لم يغب حضور المرأة الفلسطينية عن الوجود في قلب النضال منذ الارهاصات الأولى حتى الان ، سواء أكان ذلك في المدينة او القربة، داخل المعركة أم خارجها ، بطولات نسائية فلسطينية لا حصر لها. تعبر عن نفسها باشكال والوان مختلفة من الكفاح والتضحيات ، والقافلة تسير . تتقدم . تزرع الشهيدات الخالدات في قلب الوطن مشاعل تتوهج في الطريق . تزرعهن جنبا الى جنب مع الخالدين من شهداء هذا الوطن . باقات من ازهار الربيع ، صبايا يتصوفن في عشق الوطن ، لينتهي بهن المطاف الى الاندماج في احشاء ارضه والاتحاد بجسدها الاخضر . المضمخ بالعطر الثوري . أولئك الصبايا الضحايا ستظل اسماؤهن تشع ولن تفلت من ذاكرة تاريخ فلسطين الحديث . كل واحدة منهن انما هي فرد من مجموعة الشعب الفلسطيني ، لا ينفصل دورها النضالي عن دور الرجل المناضل ضمن هذا الشعب الحر . المعطاء . الفلسطيني، لابل هو منطق حياته ومعناها وقيمتها عبر رحلة العذاب الطويلة داخل الزمن الصعب . وهو في المواجهة الصعبة مع ازمة وجوده، لا يجد بين يديه وسيلة افضل من حياته ليتخذ من هذه الحياة فرصة للسعي الى الخلاص والحرية وانتزاع الوطن من فم الحوت . من خلال الجمعيات النسائية ، ومن خلال قنوات الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية والاتصال المباشر بلجنة التوجيه الوطني التي اخذت على عاتقها قيادة نضال الشعب الفلس ليني في الضفة والقطاع عام ١٩٦٨ ، انخرطت المرأة الفلسطينية في حركة المقاومة ، وبسبب صلتها بحركة المقاومة وقيامها بتحريض الجماير والمظاهرات والاعتصامات احتجاجاً على الممارسات القمعية التي كانت تقوم بها السلطات الاسرائيلية ، صار اعتقال الكثيرات من مختلف مدن الضفة والقطاع ، وبلغت تلك الممارسات أوجها حين شرعت السلطات تقوم بعملية النفي والإبعاد النشيطات الحركة فتتنزعهن من بيوتهن لتلقي بهن وراء النهر الى الضفة الشرقية . في هذه المرحلة كانت الشهيدة شادية ابو غزالة . ضحية لأول عمل مسلح قامت به المرأة الفلسطينية . وذلك حين تفجر اللغم بين يديها فيما هي تحاول توقيته . المقاومة الشعبية الضارية . منذ الايام الأولى لسقوط الضفة والقطاع في براثن الاحتلال ، صار تهجير الكثير من سكان بعض القرى : قلقيلية ، حبلة ، زيتا ، عمواس بيت يالو ، بيت نوبه ، وفتحت المدن الكبيرة صدرها لأولئك المهجرين ، حيث اخذ نساء المدن يمارسن نشاطهن الفعال من اجل تأمين الغذاء والماء والكساء والفراش لأهالي القرى ، الى أن تمكن بعضهم من العودة إلى قراهم ، اما سكان القرى الأخرى : عمواس ، بيت يالو ، قراهم واستولت على جميع اراضي تلك القرى . الضفة الغربية مما مكن من تجميع المعلومات وتقديم الارقام الصحيحة للصحفيين عن البيوت التي نسفت والتي احرقت وعن العائلات التي شردت واصبحت بلا مأوى او معيل ، الحقائق جمع المعونات لهذه القرى من خارج الضفة من جمعيات عالمية سارعت كلها للمساعدة بعد نشر المعلومات الدقيقة مما أعان على دعم رسالة تسربت من السجن كتبتها على ورقة كلينكس رندة النابلسي لي شقيقتها شوقي اليك اعظم من ان يوصف ، انني افتقدك كثيراً و أحن الى جلساتنا سوياً ، ولا يعزيني سوى ان ما نحن فيه كان متوقعاً ويفرضه علينا الطريق الذي