مقدمة : طرح المشكلة إحتل المنهج التجريبي مكانة في أبجديات البحث الإنساني الحديث، وغدا نموذجا لكل معرفة تروم الدقة والموضوعية الأمرعائد بالأساس إلى النجاح الذي نتج عن تجسيده في الظواهر الجامدة والحية، تماشيا مع هذا حاول العلماء والباحثين توسيع نطاقه ليشمل الظواهر الإنسانية التي تتعلق بأبعاد الإنسان التاريخية والاجتماعية و النفسية، إلا أن طبيعة هذه الظواهر وتفردها ، فرضت جملة عوائق وعقبات دفعت بعض الباحثين إلى الإقرار باستحالة إخضاعها لدراسة تجريبية موضوعية ، في حين أكد البعض الآخر على إمكانية تجاوز هذه العقبات وتجسيد خطوات المنهج التجريبي على مستوى الظواهر الانسانية، وهو الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل: هل الدراسة التجريبية للظاهرة الانسانية أمر ممكن أم متعذر؟ أو بمعنى هل يمكن تجاوز العوائق التي تفرضها طبيعة الظاهرة الإنسانية ؟ أو بالأحرى، هل يمكن إدراك الموضوعية في هذه الدراسة، ومن ثمة التنبؤ الدقيق من سلوكات الإنسانعوائق التجريب على الظاهرة التاريخية: إنها حادثة إنسانية ماضية مقترنة بفكرتي الزمان والمكان غير قابلة للتكرار ولا يمكن عزلها وبالتالي يستحيل ملاحظتها والتجريب عليها ومن ثمة تنعدم القوانين ويستحيل التنبؤ، فالتاريخ لا يعيد نفسه وعليه يتعذر تحقيق الحتمية التي تعني ثبات الشروط والأسباب، في حين أن الشروط والأسباب عند الإنسان ليست ثابتة، فما كان بالأمس سببا لم يعد اليوم كذلك. كما يستحيل إدراك الموضوعية في هذه الدراسة لأن الحوادث التاريخية ذاتية والمؤرخ يعيش التاريخ ولا يمكن أن يقف موقف الحياد من حوادث تعتبر جزءا منه. فالتاريخ على حد تعبير فولتير جملة من الخدع والأباطيل ، يديرها الأحياء والأموات حتى تناسب رغباتهم، كما أنها أي الظاهرة التاريخية) وصفية غير قابلة للقياس بينما العلم يتعامل مع الظواهر القابلة للقياس تماشيا مع هذا اعتقد شوبنهاورأن التاريخ ليس علما لأنه لا يتعلق إلا بالظواهر الخاصة والحوادث الفريدة وهو نفس ما عبر عنه فولتير في قوله" كان من الضروري أن يكتب الفلاسفة التاريخ لأنه فن وليس علما". 2 عوائق التجريب على الظواهر النفسية : إن الظاهرة النفسية معقدة ومتداخلة يشتبك فيها الإدراك مع الإحساس والذكاء مع الخيال والإنتباه مع الإرادة وهي تتميز بسمة الديمومة وعدم الثبات ( التغير)، كما أنها ظاهرة معنوية (الهيجان) لا تقبل التكرار وصفية كيفية يصعب قياسها ، لا تقبل الملاحظة ولا يمكن للباحث في نطاقها أن يدرك الموضوعية (علاقة الذات العارفة بموضوع المعرفة وفي هذا المضماريرى جان بياجي أن" وضعية من هذا القبيل تتداخل فيها الذات بالموضوع هي سبب الصعوبات الإضافية التي تفرضها علوم الإنسان مقارنة مع العلوم الطبيعية"، فالذات التي تلاحظ أو تجرب على نفسها أو على الذوات الأخرى المماثلة لها ، لكن قد تكون مصدر خداع لأن المريض النفساني لا يستطيع البوح بجميع أسراره إذ عادة ما يظهر أسرار ويخفي أخرى فالنفس على حد تعبير ريبو لا تعرف نفسها و پری سارتر أن " الإنسان هو ذلك الكائن المجهول يكون معلوما يوم يكون معدوما" ، كما أن الظواهر النفسية لا تخضع بصفة مطلقة لمبدأ الحتمية، فنفس الأسباب لا تؤدي إلى نفس النتائج، فالفشل على سبيل المثال لا يؤدي دوما إلى الإحباط. ولا تخضع أيضا لمبدأ الإستقراء فما يصدق على الجزء لا يمكن تعميمه على الكل. التوسيع : محاولة حل المشكلة القضية الدراسة التجريبية على الظاهرة الإنسانية أمر متعذر) إن طبيعة الظاهرة الإنسانية التاريخية، الإجتماعية النفسية وخصوصيتها فرضت جملة من العوائق الإبستيمولوجية، جعلت إمكانية دراستها دراسة علمية وموضوعية أمر مستحيل نظرا لعلاقة بالإضافة إلى عديد العقبات التي تحول دون تجسيد خطوات المنهج التجريبي وكذا مبادئ العلم . (السببية، الحتمية، التنبؤ). البرهنة ومن الحجج والبراهين التي تؤكد هذا الطرح مايلي:عوائق التجريب على الظاهرة الاجتماعية : إن الظاهرة الاجتماعية مركبة تتداخل فيها أبعاد الإنسان المختلفة منها النفسية والتاريخية والدينية والإقتصادية والبيولوجية . ومن ثمة فإن الظواهر المعقدة على شاكلت الظاهرة