أُبلغ عن تفشي فيروس كورونا في ووهان بالصين, وبحلول 23 من شهر نوفمبر 2020، أُبلغ عن أكثر من مليون و 400 الف حالة وفاة مؤكدة وأكثر من 60 مليون إصابةٍ مؤكد بفيروس كورونا المستجد (COVID-19), وقد أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية في 20 يناير 2020 تأكيد الحالة الأولى, بدءاً من 26 مارس 2020 أصبحت الولايات المتحدة الأميركية أكثر الحالات النشطة المؤكدة عالمياً, وقد واحتلت المرتبة السادسة بعدد الوفيات نتيجة مرض كوفيد, وتكبد اقتصاد الولايات المتحدة خسائر اقتصادية بسبب تفشي جائحة كورونا, فالاقتصاد الأمريكي لن يسجل نسبة نمو أعلى من مستوى 3.5 % قبل انقضاء 2021، وهذه التوقعات مرتبطة بحزم التحفيز التي أقرتها الحكومة الأمريكية ستكون عودة النمو إلى أكبر اقتصاد عالمي صعبة، إذ ما زالت الولايات المتحدة تعانى ارتفاعا سريعا في أعداد المصابين والوفيات جراء فيروس كورونا.لكن على الرغم من انطلاق فيروس كورونا من الصين وأنها أولى الدول التي أصابها الفيروس بصفتها دولة المنشأ، فإنها بالرغم من ذلك الدولة الوحيدة عالميا التي تشير توقعات صندوق النقد إلى تعاف سريع للنمو لديها، فهي ثاني أكبر اقتصاد في العالم خلال عام 2021.فقد أصبحت العلاقات الأمريكية الصينية في مأزق نتيجة تفشي فيروس كورونا والأضرار الجسيمة التي تسببت فيها, والتي صاحبتها تصريحات عدائية من قبل الجانبين بحيث تلقي كل دولة اللوم على الأخرى, من هنا ركزت هذه الدراسة على دور تفشي جائحة كورونا في تصاعد حدة الصراع بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية.الاشكالية البحثية:شهدت العلاقات الأمريكية الصينية أنماط عديدة بين الصراع والتعاون, ومع صعود دونالد ترامب تغيرت السياسة الأمريكية تجاههما أدى تحول المنافسة التجارية والاقتصادية بينهما إلى الحرب, وقد تفاقم الوضع مع جائحة كورونا Covid–19, حيث تبادل البلدان الاتهامات وتأزم الوضع سياسيًا واقتصاديًا, لذلك يدور التساؤل الرئيسي حول:“كيف أثرت جائحة كورونا على العلاقات الأمريكية الصينية؟”وللإجابة على هذا التساؤل يندرج تحته عدد من التساؤلات الأخرى:1) ما هي أبعاد العلاقات الأمريكية الصينية؟2) ما هي أنماط العلاقات الأمريكية الصينية في ظل جائحة كورونا ؟3) ما هي السيناريوهات المستقبلية للعلاقات الامريكية الصينة ؟منهج الدراسة:تقوم الدراسة التحليلية من خلال استخدام المنهج الواقعي حيث يعد هانز مورجانثو” وهو من أكثر المهتمين بالمنهج الواقعي واعتمد على مفهوم القوة ودورها في رسم السياسة الدولية, كما اعتبر السياسة الدولية بمثابة صراع على القوة، كما تعتمد أيضًا على فكرة “المصالح القومية” التي تفترض وجود عالم مسالم، كما تفترض حتمية الحرب, وتعني المصلحة القومية الحفاظ على البقاء القومي، بما في ذلك الدفاع عن الكيان المادي والسياسي والثقافي للدولة, وهي أكثر المناهج المستخدمة لفهم العلاقات الدولية والتي من خلالها يمكن فهم نمط العلاقات الامريكية الصينية في ظل جائحة كورونا.[1])1) أبعاد العلاقات الأمريكية الصينية.3) السيناريوهات المستقبلية للعلاقات الأمريكية الصينية.أولاً: أبعاد العلاقات الأمريكية الصينية.مرت العلاقات الصينية الأمريكية بالعديد من المراحل التي كانت تحكمها أبعاد محددة في كل فترة, وتجمعهم عوامل مشتركة ومختلفة تؤثر على مسار وكيفية العلاقات الامريكية الصينية وتشمل هذه الأبعاد: البعد الأيديولوجي الاقتصادي, السياسي, والأمني والعسكري, لكننا سوف نركز على البعد الأيديولوجي من الناحية الاقتصادية, والبعد الأمني والعسكري, لانهما العوامل الأهم التي تحرك العلاقات الأمريكية الصينية والتي أثرت عليها جائحة كورونا بشكل مباشر.1) البعد الأيديولوجي من الناحية الاقتصادية: وبالتالي أصبح هيكل الاقتصاد الصيني ملائم للتغيرات الدولية على مستوى الاقتصاد والتجارة, وبالتالي سلكت الصين في حربها ضد الولايات المتحدة طريقًا مختلفًا عن سياسات الاتحاد السوفيتي إبان الحرب الباردة، بل ويختلف أيضا عن سياسات ألمانيا الاتحادية واليابان والاتحاد الأوروبي، الذين انضموا إلى لواء الحماية الأمنية للولايات المتحدة بديلا عن المنافسة التي سلكتها الصين.