مشينا فيه . التحقيق كان غاية في الوحشية والمحققون لا يمتون الى البشرية بصلة . لقد ذقنا الكثير هنا، وجلدنا بالسياط وضربنا بالحائط، وشد شعرنا وخلعت عنا ملابسا الخارجية، تصوري ان يد نعمت شلت مؤقتا وأسعفت في المستشفى ، وآمنة كانت تمشي بصعوبة من الضرب بالسوط، وكذلك كانت آثاره على أجسام فيحاء وسهام . أما بالنسبة إلي فقد تجمعت بقعة دم في عيني اليسرى كما أصبت بنزيف في انفي، وما زلت أخذ العلاج الى الان حتى تحولت معدتي الى خزانة صيدلية. لم يكن الضرب سبب انهياري في التحقيق، بل كان بسبب ادعاء الآخرين واعترافاتهم بأشياء هامة، لقد اخذوني وسهام للمسكوبية في القدس وانتهى التحقيق مع سهام . أما أنا فلم ينته معي بعد . غاليتي ان حقدي الان اكبر من اي وقت مضى . انه لمن المهين ان يركلك همجي منهم بقدمه وانت مطروحة على الأرض تتلوين من الالم ، او يجلدك بسوطه متلذذا بذلك . لقد أشعلوا فتيل حقدنا . انني الان على ابواب الذهاب الى المسكوبية مرة اخرى ، وانا مدركة تماماً لما ينتظرني هناك . انني اشد ما اكون تصميما على التحدي ، ويقيني انكم معي بقلوبكم . لقد صنع مني السجن والتعذيب رندة اخرى اعمق من الأولى واكثر تجربة ، لامكان لديها للأشياء السخيفة والسطحية التي كانت تربطها إلى حد ما ببقية المجتمع . احس في اعماقي بثورة وفي داخلي غليان لا ينقطع ، وكثيراً ما تجتاحني رغبة عارمة في ان اقتل شخصاً ما ، وغالبا ما يكون هذا الشخص هو سجانتي ( روني ( وهي اقذر سجانة هنا بصراحة اذا قدمنا للمحاكمة قد احكم عشر سنوات ، او في حدود هذا ، لكن هذا لا يترك اي انطباع في نفسي سوى انني سأحرم من عدة اشياء حبيبة ، بالاضافة الى التجمد المخيف الذي سأواجهه ( ولكن بدون اي نوع من المجازات ) . انني أحس نفسي في كل مظاهرة ومع كل شخص يرمي الجنود بالحجارة . احس نفسي تهفو الي المظاهرات وضجيجها واليكم جميعاً . أختي انني احبكم من صميم قلبي واعماقي . احس الان بانني شعلة عواطف متأججة بحب الناس والارض ونابلس بكل شوارعها وبيوتها وغرفتي في البيت وكل ذكرياتي فيه . علمت انهم قاموا بقياس بيتنا تمهيدا لنسفه . وانت اعلم الناس بمقدار حبي له وللذكريات الغالية التي تربطني به . ولكني ادرك تماما انه ليس بكثير على ثورتنا ان نضحي ببيوتنا من اجلها . وكنت اتمنى ان اكون قد فعلت شيئا يستحق او يستدعي ان ينسف البيت من اجله . في غرفة السجن مجموعة لطيفة من الفتيات ننشد دائما : يا ظلام السجن خيم الخ . ، اتذكرك واتذكر ضحكنا في الليل على ( جورج وجورجية ) وغير ذلك ، اشعر وقتها ان تلك الفترة من حياتي قد انسلخت عني واصبحت مجرد ذكرى عزيزة وحية . بالنسبة لك فقد سئلت عنك احدى الاخوات هنا فانكرت معرفتك ، لذلك لو حصل شيء فنحن جميعا ندرك جيدا ان لاصلة لك بنا الا الصداقة التي تربطك بي اضافة الى العلاقة العائلية ، من مفكرة رندة في نصف هذا الليل . آه حذاؤه يدق في الدهليز . قصيدة مهداة الى رندة توحشي ما شئت يا شراسة الاوجاع توحشي ، من مفكرة ( هبة ) شقيقة رندة ، يحوم هنا طيف أمي ، عساها تفكر بي الان . روتها دماء العقيق وكانت بجنبي أمي حقيبة كتبي هناك على رف مكتب و معطف مدرستي عالق فوق مشجب . ارى يدها الان تمتد ،