الاجتماعية والنتائج التي ترجع إلى أسباب وعلل متداخلة ومركبة على حد تعبير جون ستيوارت مل لا تصلح أن تكون موضوعا حقيقيا للاستقراء العلمي المبني على الملاحظة والتجربة، كما أن الظاهرة الاجتماعية بشرية متصلة بحياة الإنسان ولا تشبه الأشياء، والإنسان يملك إرادة وحرية في التصرف هذا الأمر من شأنه تغييب الموضوعية، إذ من الصعب على حد تعبير المفكر أحمد بدر أن نكون موضوعيين في مجال يمثل الجانب الذاتي من الحياة"، كما أنها قابلة للوصف الكيفي وليس للتقدير الكمي ، و لا تخضع لمبدأ الحتمية فتوفر نفس الأسباب لا يؤدي إلى نفس النتائج، مما يعني عدم إمكانية التنبؤ على مستوى الظواهر الاجتماعية إذ يستحيل على الباحث الإجتماعي أن يصل إلى قوانين تصور لنا ما سيكون عليه المجتمع وأفراده. النقد: لكن القول بهذه الصعوبات والعوائق لا يعد مانعا أمام إمكانية دراسة الظواهر الانسانية دراسة علمية موضوعية تماشيا مع الفرضية الإبستيمولوجية "طبيعة الموضوع تحدد طبيعة المنهج " ، بل تلك العوائق كلاسيكية ظهرت مع البدايات الأولى لهذه الدراسة ولم تمنع العلماء من محاولة إقتحامها و تجاوزها ، ومن ثمة لا يمكن إنكار قيمة علم التاريخ وعلم الإجتماع وعلم النفس. نقيض القضية : الدراسة التجريبية على الظواهر الإنسانية أمر ممكن إستطاع العلماء والباحثين من تجاوز العوائق وتحيين العقبات، وكذا تكييف المنهج التجريبي مع طبيعة الظاهرة ، جعلت من العلوم الإنسانية تشق طريقها إلى مصف العلوم الطبيعية . هذا الأمر تجلى في أبحاث كل من ابن خلدون وأوغست كونت وجون واطسن. البرهنة ومن الحجج والبراهين التي تؤكد صدق هذا الطرح ما يلي:تجاوز العوائق في الدراسة التاريخية: يعود الفضل في هذا النطاق إلى العلامة عبد الرحمن ابن خلدون الذي أكد على إمكانية دراسة الظاهرة التاريخية دراسة علمية موضوعية، ودعى المؤرخ إلى إتباع منهج علمي دقيق يقوم على قواعد ثابتة تبعده عن الذاتية وعن الكذب وهي التشيعات لآراء المذاهب والثقة بالناقلين والذهول عن المقاصد والجهل بطبائع الأحوال في العمران والتقرب إلى الرؤساء والملوك. وألح هذا الأخير على ضرورة دراسة الحادثة حسب آثارها ومخلفاتها وإخضاع ظواهرها للتجريب وتحري الموضوعية وذلك تماشايا مع طبيعة الظاهرة وخصوصيتها وهو ما يجعلها تتبع منهج خاص يقوم على: - جمع المصادر التي تمثل كل ما خلفته الحادثة التاريخية بصورة إرادية كالتماثيل، أو لا إرادية كالمباني والأسلحة، أو أو معنوية كنفسية الشعوب بعد ودعى المؤرخ إلى إتباع منهج علمي دقيق يقوم على قواعد ثابتة تبعده عن الذاتية وعن الكذب وهي التشيعات لآراء المذاهب والثقة بالناقلين والذهول عن المقاصد والجهل بطبائع الأحوال في العمران والتقرب إلى الرؤساء والملوك. وألح هذا الأخير على ضرورة دراسة الحادثة حسب آثارها ومخلفاتها وإخضاع ظواهرها للتجريب وتحري الموضوعية وذلك تماشايا مع طبيعة الظاهرة وخصوصيتها وهو ما يجعلها تتبع منهج خاص يقوم على: - جمع المصادر التي تمثل كل ما خلفته الحادثة التاريخية بصورة إرادية كالتماثيل، أو لا إرادية كالمباني والأسلحة، أو مادية كالوثائق والنقود، - نقد وتحليل المصادر من حيث الشكل، وذلك بملاحظتها ولاسيما الوثائق بمشاهدة شكل الورق ونوع الكتابة ، وهنا تعترض المؤرخ فجواة فيلجأ إلى الفرضية بالربط بين السابق واللاحق ليصل في الأخير إلى القوانين المتحكمة في سير الظواهر والتي يمكن أن تعمم على غيرها ، حسب التفسير الماركسي (نسبة إلى كارل ماركس) الذي يرجعه إلى قانون التناقض بين علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج. 2 تجاوز العوائق في الدراسة الإجتماعية : لقد برز بشكل واضح طموح السوسيولوجيا في أن تتأسس كمعرفة علمية منذ أن تم وضع الصيغة الأولى لتسميتها من طرف أوغست كونت (1798-1857)، "علم الإجتماع"، كعلم معني بدراسة الحياة الإجتماعية والجماعات والمجتمعات الإنسانية . و بالإضافة إلى إسهام هذا الأخير يكاد ينفرد إيميل دوركايم دون غيره بأنه بذل قصارى جهده في تشخيص الظاهرة الإجتماعية والدعوة إلى دراستها كأشياء، هذا الأمر أدى إلى تجاوز العوائق التي تفرضها طبيعة الظاهرة