2) طبيعةُ حياتِهم الاجتماعيَّةِ القائمةِ على الغَزوِ والانتقالِ من مكانٍ إلى آخَرَ. فقد كانت العربيَّةُ عندَهم على لسانِ المحادَثةِ والخَطابةِ والشِّعرِ، حتَّى يقولَ ابنُ عَبَّاسٍ: (الشِّعرُ ديوانُ العَرَبِ، ويُعَدُّ التَّأليفُ في غَريبِ القُرآنِ النَّواةَ الأُولى لتَأليفِ المَعاجِمِ، وقد ألَّف بعدَه عددٌ مِنَ العُلَماءِ في هذا المَجالِ؛ وقد جرَى جَمعُ ألفاظِ اللُّغةِ العَربيَّةِ على مَراحِلَ ثَلاثٍ: وكان السَّماعُ عنِ الأعرابِ مِنَ المَصادِرِ الأساسيَّةِ الَّتي اعتَمدَها الرُّواةُ في جَمعِ اللُّغةِ، ويُعَدُّ كِتابُ النَّوادِرِ في اللُّغةِ لأبي زيدٍ الأنصاريِّ مِن أفضَلِ الكُتُبِ اللُّغويَّةِ الَّتي تُمثِّلُ هذه المَرحَلةَ؛ مَبنيَّةٍ على مَعنًى مِنَ المَعاني، وهي تَجمَعُ اسمَ الحَرفِ الَّذي يَجمَعُ بين هذه الأُصولِ، وكِتابُ الجِيمِ لأبي عَمرٍو الشَّيبانيِّ. وأوَّلُ مَن وضَع المُعجَمَ هو الخَليلُ بنُ أحمَدَ الفَراهيديُّ، أو ما عُرِفَ بَعدُ باسمِ "غريبِ القرآنِ ولغاتِه"، نُضيفُ إلى ذلك أنَّ بُلوغَ الخليلِ إلى فكرةِ وَضعِ معجَمٍ: كافٍ للقولِ بأنَّ الأبحاثَ اللُّغَويَّةَ وَصَلت إلى مرحلةِ المعاجِمِ حتَّى في حالةِ عَدَمِ استطاعتِه تنفيذَ الفكرةِ، ولم تَصِلْ إلينا بَعدُ أخبارٌ عنهم. وكان أكثَرُ اللُّغَويِّين القُدَماءِ يُمْلون على تلاميذِهم من معارِفِهم بلا نظامٍ مُعَيَّنٍ. مِثلُ أبي عمرِو بنِ العلاءِ، بحيثُ يَستطيعُ القارِئُ العُثورَ على مُرادِه بكلِّ سُرعةٍ ويُسرٍ. فقدِ ابتَكَروا مَعاجِمَ خاصَّةً بلُغتِهم ذاتَ تَرتيبٍ يُغايرُ ما عُرِف عند العَربِ مِن تَرتيبٍ، وتجدُرُ الإشارةُ إلى أنَّ (أوَّلَ من ألَّف مُعجمًا عربيًّا باتِّفاقِ اللُّغَويِّين هو الخليلُ بنُ أحمَدَ الفراهيديُّ، فوَضَع لِلُّغَويِّين منهجَ التأليفِ المُعجَميِّ أو التَّركيبِ العامِّ، ثمَّ تتالت المعاجِمُ بَعدَه تنتَهِجُ نَهجَه، إمَّا على حروفِ الهجاءِ أو الموضوعِ . أو في نظامٍ آخَرَ محدَّدٍ مع شرحِ معانيها، أو في لغاتٍ أخرى؛ مع ذِكرِ الشَّواهِدِ التوضيحيَّةِ . ويُطلَقُ عليها معاجِمُ المعاني أو المعاجِمُ المُبوَّبةُ، وقد جاءت هذه الرَّسائِلُ خاصَّةً مُستقِلَّةً أو خُصِّصَت لها أبوابٌ وفصولٌ في الكتُبِ العامَّةِ، وهي عبارةٌ عن معاجِمَ بُنِيَت على المعاني والموضوعاتِ المألوفةِ، وقد تبَلْوَر المعجَمُ الذي نعرِفُه اليومَ على يدَيِ الخليلِ بنِ أحمدَ الفراهيديِّ في العينِ، وذلك مِن خِلالِ المُؤلَّفاتِ الخاصَّةِ بغَريبِ ألفاظِ الفُقَهاءِ. وتاريخِها وتَطوُّرِها، 9- اكتِسابُ ثَروةٍ لُغويَّةٍ كُبرى، ويحَدِّدُ الدُّكتورُ (رمضان عبد التَّوَّاب) وظائِفَ المُعجَمِ في أربَعِ وظائِفَ رئيسةٍ: 4- تحديدُ مكانِ النَّبْرِ في الكَلِمةِ . ومهما تباينَتِ الآراءُ حَولَ المعجَمِ في درَجةِ إيفائِه بالمعنى الاجتِماعيِّ أو الدَّلاليِّ، وما يَلحَقُها من تطوُّرٍ في أثناءِ تفاعُلِها مع غيرِها من اللُّغاتِ عَبْرَ مراحِلِ عُمُرِها الاجتِماعيِّ) . 