لعل أبرز دور تقوم به المعاهدات الدولية في مجال القانون الدولي الخاص هو توحيد التشريعات الوطنية في بعض مسائل القانون الخاص وعلى وجه الخصوص التجارية منها، ومقتضى هذا الأسلوب توحيد القواعد المادية الموضوعية في تشريعات مختلف الدول، إذ تصبح بصدد تشريع عالمي موحد، كما هو الحال في الأوراق التجارية الذي يسري على العلاقات الناشئة عنها، ولاشك أن هذه الطريقة هي المثلى للتوحيد وللحد من تنازع القوانين . والواقع أن الحاجة إلى توحيد القواعد بشأن الأوراق التجارية قد ظهرت منذ وقت بعيد إذ كانت قد تعددت وتلاحقت المؤتمرات والندوات حولها ، إلا أن الأمر البالغ الأهمية يتعلق باتفاقيات جنيف لعام 1930 والذي انتهى بالاتفاق على المعاهدات الثلاث الخاصة بالحوالة و السند للأمر . ففي جنيف انعقد مؤتمر في 13 أيار 1930 انتهى في 7 حزيران عام 1930 بالاتفاق على المعاهدات الآتية :المعاهدة الأولى: التزمت فيها الدول الموقعة بإدخال أحكام القانون الموحد الذي توصل إليه المؤتمرون في تشريعاتهم الداخلية ، والثاني يتضمن التحفظات، مثل مسألة ملكية مقابل الوفاء، وضياع السند وسرقته، وتحديد أيام العطل الرسمية وعمل الاحتجاج.المعاهدة الثانية: وهي خاصة بتنازع القوانين في بعض حالات التنازع الخاصة بالحوالة والسند للأمر.المعاهدة الثالثة: وهي خاصة برسم الدمغة الطابع الذي تفرضه القوانين الداخلية على الأوراق التجارية وتقضي بعدم إيطال هذه الأوراق في حالة مخالفتها لتلك القوانين. ولم يمض عام على هذا المؤتمر حتى انعقد مؤتمر آخر في جنيف تمخض عنه توقيع ثلاث اتفاقيات في 19 آذار 1931 متعلقة بتوحيد أحكام الصك.ولكن هذه الاتفاقيات لم تقض على تنازع القوانين، واعتمدت اعتمادا كبيرا على قواعد الإسناد، ووجه التكامل بين منهج القواعد الموضوعية في هذه الاتفاقيات ومنهج قواعد الإسناد سيتبين لنا بشكل كبير من خلال الفرعين الآتيين :الفرع الأول: قصور اتفاقيات جنيف عن تنظيم بعض مسائل الأوراق التجارية.الفرع الثاني: اعتماد اتفاقيات جنيف على قواعد الإسناد.الفرع الأولقصور اتفاقيات جنيف عن تنظيم بعض مسائل الأوراق التجاريةأحجمت اتفاقيات جنيف بخصوص الأوراق التجارية عن وضع حلول موحدة للكثير من المسائل تاركه إياها لكل دولة من الدول تنظيمها وفقا لتشريعها الداخلي ، وهي بذلك تكون قد تركت الباب مفتوحا بشأن هذه المسائل القيام حالات التنازع بين ذات الدول التي نقلت إلى تشريعاتها الداخلية قانون جنيف الموحد، وهذا الأمر يمكن تصوره بالنسبة لمقابل الوفاء، والإجراءات الواجب إتباعها في حال ضياع الصك أو سرقته أو إتلافه، إذ أن هذه الأمور جميعها لم يتناولها قانون جنيف الموحد. ومن ثم تعالج هذه المسائل وفقا للقانون واجب التطبيق بموجب منهج قاعدة الإسناد، كما أن هذه الاتفاقيات تركت للدول وبموجب التحفظات مخالفة أحكام القانون الموحد بالنسبة للحوالة و السند للأمر و الصك، والواقع أن كثيرا من الدول قد استفادت من هذه الحرية و أدرجت في تشريعاتها قواعد مختلفة عن القانون الموحد وعلى وجه الخصوص في السند لأمر، مما يعني بقاء تنازع القوانين بشأنها واردا ، كما هو الحال بالنسبة لمقابل الوفاء ، وتقديم الضمان الاحتياطي بورقة مستقلة.