سير الحياة الثقافية بصفة عامة فها هي ذي شمس الكلاسيكية بقواعدها الجامدة توشك على المغيب بينما خيوط الرومانتيكية بعاطفتها المشتعلة تتجمع في الأفق، وها هو ذا عصر التنوير بجفافه العقلي الصارم ينحسر أمام ذاتية «فشته وحدس «شلنج» وصوفية ياكوبي . أمثلة متنوعة للتناقض الجذري في الوجود.والفلسفة النقدية تقدم لنا مثلاً صارخاً توجز فيه هذا التناقض حين تزرع ثنائية صلبة في صميم المعرفة البشرية بين الذات والموضوع، وبين الظاهر والشيء في ذاته، ثم تلحق به - في عالم الأخلاق - تمزقاً في داخل الإنسان ذاته بين العقل والعاطفة،أيكون عبئاً هذا الذي نراه في العالم من متناقضات . فهل نستطيع إنكار وجود هذه الظواهر المتناقضة؟ . وطالما أنها موجودة فهي في حاجة إلى تفسير، إذ لا يكفي أن تقول عن السراب إنه وهم، والتفسير المقبول هو التفسير الذي يقبله العقل ويرضاه، والعقل ينشد الضرورة في فهم الظواهر، وإذا كان على الفلسفة أن تشغل نفسها بشيء عيني حاضر بأسمى معاني الحضور فإنه يتحتم علينا تفسير هذه الظواهر المتناقضة تفسيراً عقليا يبرز ضرورتها، بحيث يبدو كل شيء في مكانه المناسب، كل شيء له معناه الخاص الذي يستمده من وضعه داخل هذا الكل الهائل الذي نسميه بالوجود، ولن نستطيع أن نصل إلى هذا التفسير بغير منهج : فلنستعرض إذن ما لدينا من مناهج لنرى أيها أقدر على تحقيق هذه الغاية .-هناك أولا : طريق الحس المشترك، لكنه لسوء الطالع - ليس طريقاً منهجياً بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وإنما هو طريق ملوكي» يلجأ إليه أولئك الذين يقنعون بالحياة مع عصرهم وما فيه من فلسفة دون أن يحاولوا فهمها أو تفسيرها، ولهذا فليس عليهم أكثر من قراءة ما يوجه إلى الأعمال الفلسفية من انتقادات ويكفيهم فضلا عن ذلك أن يقرأوا المقدمات التي تكتب عادة لهذه الأعمال. وهذا هو طريق رجل الشارع ويمكن اجتيازه بثياب النوم .وهناك ثانياً : منهج الحدس الصوفي الذي يأخذ به الرومانتيكيون وأشباه فهل يستطيع هذا المنهج أن يمكننا من فهم حقيقة التناقض الذي يسري في العالم؟ ها هو ياكوبي يجيب بالنفي بل ويجار بالشكوى النور في قلبي، لكني كلما حاولت إبرازه للفهم خبا السراج وانطفأ ! (۳). وهو طريق يتطلب منك أن ترتدي مسوح الرهبان وعلى طوله تتهادى كثير من العواطف النبيلة، تدور كلها حول الحق الخالد واللامتناهي . غير أننا نخطىء حين نسمي ذلك طريقاً، لأن هذه العواطف النبيلة لا تجهد نفسها في السير خطوة واحدة، وإنما تجد نفسها بقفزة واحدة أمام الحقيقة ذاتها وجها لوجه . وهما في الواقع المنهجان الجديران بهذا الاسم، لكنها مع ذلك لا يستطيعان تحقيق الغاية التي ننشدها، وهي تفسير العالم تفسيراً عقلياً - ذلك لأن المنهج الأول تنقصه الضرورة التي ينشدها العقل - سواء في البداية التي يبدأ منها أم في النهاية التي ينتهي إليها وهي القوانين، وهي نقيصة يتصف بها كذلك منهج الاستنباط الرياضي .والحق أن الفلسفة إذا أريد لها أن تكون معرفة منظمة فينبغي عليها الا تستعير منهجها من علم آخر، بل لابد أن ينبع من صميم موضوعها ذاته. والفلسفة تنشد الضرورة بين ظواهر العالم والضرورة المقصودة هنا هي الضرورة العقلية لا الضرورة الآلية - أي أن الفلسفة تبحث عن نشاط العقل كما يتجلى في تاريخ العالم والمنهج لا ينفصل عن موضوعه بل هو نفسه روحالموضوع الذي يجعله ينتج عضوياً فروعه وثماره . ومعنى ذلك أن المنهج الفلسفي هو المنهج العقلي، أو هو المنهج الذي يعبر عن نسيج العقل نفسه، ونسيج العقل مجموعة هائلة من المقولات المتناقضة التي ترتبط فيما بينها ارتباطاً عضوياً ضرورياً، وتوالد هذه المقولات بعضها من بعض توالداً ذاتياً هو المنهج الجدلي. ومن هنا انصب هذا البحث أساساً على المنطق الهيجلي.وأخشى ما أخشاه أن يظن القارىء وهو يطالع هذا الكتاب أن المنهج الجدلي دراسة للمقولات العقلية الخالصة وكفى ولهذا أرى لزاماً على أن أسوقهذا التحذير: إن المنطق وإن كان يمثل الخطوة الأولى والأساسية في الفلسفة الهيجلية، فإنه لابد أن ينتقل إلى فلسفة الطبيعة، لأن مقولاته إن ظلت معزولة وحدها كانت مجرد تجريد أجوف لا يعبر عن الواقع العيني الحي الذي نحلله ولهذا فإن على القارىء أن يكون على وعي تام بأن التجريد خطر على التفكير كما يقول هيجل، ينتهي إلى أن الناس في حياتهم اليومية يمارسون أعظم لون من ألوان التجريد، لأنهم لا يركزون إلا على جانب واحد فقط من جوانب الواقع الحي المتعدد الزوايا.