مكون من طابقين حيث أسقفه من ركائز الخشب، ندية بالماء المتسرب عبر شقوق جدرانها. شيخ عجوز غطت التجاعيد قسمات وجهه، يمر بعربته عبر الأزقة الضيقة، هو والحصان جزء من تاريخ المدينة. قال : سأختصر هذه الأحياء، وأتجنب الأماكن المزدحمة لأوصلك إلى مبتغاك. بعد لحظة توقفت العربة. عقله شارد في متاهات المدينة. التي تنبعث منها كل أصناف وأطياف سحرها، دخان وشحاذون وصخب الأصوات المختلط. النساء ينشرن مآزرهن متبادلين أحاديث الصباح مع الجارات عبر النوافذ المتقاربة والمتقابلة. يبدو من ملامحها أنها مالكة المنزل. جئت بأغراضي وأثاثي إلى غرفتي. قالت : تذكرت تفضل أسي المهدي. شغبهم الطفولي أحال الدابة إلى لعبة. بعد انشغالهم بنقل المحتويات إلى الغرف، الموجودة في الأعلى بجوار سطح المنزل، لقد فر رفيق عمره. صب جام غضبه على من حوله سب وأزبد فمه من كثرة الشتائم. وقال : (والعرق يتصبب من جبينه) سأجده، وصعد الدرج ليلملم أغراضه . التي نظمها ورتبها في الخزانة المطلية بطلاء بني، في الركن وضع مكتبه الصغير، وبجانبه سريره المتداعي الذي كسرت إحدى أرجله. وخرج ليتمشى عبر الدروب، ويضع خريطة ذاته حتى لا يضيع في الزحام. لكن كل ما لا تحبه مختبئ بين ثناياها، المقاهي التي تنبعث منها رائحة الكيف والحشيش، إحساس فيه توجس وترقب وخوف من الذوبان في عالمه الجديد الذي لم يألفه بعد. ضغط على الزر لكن الضوء لم يشتعل. قلب في درج مكتبه حيث وضع فيه علبة من الشمع. وانزاح غبش الظلمة. حيث أمواج البحر وهديرها، وعينيك مثبتة وتائهة في الأحلام. بحث في رفوف خزانته المملوء بروايات وقصص، أشعل سيجارة ونفث دخانها وتلك عادته عندما يفرغ من كتابة أية قصة. حلمه أن يبدع وينجز مجموعته القصصية، أن يكون مثل أولئك المؤلفين الذين تشبع بكتاباتهم. والذين يؤثثون رفوف مكتبته. لكنه يائس من كثرة المحاولات التي أرسلها الواحدة تلو الأخرى إلى الملاحق الثقافية. يحلم يوما أن يعثر على عنوان قصته واسمه مكتوب بجانبها ، وسيزداد إصرارا على الكتابة . الملاحق مكومة في أسفل خزانته حتى غدت صفراء. اقتنع بأن النشر يقتضي انتماءًا حزبيا ونقابيا. وانخراطا متماهيًا فقط من أجل أن ينشر لك. في الصباح تأبط إضبارته التي ضمت أعماله. وجهته كانت البحث عن دور النشر التي خط كل عناوينها في مذكرته. دق أبوابها. لكنه كان يخرج منها وعلامات الغضب والإحباط بادية على محياه. التي تتوسط شارع المدينة الجديدة. وضع رأسه بين يديه وهفا في تفكير طويل. لا أحد يريد باكورة إنتاجي، والتعامل مع كل مبتدئ في حد ذاته مغامرة. التي بدأ في الاستئناس بها، وصبت عليه الماء من الطابق العلوي، حيث الناس يرش بعضهم بعضا بالماء. ليكتب لك الحظ ويتحقق الحلم. لكنه كتم غيظه لقد ضاع حلمه. وقال في نفسه : عن أي حظ تتحدثين أيتها الملعونة أضعت كل أعمالي. ونشر كل قصصه على حبل الغسيل.