1- القُرآنُ الكريمُ والقراءاتُ القُرآنيَّةُ: مَنَح القُرآنُ الكريمُ اللُّغةَ العَربيَّةَ قُوَّةً ورُقِيًّا ما كانت لتَصِلَ إليه لولاه؛ والتراكيبِ الجديدةِ، والاقتباسُ منها مناطَ العِزِّ والفَخارِ، وغَدَت اللُّغةُ العربيَّةُ تتألَّقُ وتتباهي على غيرِها من اللُّغاتِ بما حازت عليه من محاسِنِ الجمالِ وأنواعِ الكمالِ) ، وفي هذا يقولُ العلَّامةُ الرَّافعيُّ رحمه اللهُ: (نزل القرآنُ الكريمُ بهذه اللُّغةِ قليلُه وكثيرُه معًا، وإنَّما كان ذلك لأنَّه صفَّى اللُّغةَ من أكدارِها، وأجراها في ظاهِرِه على بواطِنِ أسرارِها، وفي طَراءةِ الخَلقِ أجملَ من الشَّبابِ، وصَوَّرَها بالحقيقةِ وأنطَقَها بالمجازِ، وتحويلِ التركيبِ إلى التراكيبِ- قد أظهَرَها مَظهرًا لا يُقضى العَجَبُ منه؛ . وعليها اعتِمادُ الفُقهاءِ والحُكَماءِ، وقبِلوا كلَّ ما جاء فيه، وحَقيقةُ الكِتابِ أنَّه (ما نُقِلَ إلينا بين دَفَّتَيِ المُصحَفِ بالأحرُفِ السَّبعةِ المَشهورةِ نَقلًا مُتَوتِرًا). يقولُ ابنُ الجَزَريِّ: (قد تَتبَّعتُ صَحيحَ القِراءةِ وشاذَّها وضَعيفَها ومُنكَرَها، وذلك: نَحوُ: فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [البقرة: 37] . 2- الحَديثُ النَّبَويُّ: يُعدُّ الحديثُ النَّبَويُّ الشَّريفُ مَصدرًا ثريًّا، وأقوَمُهم عبارةً، خاصَّةً أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم انفرد بألفاظٍ وتراكيبَ لم يسبِقْه إليها أحدٌ ولم تُسمَعْ من غيرِه من قَبلُ، كما كانت عندَه القُدرةُ على مخاطَبةِ القبائِلِ العربيَّةِ على اختلافِ لَهَجاتِها مُستَخدِمًا مع كلِّ قبيلةٍ حَرْفَها ولهجَتَها، أو شرَحَه أصحابُه رَضِيَ اللهُ عنهم، ومِن ثمَّ اعتُبِرَت أحاديثُه مصدرًا هامًّا اشتغل عليه العُلَماءُ والمُختَصُّون من اللُّغَويِّين عَبْرَ العُصورِ؛ والانسجامِ والتفاعُلِ؛ بسبَبِ ما تمتَلِكُه من ثروةٍ أسهَم الحديثُ النَّبَويُّ الشَّريفُ في التَّمكينِ لها من خلالِ الجديدِ الذي أضافه على مستوى المعاني والألفاظِ، والتراكيبِ والأساليبِ والرُّؤيةِ) . والحديثُ هو المَصدَرُ الثَّاني بعد القُرآنِ، فهو مُندرِجٌ لذلك في اللُّغةِ الَّتي يَتكلَّمُها النَّاسُ، والغايةُ الأساسيَّةُ مِنِ استِعمالِ الحَديثِ هي الاستِشهادُ، والمَشهورُ بين المُتأخِّرين أنَّ القُدامى لم يَستَشهِدوا بالحَديثِ، ثمَّ حاوَلوا تَعليلَ ذلك ، وقد أشارَ إلى ذلك أحمَدُ الإسكندَريُّ بقولِه: (مضَت ثَمانِيةُ قُرونٍ والعُلَماءُ مِن أوَّلِ أبي الأسوَدِ الدُّؤَليِّ إلى ابنِ مالِكٍ لا يَحتجُّون بلَفظِ الحَديثِ في اللُّغةِ إلَّا الأحاديثَ المُتَواتِرةَ) . ومِن ذلك: أنَّ الأحادِيثَ أصَحُّ سَنَدًا مِن كَثيرٍ ممَّا يُنقَلُ مِن أشعارِ العَربِ. وانتَهَوا إلى أنَّه يَرجِعُ لسَببَين: لأنَّ كَثيرًا مِنَ الرُّواةِ كانوا غيرَ عَربٍ بالطَّبعِ . وتراكيبَ ولهَجاتٍ، وما كُتُبُ غريبِ الحديثِ إلَّا دليلٌ على ذلك. وهذا كُلُّه في صالحِ دَفعِ عَجَلةِ البحثِ العِلميِّ اللُّغَويِّ وتطَوُّرِهـ) . 3- المأثورُ من كلامِ العَرَبِ: 4- الشِّعرُ: واعتَبروه الدِّعامَّةَ الأُولى لهم، إن صدَر عن ثِقةٍ يُعتمَد عليه؛ فاعتَمد عليها خَلَفٌ بعد سَلَفٍ، أو ما يُسمَّى بضَرورةِ الشِّعرِ، سَواءٌ أكان للشَّاعرِ عنه مَندوحَةٌ أم لا، 5- الشَّواهِدُ النَّثْريَّةُ: وهذا يُعَدُّ مِن آدابِ العَربِ المُهِمَّةِ، وقد وضَع اللُّغويُّون الزَّمانَ، فقد حدَّدوا نِهايةَ المُدَّةِ الَّتي يُستشهَدُ بها بآخِرِ القَرنِ الثَّاني الهِجريِّ بالنِّسبةِ لعَربِ الأمصارِ،