خذ مثلاً مشهد شاب وسيم يُساق إلى المقصلة بين جمع غفير من الناس تجد النساء لا يرون منه إلا وسامته التي يأسفون لضياعها، بينما يرى الشيوخ فيه مثلا من أمثلة الرقاعة والخلاعة، في الوقت الذي لا يجد فيه رجال الدين إلا شاباً ارتكب جرماً يجب أن يحاسب عليه، ومن ثم يكون إعدامه جزاء وفاقاً لما قدمته يداه! هؤلاء جميعاً مفكرون تجريديون لأنهم يقطعون الواقع أمامهم إلى شرائح معزولة يجعلون منها موضوعاً لتفكيرهم، وهم بذلك يبتعدون عن الوجود الحي الذي يريدون فهمه. ومعنى ذلك كله أن المنطق وحده تجريد أجوف لانه لا يعبر إلا عن جانب واحد من جوانب الوجود وهو الفكر الخالص، ولهذا فلابد له من الانتقال إلى فلسفة الطبيعة، لكن فلسفة الطبيعة ليست نهاية المطاف بل لابد لها هي الأخرى من الانتقال إلى خطوة ثالثة هي فلسفة الروحالتي تشكل مركباً يجمع بين الخطوتين السابقتين في وحدة واحدة، ومن هنا كان النشاط الروحي للإنسان كما يتجلى في تاريخ العالم وما ينتجه من مؤسسات ومنظمات اجتماعية وما ينتهي إليه من فن ودين وفلسفة، هو أعلى مثل للوجود الحي الذي يلتقي فيه العقل مع الطبيعة في واقع عيني حاضر بأسمى معاني الحضوره !لابد لي في النهاية أن أشير إلى صعوبة الفلسفة الهيجلية بصفة عامة والمنطق بصفة خاصة والمصطلحات الهيجلية بصفة أخص وهي التي يضطر الباحث معها إلى نحت كلمات جديدة، ولهذا الحقت بهذا البحث ثبتاً بأهم هذه المصطلحات لعلي أخفف عن القارىء بعضاً من هذه الصعوبة الشهيرة. وهو أول من يعترف صراحة بهذه الصعوبة، فقد كتب إلى أحد أصدقائه بعد ظهور الطبعة الأولى من ظاهريات الروح عام ۱۸۰۷ - يقول : إني لأمل أن أتمكن في طبعة ثانية من ظاهريات الروح أن أخفف مما تحمله السفينة من حجارة، حتى تستطيع العوم في سهولة ويسر . فما الذي يحمله المنطق إذن .؟ وإذا كان فكتور كوزان قد وصف الموسوعة بأنها مخيفة وأنها أرهقته إرهاقاً بالغاً في قراءتها، فقد يغفر لي ذلك بعضا مما وقعت فيه من أخطاء،أول أكتوبر سنة ١٩٦٨ومن هنا فقد عرض هيجل لمنهجي الرياضة والعلوم وانتهى إلى رفضهما معاً. يقول في المنطق الكبير: ولقد اتخذت العلوم التجريبية لنفسها منهجاً خاصاً في دراسة موضوعاتها، وكذلك كان للرياضة البحتة منهجها الذي يتناسب مع موضوعاتها المجردة . ولم تكن الفلسفة حتى ذلك الوقت - قد اكتشفت منهجها الخاص، ولهذا فقد كانت تنظر بعين الحسد إلى العرض المنظم للرياضة فتستعيره أحياناً، (٥).ولقد حاول الفلاسفة التجريبيون تطبيق منهج العلوم التجريبية - كما فعل لوك وغيره - في مجال الفلسفة. (٢) . وتلك كلها محاولات فاشلة لأن هذين المنهجين لا يصلحان الدراسة الفلسفة ؛ فالمنهج التجريبي (٥) يتضمن نقيصتين: الأولى هي أن المبدأ الكلي الذي يتضمنه هذا المنهج لا يرتبط بالجزئيات، فكل منهما خارجي وعرضي بالنسبة للآخر الأن هدفه إدراج الجزئيات تحت قانون كلي مجرد يناسبها دون الاهتمام بمدى وجود الارتباط الضروري بين القانون وجزئياته وتلك هي الحال نفسها بالنسبة للوقائع الجزئية التي يجمعها معا في وحدة واحدة، فكل منها خارجي وعرضي بالنسبة للآخر. وفي كل من هاتين النقيصتين تنعدم الضرورة . . (۷) فالمنهج التجريبي لا يصلح منهجا للفلسفة لأنه يفتقر إلى الضرورة التي ينشدها العقل (۸).أما منهج الرياضة أو المنهج التأليفي فهو يسير عكس المنهج التحليلي. فإذا كان الأخير يبدأ من الجزئيات ويسير منها صعداً إلى الكليات، فإن المنهج التأليفي يبدأ من الكليات وهي التعريفات والمسلمات) ثم يسير منها سفلا إلى الجزئيات وهي النظريات في هذه الحالة . (۹) وهو منهج لا يصلح كذلك للفلسفة، فالهندسة - مثلاً - تبحث في موضوع مجرد كالمكان ولذا يسهل عليها تعريفه،6) يسميه كذلك بالمنهج التحليلي لأنه يعتمد على تحليل الواقع العيني ورده إلى كليات مجردة هي القوانين.