جَاجَة اَلِاسْتِقْلَالِ هَذِهِ وَاحِدَةً مِنْ قِصَصِ بُخَلَاءَ اَلْجَاحِظْ اَلطَّرِيفَةَ . قَالَ ، قُدْسُ اَللَّهِ سِرَّهُ : كَانَ أَبُو اَلْهُذَيْلْ أَهْدَى إِلَى مُوِيسْ دَجَاجَةٍ . وَكَانَتْ دَجَاجَتُهُ اَلَّتِي أَهْدَاهَا دُون مَا كَانَ يَتَّخِذُ اَلْمُوَيْسْ . وَلَكِنَّهُ بِكَرَمِهِ ، وَبِحُسْنَ خُلُقِهِ ، أَظْهَرَ اَلتَّعَجُّبُ مِنْ سَمْنِهَا ، وَطَيِّبٌ لَحْمِهَا ، وَكَانَ يَعْرِفُهُ بِالْإِمْسَاكِ اَلشَّدِيدِ . فَقَالَ أَبُو اَلْهُذَيْلْ : وَكَيْفَ رَأَيْتُ ، يَا أَبَا عِمْرَانْ ، تِلْكَ اَلدَّجَاجَةِ ؟ قَالَ : كَانَتْ عَجَبًا مِنْ اَلْعَجَبِ ! فَيَقُولُ : وَتَدْرِي مَا جِنْسُهَا ؟ وَتَدْرِي مَا سَنَّهَا ؟ فَإِنَّ اَلدَّجَاجَةَ إِنَّمَا تَطِيبُ بِالْجِنْسِ وَالسِّنِّ . وَتَدْرِي بِأَيِّ شَيْءٍ كُنَّا نُسَمَّنهَا ؟ فَلَا يَزَالُ فِي هَذَا ، وَمُّويَسْ يَضْحَكَ ضَحِكًا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا يَعْرِفُهُ أَبُو اَلْهُذَيْلْ . وَكَانَ أَبُو اَلْهُذَيْلْ أَسْلَمَ اَلنَّاسُ صَدْرًا ، وَأَوْسَعُهُمْ خُلُقًا ، وَاسْهِلَهْمْ سُهُولَةً ، فَإِنَّ ذَكَرُوا دَجَاجَةٌ قَالَ : أَيْنَ أَنْتَ ، يَا أَبَا عِمْرَانْ ، مِنْ تِلْكَ اَلدَّجَاجَةِ ؟ وَإِنْ ذَكَرُوا بَطَّةُ أَوْ عِنَاقًا أَوْ جُزُورَا ، أَوْ بَقَرَةٍ ، قَالَ : فَأَيْنَ كَانَتْ هَذِهِ اَلْجَزُورْ فِي اَلْجُزُرِ مِنْ تِلْكَ اَلدَّجَاجَةِ فِي اَلدَّجَاجِ ؟ وَانْ اَسْتِسْمِنْ أَبُو اَلْهُذَيْلْ شَيْئًا مِنْ اَلطَّيْرِ وَالْبَهَائِمِ ، قَالَ : لَا وَاَللَّهُ ! وَلَا تِلْكَ اَلدَّجَاجَةِ . وَانْ ذَكَرُوا عُذُوبَةُ اَلشَّحْمِ قَالَ : - عُذُوبَةُ اَلشَّحْمِ فِي اَلْبَقَرِ وَالْبَطِّ ، وَبُطُونَ اَلسَّمَكِ وَالدَّجَاجِ ، وَلَا سِيَّمَا ذَلِكَ اَلْجِنْسِ مِنْ اَلدَّجَاجِ . وَانْ ذَكَرُوا مِيلَادُ شَيْءٍ ، أَوْ قُدُومِ إِنْسَانٍ ، قَالَ : كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَهْدَيْتُهَا إِلَيْكَ بِسَنَةٍ ، وَمَا كَانَ بَيْنَ قُدُومِ فُلَانٍ ، وَبَيْنَ اَلْبَعْثَةِ بِتِلْكَ اَلدَّجَاجَةِ إِلَّا يَوْمٌ . . . . وَهَكَذَا كَانَتْ مَثَلاً فِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَتَارِيخًا فِي كُلِّ شَيْءٍ . اِنْتَهَى . ذَكَّرَنِي بِحِكَايَةِ هَذِهِ اَلدَّجَاجَةِ مَوْسِمَ اَلْحَكِّيْ اَلَّذِي خَلَقَتْهُ اَلْمِيزَانِيَّةُ . لَا عَجَب فِي هَذَا . فَالُلُهِي تَفْتَحَ اَللَّهَا ، وَحَيْثُمَا تَكُنْ اَلْجُثَّةُ تَجْتَمِعُ اَلنُّسُورْ مَا قَرَأَتْ مُنَاقَشَةً ، رَسْمِيَّةً كَانَتْ أَوْ غَيْرِ رَسْمِيَّةٍ ، إِلَّا وَاقَتْ فِيهَا دَجَاجَةُ أَبِي اَلْهُذَيْلْ اَلْهَزِيلَةَ . فَهُوَ يَذْكُرُهَا فِي كُلِّ مُنَاسَبَةٍ . يُصَدِّقَ هُوَ مَا يَقُولُ ، وَيُرِيدَ أَنْ نُصَدِّقَ نَحْنُ أَيْضًا أَنَّ دَجَاجَتَهُ اَلَّتِي أَهْدَاهَا إِلَى اَلْوَطَنِ هِيَ فَوْقَ اَلْكِبَاشْ اَلْمَعْلُوفَةِ ، وَالْعُجُولُ اَلْمُسَمَّنَةُ . . . وَلَوْلَاهَا لَمْ تَكُنْ لِلْأُمَّةِ مَأْدُبَةَ اَلِاسْتِقْلَالِ اَلْفَاخِرَةِ . إِنَّهُ يَمُنُّ بِهَا ، دَائِمًا عَلَى مُوِيسْ » ، وَمُّويَسْ ، بِكَرَمِهِ . . . وَبِحُسْنَ خُلُقِهِ ، يُظْهِرَ اَلتَّعَجُّبُ مِنْ سَمْنِهَا وَطَيِّبٌ لَحْمِهَا لَا يَعْنِي مُوِيسْ إِلَّا أَنْ تَبِيضَ مُضِيفَتُهُ اَلْوَجْهَ وَتَقُومُ بِالْوَاجِبِ ، وَلْيَتَبَجَّح اَلْهَذِيلِيونْ مَا شَاؤُوا . وَإِذَا هَذَرُوا وصَخَبُوا رَثَى لَهُمْ وَمَا زَادَ عَلَى اَلْقَوْلِ : يَا أَبَتَاه اِغْفِرْ لَهُمْ ! اَللَّهُمَّ ! أُبْعِدَ عَنَّا اَللَّيْلَةِ اَلظَّلْمَاءِ وَلَا تُدْخِلُنَا فِي . . .