أسهم فيه العرب في مختلف الفروع العلمية ليس إلا إضافات تساهم في توجيه المسيرة نحو الحق. يعتبر العلم عند العرب والمسلمين مسارًا تواصليًا يخلو من القطيعة، حيث يمكن للعلم أن يعود إلى نقطة الصفر ويتقدم مجددًا. ومن اليقين إلى اليقين التام. الخطأ ليس خيارًا، بل قد يكون سهوًا أو نسيانًا يُصححه الله في النهاية. العلم عند العرب والمسلمين يمثل معرفة يقينية تسعى إلى الوصول إلى الحقيقة وتتجاوز الانطباعات والوصف السطحي. المعرفة العفوية تعتمد على الانطباعات والتقاليد دون التحقق العلمي. والحكم العلمي يستند على العقل والتجربة، تعلمنا مع العلماء العرب والمسلمين أن العلم يعتمد على الاستقراء والملاحظة والنظر والاختبار والتجريد والتعميم. العرب والمسلمون كانوا أول من انتبه إلى ضرورة تدقيق ومراجعة المحتويات العلمية السابقة، أثار ابن الهيثم إشكالية أساسية في طبيعة النظريات العلمية، مما جعل رأيه ما زال محل اعتبار ومستمرًا حتى اليوم. في ثقافة العرب والمسلمين، وهذا يظهر بوضوح في عمل ابن خلدون الذي أعاد تأسيس علم التاريخ على قواعد علمية، التمييز بين "ما قبل العلم" والعلم الذي وضحه العرب يتم التأكيد عليه في السياقات النقدية للعلم حتى اليوم، وهو ما يؤكده الكثيرون مثل ألكسندر كويري وباشلار. تمكن العلماء العرب والمسلمون من التحول من الأسلوب النظري والتأملي إلى منهج الاستقراء والتجربة عند دراسة الظواهر المادية، مما يؤكد على قيمته وأهميته قبل الغرب.