وغيرها من المسائل. كما أن اختلاف القضاء في تطبيق القانون الموحد وتفسيره، يفسح المجال التنازع القوانين و تطبيق قواعد الإسناد. وهذا الاختلاف في تطبيق وتفسير نصوص القانون الموحد الناتج عن معاهدة دولية، لا يخرج عن أصل عام يقع فيه القضاء، وان كان بصورة اقل عند تطبيقه لنصوص قانون وطني الأمر الذي يؤدي إلى ازدواج في الحلول، وهذا الاختلاف على مستوى القانون الموحد من شأنه أن يضيف سببا آخر على أسباب بقاء ظاهرة تنازع القوانين في مسائل الإسناد التجارية وحول نقاط موجودة أحكامها في صلب القانون الموحد، وعادة ما تتأثر الدول بالأسلوب الوطني في التفسير، بمعنى أنها تفسر المعاهدة الدولية وفق التطورات الوطنية والمبادئ السائدة في دولة القاضي، مما يؤدي إلى ظهور اختلاف في تطبيق وتفسير المعاهدة الواحدة الأمر الذي يمس بفكرة التوحيد .ويضرب بعض الفقهاء أمثلة متعددة للاختلاف في تفسير القانون الموحد، إذ بموجب المادة الأولى من القانون الموحد المتعلقة بالحوالة و السند للأمر، التي أصبحت المادة (110/1) من القانون التجاري الفرنسي، ينبغي ذكر من يلزمه الوفاء أي المسحوب عليه في الحوالة كونه من البيانات الإلزامية في الورقة التجارية، وترك هذا البيان يؤدي إلى أن تفقد الورقة التجارية صفتها الصرفية كحوالة بموجب المادة (110/2) من القانون التجاري الفرنسي، وهي مطابقة للمادة (2) من القانون الموحد، والسؤال الذي أثير هنا هل ينبغي ذكر هذا البيان عند إنشاء الورقة التجارية بان تصدر من الساحب ذاته (14)؟ أجاب القضاء الفرنسي بان ليس ثمة شكل معين ينبغي فيه أن يتم تعيين المسحوب عليه، إذ قد يتم هذا التعيين نتيجة لتوقيع الشخص على الورقة بوصفه قابلا، وبعبارة أخرى فإن المحكمة رأت أن ليس من اللازم أن يكون أسم المسحوب عليه محددة في الورقة عند إنشائها بالذات. وفهم الأمور بهذا المعنى لا يتفق بحال مع ما يقول به القضاء السويسرية ، الذي ذهب في حكم له بتطبيق المادة (991) من قانون الالتزامات المأخوذة حرفية عن المادة الأولى من القانون الموحد شأنها شأن المادة (110/1) فرنسي تطبيق حرفية مقررة أن الحوالة التي لا تتضمن اسم المسحوب عليه تعد ورقة معيبة وان القبول اللاحق لا يقوم مقام هذا البيان، ودون شبهة من شك هناك اختلاف في التفسير، وكل من القضاعين أمين في تفسيره علی إعمال الأفكار الوطنية السائدة في قانونه الداخلي على الرغم من تماثل النصوص ووحدة المصدر، فالقانون السويسري ومثله الألماني - أمين على الإعمال الحرفي و الشكلي للالتزامات الصرفية إلى أقصى درجة، بينما القانون الفرنسي يبدو اقل حدة بهذا الصدد، والقضاء في كلا الدولتين لم يحد من حكم التعاليم السائدة في تشريعه الداخلي(17). عمدت الاتفاقيات إلى وضع حلول لهذا التنازع في شأن المسائل التي تركها القانون الموحد بغير تنظيم وتلك التي احتفظت كل دولة بحرية مخالفة أحكامها، لذلك كان لابد من اللجوء إلى قواعد الإسناد فصاغ المؤتمرون في جنيف جملة من قواعد الإسناد جعلوها موضوع الاتفاقية الثانية من المعاهدات الخاصة بالحوالة والسند للأمر والصك، وتشتمل المعاهدات الخاصة بحلول لبعض حالات تنازع القوانين في مسائل الحوالة والسند للأمر على عشرين مادة وقد تصدت المواد من (2-10) (18) للحلول الواجب إتباعها عند وقوع التنازع بين القوانين في مسائل الأهلية والشكل، وآثار الالتزام الصرفي، ومواعيد التقديم، واعتماد الصك، والوفاء الجزئي، و التسطير، وملكية مقابل الوفاء، وكيفية إثبات الامتناع عن الدفع، وشكل الاحتجاج ومواعيد عمله، أما بقية المواد فهي تنظيمية (19).