حلقة ١ من ٧ تدبر سورة الجاثية: الحلقة الأولى سورة الجاثية ومكانتها في القرآن بين أيدينا اليوم سورة من سور القرآن العظيم، سورة الجاثية. هذه السورة التي تشكل مع السور التي افتتحت بـ "حاميم" منظومة متكاملة، تقدم للإنسانية عبر تاريخها الممتد أعظم الإشكاليات التي يمكن أن تواجه الفرد والمجتمع في مسيرته على هذه الأرض. السور التي سبقت في مجملها - ونحن لنا وقفة بعد الانتهاء بإذن الله من جميع هذه السور التي تعرف بالحواميم، وقفة شاملة تقدم أبرز وأعظم وأهم القضايا التي تناولتها هذه السور المباركة منتظمة جميعها. هذه السورة جاءت بعد سور سبقتها في النزول وفي ترتيب المصحف تعالج إشكاليات معينة. فمن الاستبداد إلى الاستكبار إلى الزخرف إلى الانشغال بالحياة الدنيا إلى إلى إلى… وإذا بهذه السورة التي تعرف باسم الجاثية تأتي لتضع المسؤولية على المجتمع، كما تضع دوماً المسؤولية على الفرد باعتباره فرداً يعيش في مجتمع، محدثة التوازن بين دور الفرد ودور الجيل والجماعة أو المجتمع، دون تعارض ودون تناقض ودون إلقاء بالتهم على جانب أو تغليب جانب على آخر أو مسؤولية على أخرى. نزول السورة في العهد المكي سنوات من المكابدة، سنوات من المصابرة، سنوات من الأخذ والرد بين هذا النبي المبارك صلى الله عليه وآله وسلم وما نزلت عليه من الآيات العظيمة، وما بين مواقف قريش المزاجية المتقلبة التي لا يمكن أبداً أن يكون لها منطق يحكمها سوى منطق الهوى. الذي جاءت سورة الجاثية بالنص عليه، فأنت إما أن تعيش في حياتك فرداً أو جماعة وفق شريعة واضحة، وصفها القرآن العظيم بقوله جل شأنه في هذه السورة التي عرفت كذلك عند بعض المفسرين باسم سورة الشريعة، قال: "ثم جعلناك على شريعة من الأمر". إما أن تعيش وفق هذه الشريعة التي وصفها القرآن العظيم بعد ذلك، واصفاً الآيات التي تشكل مصدر هذه الشريعة الأساسي بـ "بصائر". وإما أن تعيش وفق شريعة الهوى التي قال فيها جل شأنه في هذه السورة المباركة: "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله؟" مسؤولية الفرد والجماعة إذن القرآن العظيم في هذه السورة المباركة يقدم لنا التوازن بين مسؤولية الفرد في الجماعة ومسؤولية الجماعة تجاه الفرد وقراراته وتجاه ما يحدث في المجتمع. مسؤولية محاطة بما سيحدث في الآخرة، مستحضرة مواقف يوم القيامة الشديدة الصعبة في قوله سبحانه وتعالى: "وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون". هذه الآية التي جاءت تبين للمجتمع وللإنسان الفرد الذي يعيش في مجتمع المسؤولية. الآيات التي قبلها فصلت أشكالاً من التجاوزات تفسد على الناس حياتهم ومعيشتهم على هذه الأرض: الاستبداد والاستكبار والسخرية والاستهزاء بآيات الله والإعراض عن آيات الله. والتي جاءت فيها كذلك في سورة الجاثية، وسورة الجاثية تبين لك النتيجة، تبين لك حين يدير المجتمع ظهره لهذه الشريعة العظيمة التي وصفها الله بقوله: "ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون". فاتر الهمة وأحياناً ميت الهمة، لا يستطيع مكبل، كبل نفسه، فلا يستطيع أن يخرج عن العقل الجمعي للمجتمع الذي يعيش فيه، فيطبل مع المطبلين ويمشي مع هؤلاء حتى ولو أدرك في قرارة نفسه أنه في سيره هذا يتبع أهواء الذين لا يعلمون. نتائج الأعمال ومصير الأمم بينت السورة العظيمة النتيجة: "كل أمة جاثية". القرآن يقدم النموذج فيقول: "تدعى إلى كتابها". قرآن يضع الإنسان أمام الحقائق. النتيجة ليست غامضة، النتيجة ليست مبهمة، النتيجة ليست مفاجأة، أنت ما عرفتها! القرآن يعرفك كل شيء. القرآن يقدم لك العمل ويقدم لك نتيجة العمل في نفس السورة أحياناً في نفس السياق. ولذلك لمن عرض في سورة الجاثية وسيعرض موقف هؤلاء، مؤكداً حقيقة ذكرها في الصور التي قبلها، ولكن في سورة الجاثية برزت بشكل واضح: السخرية والاستهزاء بآيات الله. هذا لا يمكن أن يكون له نتائج إيجابية. ما هي النتائج السلبية المترتبة على هذا التعامل مع آيات الله سبحانه وتعالى والاستخفاف بها؟ ونحن تكلمنا عن إشكالية الاستخفاف، وتكلمنا عن التلازم بين الاستخفاف وبين الاستبداد والاستعباد. فهذا الاستهزاء بآيات الله سبحانه جل شأنه يولد الاستخفاف بأحكام الله وشريعته. هذا الكتاب ليس بغريب عليك، هذا كتاب النتائج. الطلبة والأساتذة ومن لديه التعامل مع الامتحانات ومشابه، ليس في الأمر مفاجآت، ولكن ولله المثل الأعلى في الآخرة، ويا لها من وصف، يا له من وصف عظيم معبر عن الحقيقة. من أفعاله، من كلماته، بمعنى آخر أن الإنسان على نفسه بصير ولو ألقى معاذيره، مخاطبة الأمة ودورها ولنا أن نتساءل ونحن في بدايات السورة وأمام الكلام عن المحاور والربط والتناسب بين أوائل السورة وأواخرها وختام السورة التي قبلها وبعدها، لماذا القرآن العظيم في سورة الجاثية يحدثنا عن الأمم والجماعات؟ نزلت السورة في أواخر الفترة المكية. شيء طبيعي كتركيبة أي مجتمع، أفراد ناس بسطاء. هذا شيء طبيعي بتركيبة المجتمعات المختلفة. في ناس بسطاء، وفي ناس ممكن يكون من العمال، ممكن يكون من المزارعين، ممكن يكون تجار ولكن لا يملكون من الأمر في تسيير المجتمع من شيء. وهناك على رأس الهرم القادة والزعماء وكذا. فالقرآن العظيم في سورة الجاثية جاء يخاطب لهذا المجتمع: أنت حين تجد أن هؤلاء القادة سفهاء، وقد بيّن لك القرآن وبينت وأوضحت لك تلك السنوات التي قد انصرمت من عمر الدعوة حماقة هؤلاء وسفاهة آرائهم وخفة عقولهم. أما وقد تبين وظهر لك وهذا بصائر يبصرك بواقعك، وعليك أن تفهم وأن تدرك أن أمرك وشأنك لا ينبغي أن يبقى بأيدي هؤلاء السفهاء. ولذلك القرآن في سورة النساء قال: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم". هذه قضية أساسية في المجتمع. وإذا كان السفيه لا يؤتى المال لأنه لا يحسن التصرف في الأموال والثروات، فأنى لسفيه أن يؤتى أمر المجتمعات والدول ويحكم فيها بطيشه وحماقته ويسوق المجتمع إلى الهاوية إلى التهلكة؟ وهنا القرآن في سورة الجاثية يحمل المجتمع المسؤولية. ولذلك تفردت السورة بهذه الكلمة: كلمة "جاثية". ولكن هنا الكلام "أمة جاثية"، "وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها". مسؤولية الأمة في اتخاذ القرار "يتخذ آيات الله هزواً"، "يفعل كذا"، "يسوي كذا". لأجل أن تبصر المجتمع من يتعامل بهذا الاستخفاف مع آيات الخالق الذي خلق وأنزل، ويترك هذه الشريعة البصائر الواضحة ويمشي وراء أهواء نفسه؟ كيف لك أن تتبعه؟ وما عاقبة وما مآل أن تتبع إنسان تسيره أهواؤه؟ ليس له عقل ولا منطق ولا فكر يحكمه ولا شريعة تبصره، بل بالعكس يدير ظهره وعقله وحياته لهذه الشريعة الغراء ذات البصائر ويأبى إلا أن يتبع هو نفسه؟ فكيف لك أن تسلم زمام أمورك له؟ الإيمان بالحق وآيات الله تدبروا معي في هذه الآيات العظيمة، ولذلك في السورة في بداياتها ربي جل شأنه يحمل المجتمع المسؤولية قال: "تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون". هؤلاء إن لم يؤمنوا بهذا الحديث وهذه الآيات الحقة فبماذا يؤمنوا؟ ما الذي سيجعلهم يؤمنون؟ ما الذي سيقودهم إلى الإيمان؟ مزيد من الآيات الحسية التي يدعون ويتطاولون ويتشدقون بطلب المزيد منها؟ الآيات مبثوثة في كل مكان، "إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين". هذه الآيات العظيمة وهذه البداية القوية الزاخرة بالمعاني في سورة الجاثية جاءت في نهاية الفترة المكية لتبين الرسالة أن يا أفراد يا ناس يا مجتمع، زعماء وصناديد قريش أجمعوا على الكفر بآيات هذا الكتاب، ولكن أنتم ماذا ستفعلون؟ هل ستسلمون الأمر إليهم؟ هل ستمشون وراءهم؟ إن مشيتم وراءهم فأنتم وشأنكم، ولكن استحضر المآل في يوم القيامة. هذا هو المآل: ستؤتى تلك الأمة وتلك الجماعة وذاك المجتمع الكتاب الذي ينطق بالحق، "كتابها ينطق عليه تدعى إلى كتابها فانظر ماذا كتبت". كتبت سكوت وصمت بغيظ لا يحرك فيه الإنسان لسانه بالحق ولا ينطق بالحق رغم أنه يدرك بأن هذا هو الحق المبين. ترى ما الذي يخرس الناس فيجعل الناس يرون الباطل وإذا بهم يطبلون ويزمرون له، ويرون الحق يُكبت ويستهزأ به ويسخر منه؟ "آيات الله هزواً". ماذا فعلت حين رأيت هذا يتخذ آيات الله هزواً؟ الاستهزاء بآيات الله ونتائجه والاستهزاء على فكرة في سورة الجاثية الذي ذكر بتصاريفه في أكثر من موضع في السورة المباركة دلالة على موقعه ومعالجته في هذه السورة، هذا ليس مجرد أن يستهزئ باللفظ لا، الاستهزاء منهج تعامل مع الكتاب. شكل من أشكال الاستهزاء أنك تعرف الحق وتولي ظهرك له. شكل من أشكال الاستهزاء أنك تعرف الباطل وتسير عليه. شكل من أشكال الاستهزاء الاستخفاف، ولذلك القرآن عالجها في سور كثيرة قبل سورة الجاثية. "فارتقب"، ونحن ذكرنا في أكثر من موضع أن في القرآن ما يوضح ويبين أن الظالم والمستبد والمستهزئ بآيات الله جل شأنه قد تمضي الدنيا وتنتهي الحياة على الأرض وهو لم ينل الجزاء الأوفى الذي يستحق على سخريته على جرائمه على أشياء مختلفة. ولكن هذه ليست نهاية المطاف. القرآن يعلمنا "ارتقب"، ولكنك حين ترتقب، هذا لن يكون النتيجة فيه إلا الخسارة. العدل الإلهي في الآخرة وأنا وأنت نرى في الدنيا كم من الظلمة، كم من المجرمين، مجرمي حرب، أعطتهم محاكم الدنيا الدولية وحكمت عليهم بأنهم من مجرمي الحرب. هؤلاء من المجرمين الذين ارتكبوا الجرائم في البوسنة على سبيل المثال، اعتبرتهم وحكمت عليهم المحاكم بأنهم مجرمي حرب. وما ارتكبوه من جرائم قد لا ينال في واقع الأمر أي نتيجة توازي وتكافئ ما اقترفوه من جرائم بحق الأبرياء بحق البشر. ويبقى السؤال مطروحاً: انتهت القصة؟ لا لم تنته القصة! "فارتقب". فسورة الجاثية جاءت تبين جوانب من جوانب نتيجة الترقب، ترقب المؤمن ذلك الترقب الذي لا يجعل عيش الإنسان المؤمن في مرارة ولا في حسرة ولا في ندامة. في يقين أن هذا الظالم مهما ملأ بظلمه الأرض لا بد وأنه سيعاقب على ظلمه. المهم أنك أنت مهما بلغ بك الضعف وقلة الحيلة لا تسير في ركب هؤلاء. مسؤولية فردية وجماعية والتوازن بينها. لأن هذا هو المصير. فعليك أن تتبرأ مما يفعل هؤلاء وتدرك بأنه لا بد أن يكون لك موقف تجاه كل ما أنت فيه وما تعيش فيه. هذا شأنك. ما يفعله وما يفتي به هؤلاء وما يتحكم فيه هؤلاء وما يسيرون الناس عليه من شريعة الأهواء، هذا ليس شأنهم هم، هذا ليس من حق أحد أن يكون بيد هذا القرار. حياة الإنسان وهذه الآخرة التي يعبثون بها ومصائر الناس والمجتمع الذي يعبثون به، هذه تهمك أنت، هذه حياتك أنت وآخرتك أنت. إذن الصمت والسكوت ليس بحل مطلقاً ولا يدخل ضمن الحلول. ولكن أن يعبث بحياة وآخرة أمة كاملة ومجتمع كامل دون أن يحرك الأفراد ساكناً، هذه إشكالية خطيرة. تدبروا معي في القرآن كيف يجعل من المسؤولية الفردية والجماعية تلازماً بينهما بدون تعارض بدون صراع بدون اقتتال. لا، في توازن. "بما كسبت رهينة" صحيح. وفي نفس الوقت "كل أمة تدعى إلى كتابها". طيب وكتاب الفرد؟ لا تعارض بينهما. أنت لك كتابك الخاص بك بأفعالك وسلوكك وتصرفاتك على مستوى الفرد، ولكن لك في ذات الوقت كتاب في سجل الجماعة وكتابها في سجل المجتمع. ما فعلت تجاه ما كان في مجتمعك؟ دورك في ذلك المجتمع. حتى في خطابه للفرد يخاطب فرداً في جماعة. لا بد أن يكون لك دور فيما يحدث في مجتمعك، لا بد. لا ينبغي أن تقف مكتوف الأيدي، لا لا، لا بد أنك حين ترى آيات الله يسخر بها ويستهزأ بها ويدفع بها إلى الوراء وإلى خارج فعلية المجتمع وتغيره، لا بد أن يكون لك موقف. ماذا فعلت؟ والله لا يكلف نفساً إلا وسعها. تدبروا في هذه المعاني، بدايات سورة الجاثية يا ربي جل شأنه قال: "حاميم * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم". ونحن ذكرنا في سورة الدخان العزة والحكمة. العزة التي تجعل الإنسان الفرد والجماعة يستحضر جوانب من قدرة الله على عباده. الرب الذي يعصيه الإنسان في حالة غفلته أو في حالة استسلامه غير المشروع لاستبداد أو مشابه فيسير مع السائرين ويناقض شرع الله جل شأنه الذي أمره باتباعه، "ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها" ويتبع أهواء الذين لا يعلمون، عزته جل شأن الله عزيز، وعزيز ذو انتقام. ولذلك في آية أخرى قال: "عزيز ذو انتقام". عزة الله وعزة المخلوق بعض الناس تستولي على عقله وقلبه عزة هؤلاء البشر الذين آتاهم الله شيئاً من السلطة والمال والجاه والقوة. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: أنت حين تملأ عزة هؤلاء الفارغة عينك وحياتك وسمعك وبصرك وتستحوذ على تصرفاتك وسلوكك، أين غابت عنك عزة الله جل شأنه؟ وأنى لك أن تغفل عن عزة الله أمام عزة هؤلاء الفارغة؟ ولله المثل الأعلى، كيف لك؟ كيف لك أن تخشى من عزة هؤلاء الفارغة؟ وتنسى الله سبحانه وتعالى العزيز الحكيم الذي شاءت حكمته وإرادته أن يعطي طرفاً من المال أو القوة أو الجاه لبعض الخلق يختبر بها هؤلاء، وهو بخلقه يعلم. وتدبروا معي في نهاية السورة قال: "إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين". تريد آيات تحرك فيك الإيمان؟ لأنه كان القوم في قريش يطالبون بالمزيد من الآيات. لم يكفهم ما في السماوات والأرض من آيات لتوجد فيهم بذرة الإيمان. أرادوا المزيد من الآيات علها تحدث فيهم شيئاً من الإيمان. وتدبروا معي في ختام السورة سبحانه قال: "فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين". تدبروا في الترابط: "تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم * إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين * فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين". وكل ما في هذه الأرض وعليها وتحتها وفوقها لا يتحرك إلا بأمره. هذا طرف من عزته جل شأنه وهذه آية من آيات الله سبحانه. "إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين". السماء التي خلق والأرض التي أوجد سبحانه. قال: "وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم". تدبر في الترابط: أول السورة قال: "تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم". آخر السورة قال: "وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم". الكبرياء من معانيها العظيمة: القدرة على عدم الانقياد وعدم الحاجة للانقياد لأحد. ولا الاستسلام لأحد. ولذلك الكبرياء رداء الله جل شأنه. لماذا؟ لأنه جل شأنه المستحق للكبرياء الذي يخضع له كل شيء ولا يخضع سبحانه لشيء ولا لأحد. لماذا ذكر الكبرياء حتى يذكرنا في السورة من معاني، ولكن أهواء الذين لا يعلمون وهؤلاء الذين نفع عنهم العلم فقال القرآن: "لا يعلمون". ممكن يكونون أقوياء، ممكن يكونون من أمثال فرعون، الأنهار تجري من تحته ويأمر فيطاع ولا أحد يجرؤ أن يتكلم كلمة أمامه. ولكن تسيره الأهواء. فرب جل شأنه ذكر الإنسان في نهاية السورة: "وله الكبرياء". يتكبر أحد من الخلق في هذه الأرض بمغير الحق وهذا ما يحدث. لأن هناك تلازم بين التكبر والكبرياء وبين الاستعباد وبين الاستبداد وبين الاستخفاف، لذلك القرآن قال: "ثم يصر مستكبراً". قبول الحق في إعراض. يحب السلطة، يحب أن يتحكم في الآخرين، والله سبحانه وتعالى هو الذي له الكبرياء. مآل المتكبرين والمبطلين تدبروا منه في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم. طيب فماذا عن هؤلاء؟ هؤلاء كبرياء فارغ، عنجهية فارغة. عليك أن تفهم البصائر تبصرك: من الذي يستحق أن يكون له الكبرياء؟ الله جل شأنه لا شريك له وهو العزيز الحكيم. تراهم وهم يجثون على الركب في ذلة، في حيرة، في حسرة، في خسارة. أين ذهب كبرياؤهم؟ أين ذهبت عزتهم الفارغة؟ الحقيقة لا عزة لهم. العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. تدبروا معي في هذه المعاني العظيمة، القرآن يخاطب قوماً ما زالوا في مكة في هذه السورة العظيمة والقرآن رسالة عالمية يخاطب كل الأقوام. ولكن نزلت السورة في أواخر العهد المكي المسلمون ما زالوا في ضعف في قلة. والقرآن يخاطبهم بهذه المعاني ويجعل الأشياء يرونها بحجمها الطبيعي. وهذا معنى من معاني التكبر الذي ذكرنا أنه ما معنى التكبر؟ أن الإنسان يطلب أن يكون كبيراً فيكبر صورته في نفوس الآخرين بطريقة أو بأخرى، إنه صغير. يصغرونها حتى تبدو كأنها نقطة في حياتك، نقطة في بؤرة اهتمامك. أمور المعاش، أمور الدنيا والسكن والمال والأولاد والحياة، فعلنا وأكلنا وشربنا، كل شيء كبير، كبرنا الصغير وصغرنا الكبير. لأنك حين تبتعد عن البصائر فلا تعتبر الكبير كبيراً ولا الصغير صغيراً، أنت أحوج ما تكون إلى الرحمة والهدى حتى ترى الأشياء بحجمها الطبيعي وهذا ما نحتاج إليه. خدمة المجتمع والإيمان بالحق هذا الترابط بين السور، نحن أمام سورة توقظ الإنسان تضع الإنسان كما ذكرنا على المحك. السؤال وجيه يطرح نفسه: أنا ماذا فعلت؟ المجتمع الذي أنا أعيش فيه، مما ممكن أن يلفت النظر، عضو الهيئة التدريسية، يطلب أو يقدم طلب للترقية الأكاديمية العلمية المعروفة، فيبدأ من الدرجة الأولى بعد الدكتوراه ثم بعد ذلك يترقى إلى أن يصل إلى الأستاذية رتبة علمية لها شروط، بعض من بنودها وشروطها في كثير غالب المؤسسات التعليمية في العالم أن يقدم هذا العضو ما يدل على تقديمه خدمة للمجتمع. شيء جميل. والمجتمع يقصدون به المجتمع الذي يعيش فيه يعني الأمة. كلمة "أمة" في القرآن ذكرت في كثير من المواضع أكثر من أربعين موضعاً في القرآن لها معانٍ متعددة. ولكن في السورة المباركة هنا القرآن يحدثنا عن جماعة عن مجتمع اجتمع على شيء واحد يجمعه مكان يجمعه زمان يجمعه بيئة. الشاهد أنهم يطلبون وثائق تدل على أن هذا العضو هيئة التدريس قد خدم المجتمع الذي يعيش فيه. ولكن في كل مجتمع اشتفيت وسكنت أرضاً وكنت تحت سماء وشربت ماء، وإنما تقتضي أن يكون لك بينك وبين الله سبحانه نية صادقة بأن المكان الذي تعيش فيه له حق عليك. ومن حق ذلك المكان أن تنصح وتُصلح وتعدل المعوج وتحاول أن تبذل جهدك فيما مكنك الله فيه في تصحيح الأمور والترقي بذلك المجتمع والحفاظ على قيمه. هذه مسؤولية، ولذلك القرآن وصف ذلك الكتاب قال: "كتاب ينطق".