يُعدّ الدستور الوثيقة القانونية الأساسية والسامية في الدولة؛ إذ يُرسخ مبادئ النظام السياسي، ويُحدد طبيعة شكل الدولة، ويُرسم بدقة الحدود الفاصلة بين السلطات العامة بما يضمن حماية حقوق الأفراد وريادة مبدأ المشروعية. ويثير البحث في الظاهرة الدستورية تساؤلات جوهرية حول الكيفية التي تتبلور وتولد بها هذه الوثائق الكبرى، وهي المسألة التي تُعرف في الفقه الدستوري بـ "أساليب نشأة الدساتير". ​تتدرج هذه الأساليب من حيث طبيعتها الديمقراطية والسلطوية بين طرق غير ديمقراطية (كالأساليب الفردية والتعاقدية) وأساليب ديمقراطية بحتة تعكس سيادة الشعب، مثل الجمعية التأسيسية والاستفتاء الدستوري. وإذا كانت النظريات العامة للدساتير قد وضعت إطارات عامة لهذه النشأة، فإن تتبع التطبيق العملي يكشف عن تباين كبير بين الدول وفقاً لتوازنات القوى السياسية والظروف التاريخية. تكتسي التجربة الجزائرية أهمية بالغة وخصوصية فريدة؛ فقد مرت المسيرة الدستورية في الجزائر بمنعطفات تاريخية حاسمة تزامنت مع مخاض التحرر الوطني وبناء الدولة الحديثة، حيث تراوحت أساليب نشأة وتعديل الدساتير المتعاقبة (بدءاً من دستور 1963 وصولاً إلى التعديلات والدساتير اللاحقة) بين التوافق الثوري والشرعية التاريخية وتوسيع آليات الاستفتاء الشعبي والمجالس المنتخبة. تتبلور إشكالية البحث الأساسية في التساؤل الآتي: ​إلى أي مدى انعكست التحولات السياسية والتاريخية في الجزائر على الأساليب المعتمدة في نشأة وتعديل دساتيرها المتعاقبة؟ ​ويتفرع عن هذه الإشكالية تساؤلات فرعية تُشكل هيكل البحث: ​ما هو الإطار المفاهيمي والفقهي لأساليب نشأة الدساتير عموماً؟ ​كيف تجسدت مختلف الأساليب الدستورية (الديمقراطية وغير الديمقراطية) في الفقه المقارن؟ ​ما هي الخصوصية التاريخية والسياسية التي طبعت مسار نشأة الدساتير الجزائرية؟