و إغفال هاتين المعاهدتين لبعض المسائل المتصور قيام التنازع بين القوانين بشأنها، من ذلك الشروط الموضوعية للالتزام عدا الأهلية- و آثار رفض القبول، وأحكام الوفاء عدا الوفاء الجزئية القوة القاهرة، وطرق التنفيذ، والسقوط و التقادم، يجعل الباب مفتوحة للرجوع لقواعد الإسناد في دولة القاضي لبيان القانون واجب التطبيق عليها.وهذا يعني حسب قول جانب من الفقه(20) انه لو ثار النزاع يتعلق بورقة تجارية أمام قاض ينتمي إلى دولة منضمة إلى اتفاقيات جنيف ونقلت أحكامها كفرنسا وألمانيا وسويسرا، فإنه ينبغي للقاضي الرجوع إلى مصدرين متجاورين يعملان جنبا إلى جنب في تشريعه الداخلي هما قواعد الإسناد التي نظمتها اتفاقيات جنيف الخاصة بالتنازع في شأن الحوالة والسند للأمر لسنة 1930 وتلك المتعلقة بالصك لسنة 1931 والموضوعة لحل بعض حالات التنازع، والمبادئ العامة في القانون الدولي الخاص الفرنسي أو الألماني أو السويسري والتي غالبيتها من صنع القضاء.ونضيف إلى هذا الرأي أن القاضي في هذه الدول لابد وأن يرجع إلى قواعد الإسناد في قانونه الغرض بيان القانون واجب التطبيق لإيجاد الحلول للمسائل التي أغفلتها الاتفاقية. ونشير إلى قواعد الإسناد التي جاءت بها الاتفاقيتان: فبخصوص الأهلية نصت المادة (2) من اتفاقية جنيف لسنة 1930 المتعلقة بتوحيد قواعد الإسناد في شأن بعض المسائل الخاصة بالحوالة والسند للأمر على أن "تخضع أهلية الشخص للالتزام بمقتضی الحوالة أو السند للأمر لأحكام قانونه الوطني. فإذا أحال هذا القانون الوطني على قانون دولة أخرى كان هذا القانون هو واجب التطبيق. وإذا كان الشخص ناقص الأهلية وفقا للقانون المشار إليه في الفقرة السابقة، فان التزامه يبقى مع ذلك صحيحا إذا وضع توقيعه في إقليم دولة يعتبره تشريعها كامل الأهلية. ولكل دولة الحق في أن لا تعترف بصحة تعهد احد رعاياها بمقتضى الحوالة أو السند للأمر إذا كان هذا التعهد لا يعتبر صحيحة في إقليم الدولة المتعاقدة الأخرى إلا بتطبيق الفقرة السابقة من هذه المادة " (21).وبخصوص شكل التصرف نصت المادة (3) من اتفاقية جنيف لسنة 1930 المتعلقة بتوحيد قواعد الإسناد في شأن بعض المسائل الخاصة بالحوالة والسند للأمر على أن يخضع شكل التعهدات الواردة في الحوالة أو السند للأمر لقانون الدولة التي حررت هذه التعهدات في إقليمها. ومع ذلك إذا كانت التعهدات الواردة في الحوالة أو السند للأمر غير صحيحة طبقا للفقرة السابقة، ولكنها جاءت مطابقة لتشريع الدولة التي حرر فيها تعهد لاحق، فان العيب الشكلي الذي لحق التعهدات الأولى لا يؤثر في صحة التعهد اللاحق. ولكل دولة من الدول المتعاقدة الحق في أن تنص على أن التعهدات الواردة في الحوالة أو السند للأمر والصادرة في خارج إقليمها عن أحد رعاياها تكون صحيحة في إقليمها بالنظر إلى رعاياها الآخرين بشرط أن تكون هذه التعهدات مطابقة للشكل المنصوص عليه في القانون الوطني (22).أما آثار الالتزام الصرفي فقد نصت المادة (4) من اتفاقية جنيف الخاصة بالحوالة والسند للأمر على أن تخضع آثار التزامات قابل الحوالة ومحرر السند للأمر القانون المكان الذي تكون فيه الصكوك مستحقة الوفاء. وتخضع الآثار الناتجة عن توقيعات الملتزمين الآخرين في الحوالة أو السند للأمر القانون الدولة التي أعطيت هذه التوقيعات في إقليمها" (23).