منذ تفاقم جائحة كورونا قد أضحت الأيديولوجية موضوعًا شاملاً تتمحور حوله سياسة واشنطن تجاه الصين، حيث قدمت الأساس للتدابير المضادة الاستراتيجية التي تشمل مجالات التجارة والدفاع والتكنولوجيا، وقد ساهم ذلك في تفسير الانتقادات الموجهة من الكونجرس والمسئولين الحكوميين الأمريكيين فيما يتعلق بملفي الأويغور وهونج كونج ، كأعراض لهذه المشكلة الأيديولوجية الشاملة، وليست كقضايا فرعية منفصلة, وقد ساهم انتشار جائحة كورونا في الولايات المتحدة الأمريكية أحد العوامل التي فاقمت الانتقادات الموجهة للصين, كما شنت واشنطن هجومًا أيديولوجيًا مباشرًا على الحزب الشيوعي الصيني، لم يعد هناك أي مجال للتسوية من ناحية بكين،[3])2) البعد الأمني والعسكري.أصبح جيش التحرير الشعبي الصيني يمارس نشطاً بشكل متزايد في أمريكا اللاتينية -هي الفناء الخلفي للولايات المتحدة الأمريكية- حيث شاركت بعض قواته في بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في هايتي, كما نشر سفينته الطبية في ثلاث مناسبات منفصلة في موانئ دول المنطقة، وأرسل سفنه الحربية بانتظام لإجراء تدريبات مشتركة، إلى جانب المشاركة في الدورات التدريبية، وتبادل الزيارات لضباط الجيش والشرطة في دول المنطقة والصين.كما أدى النفوذ الاقتصادي المتزايد لبكين، بما في ذلك حاجة دول أمريكا اللاتينية إلى التجارة والاستثمارات والقروض الصينية، إلى جعل بعض الدول أكثر تقبلًا لتوسيع نطاق التعاون الأمني معها, وخلال السنوات الماضية, في المقابل قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتدعيم الدول الأسيوية مثل كوريا الجنوبية واليابان, من أجل تدعيم قوتهم في مواجهة الصين.[4])ثانيًا: نمط العلاقات الأمريكية الصينية.إن أبعاد العلاقات الامريكية الصينية تعكس مدى التفاوت والاختلاف بين استراتيجية البلدين, وتصاعد القوة الصينية تشكل تهديد للتواجد الأمريكي على قمة هرم النظام الدولي وبالتالي هناك نوع من التوتر حول تخوف الولايات المتحدة من التصاعد الصيني, مما دفع الولايات المتحدة تصعيد حدة الحرب الاقتصادية والتجارية, ثم جاءت أزمة جائحة كورونا لتزيد من التوتر الأمريكي الصيني.حيثُ تشهد العلاقات الأمريكية الصينية مرحلة شديدة الاضطراب في ظل أزمة فيروس كورونا، يرجع ذلك إلى إلقاء كلا البلدين باللوم على الآخر حول انتشار الفيروس, وقد تجلى ذلك في عدة تصريحات من قبل إدارة “ترامب” في التصعيد مع الجانب الصيني، وقد وصل الأمر إلى تهديد ترامب بقطع العلاقات مع الصين وتهديدهم باتخاذ تدابير عقابية مختلفة ضدها.[5])ولم يتوقف الأمر عند التصريحات العدائية ولكن اتخذت “إدارة ترامب” عدد من الإجراءات الانتقامية ضد الصين ومنها ما يلي:تقليل مبيعات أشباه الموصلات الأمريكية إلى الصينوالحد من الاستثمارات في بكين من خلال خطة توفير الادخار، وهو برنامج تقاعد وادخار للموظفين الفيدراليينحظر “تشاينا تليكوم” من شبكات الاتصالات الأمريكية.الحد من استخدام المعدات الصينية في شبكة الكهرباء الأمريكيةكما حث ترامب الشركات الأمريكية على إعادة توجيه سلاسل التوريد الخاصة بها بعيدًا عن الصين.فرضت واشنطن عقوبات على رئيسة السلطة التنفيذية في هونغ كونغ “كاري لام” وعشرة مسؤولين آخرين ، في إطار تشديد ضغوطها على الصين, وتنص هذه العقوبات على تجميد أي أصول في الولايات المتحدة لهؤلاء المسؤولين الذين تتهمهم واشنطن.[6])كما تصاعد الأمر وصل إلى تصريح “مايك بومبيو” وزير الخارجية الأمريكي أنه يملك “أدلة”، تؤكد أن فيروس كورونا المستجد جاء من مختبر في مدينة ووهان الصينية, إنها مازالت تشكل تهديداً للعالم بإخفائها معلومات عن مصدر الفيروس ما تسبب بانتقاله إلى دول أخرى، واتهمت رئيسه دونالد ترامب الصين بتضليل العالم، بعد أن أخفت معلومات حول انتشار الفيروس, إنها تستخدم “التضليل المعلوماتي الشيوعي الكلاسيكي”, فقد استهدفت الحملة الأمريكية الصين يتهمونها بتصنيع الفيروس ونشره في العالم، وتارة أخرى يهددون بفرض عقوبات اقتصادية عليها.