ثانياً: (تفسير آيات الصيام وما يتعلق بها من أحكام) فرضية الصيام وأحكامه وهو في اللغة: الإمساك عن الشيء، ويهون لذات الدنيا. الثالث: أن المعنى: لعلكم تتقون الله بصومكم وترككم للشهوات، وأنت ترى أن المعاني متقاربة. وأنه كان قد وجب صوم وقال قتادة بل هي ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عاشوراء. ثم إن هؤلاء اختلفوا أيضا. فقال بعضهم: إن هذا الصوم كان تطوعا، واستدلوا على صحة ما ذهبوا إليه بوجوه : الأول: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّم: «أن صوم رمضان نسخ كل صوم» فدل هذا على أن صوما كان قبل رمضان ونسخ به الثالث : أن قوله تعالى هنا : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ يدلّ على أن هذا الصوم واجب على التخيير، وصوم رمضان واجب على التعيين فواجب أن يكون صوم هذه الأيام غير صوم رمضان. مبلغ ما قالوا في التدليل لمذهبهم. وأبي مسلم وحاصله : أن الله سبحانه بين أولا أنه فرض علينا صوما كالذي فرضه على الذين من قبلنا، فبينه بعض البيان بقوله : أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ له وكان ذلك أيضاً محتملا لأن يكون فوق ثلاثة أيام إلى أكثر من شهر، ٣٥ أما ما تمسكتم به من قول النبي صلى الله عليه وسلّم: «صوم رمضان نسخ كل صوم» فلم لا يجوز أن يراد : كل صوم كان في الشرائع السابقة؟ ومعروف أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، فليكن هو الناسخ. ولئن سلّم أن المراد كل صوم كان عندنا فأين انحصار أدلة الوجوب في هذه الآية؟ ولم لا يجوز أن يكون صوما قد ثبت بأدلة غير هذه؟ وأما قولكم: لو كان عين شهر رمضان لكان قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ . إلخ مكررا. فلنا أن نقول: إن صوم رمضان ثبت في أول الأمر مخيرا فيه المكلّف بين الصيام، ويجوز أنه لا فدية عليه ولا قضاء فإنه يجب عليهما فلما نسخ الله ذلك عن المقيم الصحيح وألزمه بالصوم حتما، كان جائزا أن يظن أن انتقال الحكم من واسع إلى ضيق ربما يعم الكل فيساوي المريض والمسافر الصحيح المقيم. أو على الأقل يبقى حكم المريض والمسافر مجهولا : فكانت هناك حاجة إلى البيان فجيء به لدفع هذه الحاجة، فلم تعد بنا حاجة إلى الاعتذار عن حجتهم الثالثة. وأما الثاني، فلأنه يقضي بأن صوم رمضان ثبت في يلزم الأصحاء المقيمين فأما من كان مريضا أو مسافرا فله تأخير الصوم عن هذه الأيام إلى أيام أخر. وقد دلت الآية على عظيم فضل الله، فقد كانت مكتوبة على من قبلكم من الأمم، وهو أنه سبب قوي في حصول التقوى وثالثا : أنه لم يكلفنا بما يشق، واختلف في المسافر والمريض : ماذا يلزمهما في رمضان؟ ذهب جماعة من علماء الصحابة رضوان الله عليهم: إلى أن الواجب عليهما الفطر وصيام عدة من أيام أخر، فإن شاء صام وإن شاء أفطر، الصيام في السفر» (١) ، وقوله : «الصائم في السفر كالمفطر في الحضر». وأما الجمهور فقد قالوا : إن في الآية إضمارا تقديره فمن كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر ، وهو نظير قوله تعالى : فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ [البقرة: ٦٠] وقوله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُؤْسَكُمْ إلى قوله: أَوْ بِهِ أَدَى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ [البقرة: التقدير في الأول فضرب فانفجرت، أفأصوم في السفر ؟ فقال : «صم إن شئت، وقد ثبت عن النبي الله بالخبر المستفيض (٢) أنه صام في السفر رواه ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وأما ما روي من قوله : ليس من البر الصيام في السفر » فإنه كلام خرج على حال مخصوصة، وذلك ما رواه شعبة من حديث جابر بن عبد الله عن النبي الله أنه رأى رجلا يظلل عليه والزحام عليه شديد فقال: «ليس من البر الصيام في السفر» وقد ذكر أبو سعيد الخدري في حديثه أنهم صاموا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح في رمضان، ثم إنه قال لهم: والحنفية بعد ذلك يرون الصوم أفضل من الفطر. ويقول المالكية كذلك لمن قوي عليه. ويرخص له في الفطر، والواجب عليه ابتداء صوم أيام أخر، وصيامه في رمضان لا يعتد به. وأنت بعد الذي بينا من أدلة الطرفين إذا رجعت إلى النظم الكريم وجدت أنّ النظم قد شمل الخطاب فيه جميع المؤمنين كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ثم لما كان بعض الناس قد يكون له من العذر ما يقتضي التخفيف بين الله حال المعذورين بقوله : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وقال: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ على ما يأتي بيانه بعد، ثم قال: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ. فهل تجد بعد هذا مسوّغا لأن تفهم من الآية أنّ الفطر واجب على من لا يضره الصوم من أصحاب الرخص ؟ ثم انظر إلى قوله تعالى في الآية التي بعد هذه : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة : ١٨٥] فإنك لا بد فاهم منها أن الواجب الأصلي على الناس جميعا في رمضان هو الصوم، وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ظاهر العبارة يفيد أن القادر على الصوم له أن يترك الصوم إلى الفدية ولا يلزمه القضاء. وقد تقدم القول بأن بعض العلماء يرى أن هذه الآية من أولها منسوخة لهذا ولغيره، وبعضهم يرى أنه لا نسخ إلا في هذا الجزء، ويرى أن صوم رمضان كان قد شرع ابتداء على التخيير، ثم نسخ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وهذا كله على فقد قرئ يُطِيقُونَهُ بتشديد الياء بعد الطاء. أي: يتحملونه بمشقة، ١ - الأصحاء المقيمون ويلزمهم الصوم عينا في رمضان. وفيه ضرر، والقسم الثاني يقدر على الصوم، وقال بعضهم: إنها نزلت في حق الشيخ الفاني، يقال: في وسع فلان أن يفعل كذا وفلان يسعه أن يفعل كذا إذا كان يقدر عليه مع السهولة. أما الطاقة فهي اسم للقدرة على الشيء مع الشدة والمشقة، يقال: فلان وعلى هذا فلا نسخ في الآية، قاله الفخر الرازي. وأصحاب هذا الرأي قد اختلفوا، قال بعضهم: معناه من تطوّع بالزيادة على مسكين واحد فهو خير له، وقال بعضهم: من تطوّع بالزيادة في مقدار الفدية على المسكين الذي أعطاه وقال الزهري (۱): من تطوع بالصيام مع الفدية فهو خير له. أي يتحملونه فهو خير لهم من الفدية. ويكون المعنى: كتب عليكم الصيام. ٢ - قال الله تعالى : شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ وسمي الشهر شهرا لشهرة أمره، بعضهم: إنما سمي الشهر شهرا باسم الهلال. رمضان هو المدة من الزمان بين شعبان وشوال، الحجارة من شدة حر الشمس. فكان يكون قاسيا عليهم كقسوة أشعة الشمس المنعكسة عن الحجر الأبيض، فوافق هذا الشهر رمض الحر. وقيل غير هذا. ١ - ابتدأ إنزاله في رمضان والحوادث الجسام تؤرّخ وتنسب إلى أوّل أوقاتها وهذا من باب إطلاق اسم القرآن على بعضه كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [سورة