حدود العلاقة بين السلطة السياسية والسلطة الدينية مقدمات تمهيدية للفهم إذا كان الدين الإسلامي يعد من أبرز عوامل الاستقرار العقدي والمذهبي والاجتماعي (2) ومن أسس وحدة الأمة والمجتمع الدينية والروحية، فلابد أن يستعين بموارد سياسية أخرى كالنسب الشريف الشرعية التاريخية والشوكة والغلبة القوة الاجتماعية والنفوذ السياسي والدهاء السياسي الحنكة العملية في التعامل مع المشاكل وحل الخلافات وتدبير الصراعات السياسية وغيرها من الشروط والمواصفات في سياق الدينامية السياسية والاجتماعية التي شهدتها المجتمعات العربية الإسلامية . على المستوى النظري العام فإن السلطة الدينية والسلطة السياسية تتسمان بمبدأ التوازن والتعاون بينهما، قد ولد نوعاً من الفراغ السياسي والدستوري، فلم يتعرض الكتاب والسنة المتداولة آنذاك لشؤون الحكم والسياسة والعلاقة بين الدين والدولة بنفس الدقة والوضوح التي تناولت بها قضايا أخرى كالميراث والزواج (2) ، بعد أن استكملت الرسالة المحمدية كل الجوانب العقدية والتشريعية وقننت مجال العبادات والمعاملات التي تحكم علاقة الإنسان بخالقه ويبني الإنسان، إلا أن الإسلام فسح للمسلمين حيزاً كبيراً للاجتهاد لبلورة نظرية سياسية للحكم تسمح لهم بإعمال آلية الاجتهاد والنظر بالارتكاز على الكتاب والسنة كإطار مرجعي عام، ويعزى عدم تدخل الرسالة الإسلامية في تحديد نظام معين للحكم السياسي إلى ترك الإسلام للإنسان حرية اختيار ما يلائم طباعه وعاداته الاجتماعية والسياسية بعد أن زوده بأسس وقواعد القرآن الكريم والسنة النبوية ووسائل الاجتهاد والتنزيل والاعتماد على واقع الممارسة مع الاستلهام من تجربة الرسول الكريم في فترة النبوة (1) ، فقد شكلت العلاقة بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، وقد نجم عن هذا الصراع جدل أيديولوجي وسجال سياسي تبلور في شكل أطروحتين، أطروحة الدور السيادي للسلطة الدينية وخضوع السلطة السياسية لها، أطروحة الدور السيادي للسلطة الدينية وتبعية السلطة السياسية لها: فإذا كانت تمثل في حد ذاتها سلطة معرفية دينية فهي تعتبر نفسها سلطة سياسية، فسعي السلطة الدينية لامتلاك السلطة السياسية أضحى رهاناً محورياً للسلطات التي تستند في شرعيتها إلى الإسلام، ويجد تبريراته الدينية والأيديولوجية في أن سلطة العالم المعرفية بدون سلطة سياسية تعوقه من تطلعاته إلى ممارسة أدوار سياسية فاعلة داخل المجتمع والدولة . وتقييم مدى التزام السلطة السياسية بفهم سياسي معين للدين شبيه بما يسمى حالياً بالرقابة الدستورية داخل مؤسسات الدولة، لأنها تمتلك مفاتيح العلاقة بين المقدس والدنيوي وتقوم بالوساطة بينهما، عبر إعطاء الديني المعنى المناسب الذي يمكن عامة الناس من فهمه واستيعابه . تم تقريب مقاصد الشرع ومراميه إلى أفهام عموم الناس وتوجيهم دينياً وأيديولوجياً وسياسياً، الأطروحة الثانية: سيادة السلطة السياسية وتحديدها لمجال عمل السلطة الدينية. إن تحديد مجال اشتغال السلطة الدينية بعيداً عن ميدان السياسة والحكم، 2) الصادق بلعيد : دور المؤسسات الدينية في دعم الأنظمة السياسية في البلاد العربية، لا تستند على أية علاقة وساطة كما كان عليه الحال في التجربة الكنسية المسيحية في أوروبا، حدود العلاقة بين السياسي والديني ما بين النموذج التوفيقي والنموذج التوحيدي وانتهى النزاع بكسب الحاكم للرهان بتسليم السلطة الدينية بسيادة السلطة السياسية وتقاسمها في حالات محدودة للسلطات بينهما في معظم التجارب في العالم العربي الإسلامي، فتم توحيد مختلف بقاع البلاد لأول مرة تحت سلطة واحدة، بما تملكه من شرعية تاريخية ودينية ودستورية، ويعزى أصل المشكل منذ نشأته إلى افتقاد إطار مؤسساتي يقنن حدود العلاقة بين السلطة السياسية والسلطة الدينية وخصائص كل منهما وحدوده، الشيء الذي أفضى إلى إعادة تحديد طبيعة العلاقة بين السياسي والديني بعد نيل البلدان العربية الإسلامية لاستقلالها في إطار الدولة الحديثة، بل الإقرار بتواجد وظائف دينية إلى جانب السلطة السياسية التي تمكنت من الجمع بين السلطة السياسية والدينية، عبر إدماج الفاعل الديني ضمن هياكل الدولة الحديثة، بينما يمثل النموج السعودي لحالة التحالف بين السلطة السياسية والدينية وتقاسم السلطات والعمل بينهما : ينبني النظام السياسي السعودي شرعيته الدينية والسياسية على الإسلام وفقاً للأيديولوجيا التي أرساها محمد بن عبد الوهاب، إلا أن المؤسسة الدينية بحكم الوضع الخاص للبلاد كمحج لجميع البلدان العربية الإسلامية ووجود أهم الأماكن الإسلامية المقدسة، قد تمكنت ممارسة الحكم عبر الدفاع عن أطروحة التوفيق بين السياسي والديني وإقرار التوازن بين الدين والدولة، فاستطاعت السلطة الدينية من حيازة نفوذ وتكوين سلطة سياسية من خلال الأدوار التي تقوم بها في التشريع، لقد تمت عملية إدماج العلماء في المؤسسات الدينية للدولة، النموذج التوحيدي : إدماج مؤسسة العلماء في ظل إمارة المؤمنين أصبح العلماء بعد الاستقلال كمدبرين لميدان العبادات والطقوس لا منتجين مشاريع دينية وسياسية، وأصبح من أهم خصائصها توحيدها للسلطة السياسية والدينية داخل إمارة المؤمنين وتجميع السلطتين في قالب واحد، ثم القدرة على الانتقال من الحقل السياسي إلى الحقل الديني أو الانطلاق من مجال الدين إلى ميدان السياسة، للحسم عند الحاجة في العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية، تضطلع بوظائف دينية في ظل مؤسسة إمارة المؤمنين التي توجد داخلها بين السلطة السياسية السلطة الدينية . لقد تحددت معالم السياسة الدينية بعد الاستقلال إلى الاعتماد على الإسلام والسعي نحو المزيد من المزج والتوحيد بين السياسي والديني، تأكيد الرؤية الملكية للوظيفة الدينية للعالم كسلطة معرفية وترسيخه للأسس السهر على حماية الأمن الروحي والدفاع عن الوحدة المذهبية كعامل توحيد واستقرار .