التجديد في شعر الرثاء في العصر العباسي ظلت الموضوعات الشعرية القديمة المألوفة تسيطر على الشعر والشعراء،وأن يظل حيا على الألسنة مع حياة الأمة،فلا يضعف ولا يذوى عوده مهما غذته الثقافات الفلسفية وغير الفلسفية،فهو موصول دائما بقديمه شأنه في ذلك شأن الآداب الحية التي لا تنقطع صلتها بماضيها مهما وقع عليها وعلى أهلها من تأثيرات حضارية وثقافية.فجوهرها ثابت،إنما أحدثت بعض إضافات تكثر أو تقل حسب ملكات الشعراء وحسب ما كانوا يتغذون به من الثقافات وما كان يداخلهم إزاء مظاهر الحضارة الجديدة.وبما كانوا يستمعون إليه من محاورات المعتزلة؛مما أثار في عقولهم ونفوسهم كثيرا من المعاني والخواطر التي لا تكاد تحصى،ودفعهم إلى التطور بموضوعات الشعر الموروثة تطورا نلمس فيه روح العصر وخصب الفكر ورهافة الشعور.وأضافوا إليها موضوعات جديدة بما نفذوا إليه من تحليل المعاني والملاءمة بين أشعارهم وبيئاتهم المتحضرة وحياتهم اليومية.فالثقافات الجديدة فتحت امامهم آفاقا للقول وميادين فسيحة للتعبير والوصف،فجاء شعرهم وحيا من نبض هذه الثقافات وباعد بينهم وبين نتائج أسلافهم،ودفعتهم إلى التجديد بما يناسب هذا التقدم العلمي والرقي الثقافي. من الأغراض التي اتسع مداها في هذا العصر الرثاء،فنشط الشعراء في الرثاء نشاطا واسعا،فقد رثوا الخلفاء والقادة المشهورين وأجادوا في تأبينهم،وصوروا محنة الامة في فقد قادتها،وفاض رثاؤهم لهم بالحزن واللوعة،وبخاصة عندما يكون الرثاء لواحد من قادة المعارك الحربية.وخير مثال على ذلك رثاء أبي تمام لمحمد بن حميد الطائي الذي كان قائدا للمأمون وخاض له معارك عديدة،فرثاه أبو تمام بقوله: فتى كلما فاضت عيون قبيلة دما ضحكت عنه الأحاديث والذكر فتى مات بين الضرب والطعن ميتة تقوم مقام النصر إذ فاته النصر ولعل بطلا لم تذرف دموع الشعراء عليه كما ذرفت على يزيد من مزيد،الذي فتك بخوارج الموصل فتكة لم تقم لهم بعدها قائمة.وفي تأبينه يقول منصور النمري: فإن تك أفنته الليالي فأوشكت فإن له ذكرا سيفني اللياليا ازدهر لون آخر من هذا الفن يمكن أن نطلق عليه )الرثاء المذهبي(حيث كثرت نماذجه في المجمتع العباسي الذي حوى أحزابا متعددة،وقد اورد الطبري نموذجا لهذا اللون قاله عبدالله بن مصعب في رثاء ابراهيم بن عبدالله بن حسن،يقول فيه: قبر تضمن خير أهل زمانه حسبا وطيب سجية وتكرما بطل يخوض بنفسه غمراتها لا طائشا رعشا ولا مستسلما وهناك لون طريف من الرثاء وهو ) الحيوانات الأليفة(ولا ندري هل السبب في وجود هذا النوع من الرثاء هو الجو المترف المنعم الذي عاش فيه هؤلاء الشعراء والذي دعاهم الى التعبير عن مثل هذه المواقف،أو أنه كان أثرا من آثار الرقي الحضاري الذي أوجد التعاطف والمودة بين الإنسان والحيوان بعد أن كثر إقتناؤه في البيوت،وربما صلح الأمران ـ على ما بينهما من خلاف ـ لتعليل نشاة هذا اللون من الرثاء.ولأبي نواس شعر في رثاء كلب صيد له،يفيض في ذكر مآثره،ويتحدث عن مصرعه،فيقول: يا بؤس كلبي سيد الكلاب قد كان أغناني عن العقاب وكان قد أجزى عن القصاب وعن شراء الجلب الجلاب ومن هذا القبيل مرثية ابن العلاف لقطه الذي كان قريبا من نفسه حتى أنه ليقرنه بولده،فيقول: يا هر فارقتنا ولم تعد وكنت منا بمنزلة الولد فكيف ننفك عن هواك وقد كنت لنا عدة من العدد تطرد عنا الأذى وتحرسنا بالغيب من حبة ومن جرد ويوجد لون آخر طريف من ألوان الرثاء وهو )رثاء المغنين(فبدلا من رثاء الميت في القديم ببكاء السيوف والخيل عليه،أصبح يرثى ببكاء آلات الطرب والملاهي والدنان عليه،من ذلك ما قيل في رثاء ابراهيم الموصلي: وأي بشاشة بقيت فتبقى حياة الموصلي على الزمان ستبكيه المزاهر والملاهي وتسعدهن عايقة الدنان أما ما أورده أبو الفرج من رثاء عبد الصمد بن المعذل الطفيلي الذي قتلته لقمة ساخنة ازدردها في إحدى المآد،فهو أقرب الى شعر الفكاهة والسخرية منه الى الرثاء،ويتحدث ابن المعذل عن المآادب الضخمة التي أقيمت بعد وفاة الطفيلي،ثم يخاطبه: غيبت عنها فلم تعرف لها خبرا لهفي عليك وويلي يا أبا سلمه ولوتكون لها حيا لما بعدت يوما عليك ولو في جاحم حطمه