وبخصوص القبول الجزئي نصت المادة (7) من اتفاقية جنيف الخاصة بالحوالة والسند للأمر علی أن القانون الذي يحكم القبول الجزئي هو قانون الدولة التي تكون فيها الحوالة مستحقة الدفع أما مقابل الوفاء فقد نصت المادة (6) من اتفاقية جنيف الخاصة بالحوالة والسند للأمر على أن يعين قانون محل إنشاء الحوالة ما إذا كان حامل الحوالة يتملك الحق الذي كان سببا في إصدارها (24). فيرجع بموجب هذا النص إلى قانون مكان إصدار أو إنشاء الورقة التجارية لمعرفة حقوق الحامل علی مقابل الوفاء (25).فهذه المادة لم تعالج إلا المسألة الخاصة بملكية مقابل الوفاء، أما بقية المسائل فان قانون جنيف الموحد لم يتصد لها تاركا لكل دولة حرية تنظيم المسائل الخاصة به بما يتفق ونظامها التشريعي، لذلك وفيما عدا مسألة ملكية مقابل الوفاء فانه لا مناص معه عند التشريعات التي تأخذ بأحكام اتفاقية جنيف من أن ترجع لحسم حالات التنازع إلى القواعد العامة في مسائل تنازع القوانين بصفة عامة (26). و العبارة الأخيرة لا تعني إلا الرجوع لقواعد الإسناد لحسم حالات التنازع في المسائل التي أغفلتها الاتفاقيات،أما القانون الذي يحكم الاستحقاق فان اتفاقية جنيف لسنة 1930 الخاصة بالحوالة و السند للأمر قد الاذت بالصمت إزاء هذه المسألة، فلم تتصد لبيان القانون الذي يحكم كيفية تحديد ميعاد الاستحقاق، بينما عالجت اتفاقية جنيف 1931 الخاصة بالصك هذه المسألة مقررة أن قانون محل الوفاء بالصك هو الذي يحدد ما إذا كان من اللازم أن يكون الصك مستحق الوفاء لدى الاطلاع أو من الجائز أن يكون مستحق الوفاء بعد مدة من الاطلاع،وبخصوص القانون واجب التطبيق على المسائل المتعلقة بتقديم الورقة التجارية للوفاء ف لا توجد قاعدة خاصة بأية من اتفاقيتي جنيف لسنة 1930 و 1931 بهذا الخصوص، إلا أن الفقه الغالب (28) يجنح إلى حسم هذه المسألة عن طريق نص المادة (8) من اتفاقية جنيف لسنة 1930 الخاصة بالحوالة والسند للأمر (29) التي تنص على أن الشكل البروتستو(30) ومواعيد عمله وكذلك شكل الأعمال الضرورية لممارسة الحقوق أو لحفظها في مسائل الحوالة والسند للأمر تخضع لقانون الدولة التي يجب فيها عمل البروتستو أو اتخذ فيها الإجراء المشار إليه.وعلى الرغم من الغموض الذي يكتنف هذا النص فإن هؤلاء الفقهاء يرون أن تقديم الورقة التجارية للوفاء يندرج تحت إطار طائفة الأعمال الضرورية لحفظ الحقوق" التي تتكلم عليها المادة الثامنة المذكورة ويخضع من ثم القانون محل تقديم الحوالة في مواجهة المسحوب عليه القابل أو محرر السند للأمر ويخضعونها لقانون محل الوفاء (31).والقانون الذي يحكم الوفاء عند ضياع الورقة التجارية أو سرقتها بموجب اتفاقية جنيف لسنة 1930 الخاصة بالحوالة والسند للأمر، هو قانون بلد الوفاء، وهذا القانون هو الذي يحدد كذلك الإجراءات التي تتبع في حالة ضياع الورقة التجارية أو سرقتها (32).أما القانون الذي يحكم تنفيذ الالتزام الصرفي فان اتفاقية جنيف لسنة 1930 الخاصة بالحوالة و السند للأمر قد حددته بقانون محل الوفاء (33) إذ هو الذي يحكم المسائل الخاصة بالتنفيذ، فأخضعت لهذا القانون مضمون التزام المسحوب عليه القابل (34)،