[7])كما تصاعد الأمر أيضًا, نتيجة الاعتقاد الامريكي الراسخ بأن الصين هي السبب الأول في انتشار فيروس كورونا مما دفع الرئيس الأمريكي “ترامب” وكبار مستشاريه البحث عن وسائل لإجبار الصين على تعويض واشنطن ماليًّا، عن الأضرار التي لحقت بالولايات المتحدة بسبب الوباء, حيث تسبب في تدمير الاقتصاد ووفاة الملايين من الأمريكيين.كان من بين الأطروحات التي أعلن عنها إلغاء مدفوعات الفائدة لبكين على حيازتها من سندات الخزانة الأمريكية، ولكن ذلك من شأنه أن يجازف بمكانة الدولار كعملة احتياطية للنظام الدولي, كما تم طرح مقترح لإلغاء الحصانة السيادية للصين حتى يمكن مقاضاتها في المحاكم الأمريكية، وهو أيضًا مقترح غير قابل للتطبيق نظرًا لتعارضه مع المبادئ العامة للقانون الدولي,[8])في حين كان الموقف الصيني هادئًا في الرد على الولايات المتحدة بالرغم من حدة الجانب الامريكي , والذي أتضح من خلاله “نمط الصراع” المسيطر على العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين, ليس بسبب جائحة كورونا فحسب ولكن للعديد من الأسباب, لكن جائحة كورونا كانت لها خصوصية كبيرة حيث فقدت الولايات المتحدة 585ألف من المواطنين الأمريكيين, بينما وصلت الإصابات إلى 32,9مليون,[9])مما أدى إلى تفاقم حدة التوتر بين البلدين.ثالثًا: السناريوهات المستقبلية للعلاقات الأمريكية الصينية.مما سبق يتضح أن نمط الصراع بين الولايات المتحدة والصين أكبر من نمط التعاون وهو ما يدعم العديد من السيناريوهات المستقبلية في هذا الاتجاه, و الذي لا يخرج في كافة الأحوال عن وجود حالة من عدم الاستقرار في النظام العالمي نتيجة صراع القوى الكبرى والذي يمكن تفسيره من خلال نظرية تحول القوة, ومن الأرجح تصاعد القوى الصينية قد يعكس تحول النظام إلى نظام متعدد الأقطاب يثير قلق الولايات المتحدة الأمريكية, من هنا يمكن أن تأول العلاقات الأمريكية الصينية إلى:السيناريو الأول: تفادي الصين المواجهة مع الولايات المتحدة الامريكية.يدعم تحقق هذا السيناريو, استقبل الصين التصريحات العدائية الأمريكية خاصة في أعقاب انتشار جائحة كورونا بحكمة واتزان، مؤكدة أنها ليس لديها طموح في السعي نحو الهيمنة، أو أن تحل محل الولايات المتحدة، وهذا لا ينفي عمل الصين بحزم على حماية سيادتها وأمنها ومصالحها الاقتصادية والتجارية من أي تهديدات خارجية.كما أن الصين في صعودها المستمر لن تحاول أن تتحدى مباشرة النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة و لكنها ستحاول خلق مساحات عمل لمؤسساتها و شركاتها داخل ذلك النظام, وتريد الصين أن يكون صعودها سلس، بدون أن يبدو كتحدي للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، لأن تحدي الولايات المتحدة سينتج عنه تصدي من قبل الولايات المتحدة و هي تملك أدوات عدة و قدرات هائلة للحرب, والتي ستجلب الدمار للجميع لذلك من صالح الطرفين احتواء حدة التصعيد تجنبًا لتفاقم الأزمة وتفادي الصراع.[10])السيناريو الثاني: تصاعد حدة الحرب التجارية والاقتصادية بين البلدين.كانت الحرب التجارية والاقتصادية بين البلدين وصلت إلى صورة سيئة منذ مارس عام 2018حيثُ أصدر مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة تقريرا حول الممارسات الصينية، التي أدت إلى الحزمة الأولى من الرسوم الجمركية الأمريكية على الواردات الصينية، ثم تطور الأمر إلى إصدار قانون جون إس. ماكين لتفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2019، الذي تم سنة في أغسطس 2018، فقد أرسى القانون إطارًا لضوابط جديدة على الصادرات الأمريكية إلى الصين وتشديد اللوائح التجاري, وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرسوماً يقضي بمنع مواطنيه من الاستثمار في مجموعات صينية تتهمها الإدارة الأمريكية بدعم النشاطات العسكرية لبكين,