الأعراف: ٢٠٤]، المراد من لفظ القرآن بعضه وليس كله. ٢ - وقيل: إنه نزل إلى سماء الدنيا جملة واحدة في رمضان لحكمة يعلمها الله، ولا منافاة بين إنزاله في رمضان، وإنزاله في ليلة القدر والليلة المباركة لأنّ ليلة القدر والليلة المباركة كانتا في رمضان روي عن ابن العباس (( أنزل ٣- روي أن القرآن كان ينزل كل سنة في شهر رمضان دفعة واحدة لمراجعة النبي - صلى الله عليه وسلم منه وهذا القول بلا أثر عن النبي يؤيده. والْقُرْآنُ اسم لكلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلّم، وقد اختلف في اشتقاقه، فقيل: إنه مشتق من القراءة: بل قد جاء بمعناها، لأنّ آياته قد قرن بعضها ببعض. وقيل من القرء بمعنى الجمع. هُدَى لِلنَّاسِ : هاديا لهم بما اشتمل عليه من الحكم والمواعظ التي هي شفاء ورحمة، ومبينا وكاشفا عن وجه الحق، وفارقا بين وجوابه: أنه تعالى ذكر أولا أنه هدى للناس، ولا شك أن الأول أكثر فائدة، فكان ذكره بعد الأول للميزة الخاصة بعد الميزة العامة. وهو على هذا في منتهى البلاغة. لأنها إما للعطف وإما للجزاء وهما لا يصلحان فكانت زائدة كزيادتها في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [الجمعة: ۸] وقال الفخر الرازي: ويمكن أن يقال: إن الفاء هنا ليست زائدة، بل هي للجزاء، فهو لذلك يناسبه أن يختص بهذه العبادة، إنزال القرآن فيه، كأنه قيل: وإذا كان رمضان مختصا بهذه الفضيلة فخصوه أنتم بهذه العبادة. شَهِدَ : حضر، والتقدير : فمن شهد الشهر وشاهده بعقله وبمعرفته فليصمه، وهو كما يقال شهدت عصر فلان وأدركته، إذ يقال : للصبي المجنون إنه أدرك الشهر، فمثله مثل وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة : ٤٣ ، فالآية تكون مخصوصة على هذا الوجه. وقد تقرر في الأصول أنه إذا تعارض التخصيص والإضمار، الآية لا توجب الصوم إلا على المقيم، فلا يكون صوم المسافر مسقطا للواجب، وهذا كلام قد نسب إلى الإمام علي - كرم الله وجهه - القول به والجمهور يرون الآية عامة في المكلفين، غير وعليهما عدة من أيام أخر. قد تقدم شرح هذه الآية، غير أنهم قالوا: إن في الآية ما يدل على أن قضاء رمضان لا يجب فيه التتابع، وذلك لأن (عدة) جاء منكرا غير معين، وذلك يقتضي جوازه مفرقا، وأيضا فقد قال تعالى : يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ والتيسير لا يكون بإلزامه أن يصوم كله دفعة. أيضا قال تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ فدل على أن المراد في القضاء هو صوم العدة، بين الله تعالى فيما تقدم أن شرع الصيام لنا هو شرعة في الأمم، وهو مع ذلك في زمن قليل أَيَّاماً وفي هذه الآية يبين الله تعالى أنه فعل ذلك تيسيرا وتسهيلا علينا في التكاليف، فهو لم يكلفنا ما فيه إعنات لنا ومشقة فهل يجب في مقابلة ذلك إلا الشكر ؟ والعسر ويجعل العلل مرتبة على سبيل اللف. فلا يكون عسرا، فبين الله تعالى أنه كلّف الكل على وجه لا يكون إكمال العدة عسيرا، شوال أن يكبروا. وقت الصيام ومفسداته وأحكام الاعتكاف قال الله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ الرَّفَتُ أصله قول الفحش ويقال : رفث في كلامه، وأرفث : إذا تكلم بالقبيح. هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ : شبه كلا من الزوجين باللباس. تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ يقال خانه يخونه خونا وخيانة إذا الم يف له، وخائن العهد ناقضه،