وهذا النوع من الرثاء لا يقف في حدود عند رثاء المدنوحدها حين يصيبها الدمار والتخريب ولكنه يتجاوز ذلك إلى رثاء الممالك تارة والعصورتارة أخرى. بل قد يرثي الدولة بأسرها؛ ويُعد رثاء المدن من الأغراضالأدبية المحدثة، ذلك أن الجاهلي لم تكن له مدنٌ يبكي على خرابها، فنهبت بغداد وهتكت أعراض أهلها واقتحمت دورهم، ووجدالسّفلة والأوباش مناخًا صالحا ليعيثوا فسادا ودمارا. عن هذه النَّكبة في مرثيته لبغداد فقال: يابؤس بغداد دار مملكة دارت على أهلها دوائرها أمهلها الله ثم عاقبها حينأحاطت بها كبائرها حلّتببغداد وهي آمـنة داهية لم تكن تحاذرهـا ثم كان خراب البصرة على يد الزنجفي ثورتها المشهورة. فأشعلوا فيها الحرائق وحولوها إلى أنقاض ودمار، كم أخ قد رأى أخاه صريعا تَرِبَ الخد بين صرعىكرام كم مفدّى في أهله أسلموه حين لم يحْمه هنالك حامي كم رضيع هناك قدفطموه بشبا السيف قبل حدّ الفطام وبالإضافة إلى هاتين المرثيتين، حفل ديوانرثاء المدن في المشرق، وكذلك استثارت نكبة بغداد على يد هولاكو عاطفة عدد من الشعراء مثلشمس الدين الكوفي، إن لم تقرّح أدمعي أجفاني من بَعْدِبُعْدِكُمُ فما أجفاني إنسان عيني مذ تناءت داركم ما راقـه نظــــر إلى إنســان ما للمنازل أصبحت لا أهلهاأهلي ولا جيرانهــا جيـراني وتعد مرثبة الشيخ تقي الدين إسماعيل بن إبراهيمالتنوخي في القرن السابع الهجري أشهر مراثي بغداد حين خربها هولاكو. يقول في آخرالقصيدة: إن القيامة في بغداد قد وجدت وحدّها حين للإقبال إدبار آل النبيوأهل العلم قد سُبيوا فمن ترى بعدهم تحويه أمصار ماكنت آمل أن أبقى وقد ذهبوالكن أتى دون ما أختار أقدار وكذلك كان رثاء دمشق عندما سقطت في أيدي التتارفتعاقب على رثائها كثير من الشعراء مسجلين ذلك الحدث ومنهم الشاعر علاء الدينالعزولي في قوله: أجريت جمر الدمع من أجفاني حزنا على الشقراء والميـدان لهفي على وادي دمشق ولطفه وتبدل الغزلان بالثيــــــران لهفي عليك محاسنا لهفي عليـ ك عرائسا لهفيعليك مغانـي ويعزىذلك إلى أن طبيعة التقلبات السياسية في الأندلس كانت أشد حدة وأسرع إيقاعا، وأنهااتخذت شكل المواجهة بين النصارى والمسلمين حين تجمع الصليبيون عازمين على طردالمسلمين وإخراجهم من الأندلس. رثاء المدن في الأندلس. كان هذا الغرض في الأندلسمن أهم الأغراض الشعرية، وكان محوره الأول يدور حول سلبيات المجتمعالأندلسي بسبب ما انغمس فيه الناس من حياة اللهو والترف والمجون وانصراف عن الجهاد. يقوم هذا الرثاء علىمقارنة بين الماضي والحاضر؛ والدويلات المسلمة تستعين بالنصارى في تدعيمحكمها. فهي أول بلد إسلامييدخله الفرنجة وكان ذلك مصابا جللا هزّ النفوس هزًا عميقًا. يقول شاعر مجهول يرثيطليطلة في قصيدة مطلعها: لثُكلكِ كيف تبتسم الثغور سرورًا بعدما سبيت ثغور وتنتهي بأمنية مشتهاة أن يخرج من أصلابالمسلمين بطلٌ كطارق بن زياد يعيد الأمر إلى نصابه: ألم تك معقلا للدين صعـبافذلّله كما شاء القديـــر وأخرج أهلها منها جميعــا فصاروا حيث شاء بهم مصير وكانت دار إيمان وعلـم معالمها التي طمست تنــير مساجدها كنائس، أي قلب علىهذا يقر ولا يطـير فيا أسفاه يا أسفاه حزنــا يكرر ما تكررت الدهـور ثمتختم المرثية بهذه الأمنية: ويطعن بالقنا الخطار حتى يقول الرمح من هذا الخطــير ؟ فقد أرسل بها علىلسان أميره إلى أبي زكريا بن حفص سلطان تونس مستنجدا به لنصرة الأندلس ومطلعها: أدرك بخيلك خيل الله أندلسا إن السبيل إلى منجاتها درســـا وهب لها من عزيزالنصر ما التمست فلم يزل منك عزّ النصر ملتمسا ويحكي هذا النص يأس أهلالأندلس من حكامهم المسلمين ومن ثم توجهوا لطلب النصرة من خارج الأندلس كما تصورحال بلنسية وقد تحولت المساجد إلى كنائس وفرض الكُفر سلطانه على الجزيرة وأن الذيأصاب بلنسية يوشك أن يصيب باقي المدن الأندلسية: مدائن حلها الإشراك مبتسماجذلان، وارتحل الإيمان مبتئسا ياللمساجد عادت للعدا بيعا وللنداء غدا أثناءهاجرسـا ثم يلتفت إلى أبي زكريا سلطان تونس قائلا: طهّر بلادك منهم إنهمنجس ولا طهارة ما لم تغسل النجسا وأوطئ الفيلق الجرار أرضهم حتى يطأطئ رأسا كلمن رأسا وأملأ هنيئًا لك التأييد ساحتها جرُدًا سلاهب أو خطية دُعُســا وأما مراثي الممالك فمن أشهرها مرثية أبي محمد، عبد المجيد بن عبدون التيرثى بها قتلى بني الأفطس أصحاب بطليوس ومطلعها: الدهر يفجع بعد العين بالأثرفما البكاء على الأشباح والصور؟ وفيها يقول: أنهاك لا آلوك موعظة عن نومة بين ناب الليث والظفر ملك الملوك أسامع فأنادي أم قد عدتك عن السماع عوادي وتعد أيضا دالية ابن اللبانة في رثاء بني عبَّاد ومملكتهممن تلك المراثي التي ربطت بين مأساة المعتمد وضياع ملكه ومأساة الشاعر حين هوى عنعرش الشعر ومملكته: على الجبال التي هُدّت قواعدها وكانت الأرض منهم ذات أوتاد فهيترثي الأندلس في مجموعها مدنا وممالك. وحمص مهبطالجمال، وكيف سقطت أركان الأندلس واحدة تلو الأخرى،