دقّاتُ قَلبِها الصَّعيفِ تُرتِّبُ مَعَ خُطواتي المُتَعَجِّلَةِ تَحدُّيًا وثِقًا لِكُلِّ هواجِسِ الصَّمتِ الَّتي تُحاصِرُني. يَتَباعَدُ كَثيرًا مَعَ كُلِّ سيّارةٍ تَمُرُّ مُسرِعَةً دونَ أنْ تتوقَّفَ أو (تزمُرَّ). فقَدْ كُنتُ أَقطَعُ أكثَرَ مِنْ هذهِ المَسافَةِ أَيّامَ كُنتُ جنديًّا، فالسَّيرُ الطَّويلُ مَعَ كامِلِ التَّجهيزاتِ العَسكَرِيَّةِ دَرسٌ جيِّدٌ أَستَفيدُ مِنهُ الآنَ، وَلا أَنْسى تِلكَ اللَّيلَةَ الَّتي قَطَعْتُ فيها عِشرينَ كيلو مِترًا في أَرضٍ وَعِرَةٍ دونَ تَوقُّفٍ. يُعيدُني إلى عالَمِ الشُّعورِ: لقَدْ أَتعِبُكَ يا وَلَدي. «رُبَّما يوقِفُكَ» حَمَّلتَني شَحنَةَ السَّهرِ في أَحشائِها. كُلُّها تَغاريدُ حُبٍّ وَمَودَّةٍ تَنتَقِلُ مَعي. سيّارةٌ تَقْتَرِبُ – جِلَدُها سَتَمُرُّ مِثلَ غَيْرِها – تَقِفُ بِمُحاذاتي، حينَئِذٍ تَنبَّهتُ لِخُطوطٍ (البيجاما) الَّتي أَلْبَسُها، ما هذا؟ أَيظُنُّ أنّي أَحمِلُ كَيسَ مَلابِسَ! أَنَسيتُم غاضِبًا. لِماذا أَفكُرُ في الوَقتِ، لِكَيْ ما يَكونُ! فحَرَصي على حَياةِ أُمّي شَيْءٌ آخَرُ! أَرقامُ السَّيّاراتِ الَّتي تَعَكَّسُها الأَضواءُ الخافِقَةُ تَهزُّ مِنّي، وكأنّها تقول: متى ستصل يا مشكِّك؟ يا للفقيرِ الَّذي يَركَبُ قَدَمَيْهِ في هذهِ السّاعةِ المُتأخِّرَةِ مِنَ اللَّيلِ. الكُتَلُ اللَّحمِيَّةُ الَّتي أَراها مُكَوَّمَةً داخلَ السَّيّاراتِ تَهزُّ أَطرافَها ساجِرَةً. وَتَختَفي بَيْنَ العَمائرِ وَالأَشجارِ الَّتي أَتَسلَّى بِعَدِّها كُلَّما خَلا الشارعُ، ها قَدْ وَصَلْنا. خَرَجَتْ نَشِطَةً داخلَ غُرفَةِ الإسعافِ، وَانتَشارُ الدَّمِ عِنْدَ البابِ. وَأُردِّدُ مَعَها: «يا رَبِّ الطَّفْ». النسي أن أمي واهبة ومريضة: أَحْمِلُها على الكُرْسِيِّ في صالَةِ العِيادَةِ وَهيَ تَدْعو لَهُ «اللَّهُ لا يَضُرُّهُ». وقفت مقابل غرفة الإسعاف: انا عايزة خلاصة للصفحات متكتبهاش هذه العمارات المُتناثرة أمامي على جانبي الشارع تُخفي داخلها التُّرجمة الحقيقية لأثر الزمن الذي نظنّه يَمُرّ، وفاءً أمّي يردّني إلى عالم الطمأنينة كلما أوغلتُ في تفرّس الأشياء. دقّات قلبها الضّعيف تُرتّبُ مع خطواتي المُتعثّرة تحدّياً واثقاً لكلّ هواجس الصّمت التي تُحاصرُني. يتباعد كثيراً مع كلّ سيارة تمرّ مُسرعةً دون أن تتوقف أو (تزمّر). عايزة خلاصة في 3 اسطر