الله عَنْ أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النَّبيِّ ﷺ قال : « مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ » حديثٌ حَسَنٌ ، رَوَاهُ التَّرمذي وغيرُهُ وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الأدب ، وقد حكى الإمام أبو عمرو بن الصلاح ، عن أبي محمد بن أبي زيد إمام المالكية في زمانه أنه قال : جماع آداب (۱) الخير وأزمته تتفرَّعُ من أربعة أحاديث : قول النَّبيِّ ﷺ : « مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليَصْمُتْ ، وقوله ﷺ : « مِنْ حُسْنِ إِسلامِ المَرءِ تركه ما لا يَعْنِيهِ ) ، وقوله للذي اختصر له في الوصية : ( لا تَغْضَبْ ) ، وقوله ﷺ :المُؤْمِنُ يُحبُّ لأخيه ما يحب لنفسه ) ومعنى هذا الحديث : أَنَّ مِنْ حسن إسلامه تَركَ ما لا يعنيه من قول وفعل ، واقتصر على ما يعنيه من الأقوال والأفعال ، ومعنى يعنيه : أن تتعلق عنايته به ، ويكون من مقصده ومطلوبه ، والعناية : شدَّة الاهتمام بالشيء ، يقال : عناه يعنيه : إذا اهتم به وطلبه ، وليس المراد أنه يترك ما لا عناية له به ولا إرادة بحكم الهوى وطلب النفس ، بل بحكم الشرع والإسلام ، ولهذا جعله من حسن الإسلام ، فإذا حَسُنَ إسلام المرء ، ترك ما لا يعنيه في الإسلام من الأقوال والأفعال ، يقتضي فعل الواجبات كما سبق ذكره في شرح حديث جبريل عليه السلامو إنَّ الإسلام الكامل الممدوح يدخل فيه ترك المحرمات ، إليها ، فإنَّ هذا كله لا يعني المسلم إذا كمل إسلامه ، وبلغ إلى درجة الإحسان ، وهو أَنْ يَعْبُدَ الله تعالى كأنَّه يراه ، فإن لم يكن يراه ، فإنَّ الله يراه ، فمن عبد الله على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه ، أو على استحضار قرب الله منه واطلاعه عليه ، فقد حسن إسلامه ، ولزم من ذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام ، ويشتغل بما يعنيه فيه ، فإنَّه يتولَّد من هذين المقامين الاستحياء من الله وترك كل ما يُستحيي منه ، وفي ( المسند » والترمذي عن ابن مسعود مرفوعاً : ( الاستحياء من الله تعالى أن تَحْفَظَ الرَّأْسَ وما حَوَى ، وتَحفَظَ البَطنَ وما وَعَى ، َولْتَذْكُرِ الموت والبلى (١) ، فمن فعل ذلك ، قال بعضهم : استحي من الله على قدر قربه منك ، وخَفِ الله على قدر قدرته وقال بعض العارفين : إذا تكلمتَ فاذْكُر سَمعَ اللهِ لك ، وقد وقعت الإشارة في القرآن العظيم إلى هذا المعنى في مواضع كثيرة (٣) : كقوله تعالى : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ ق : ١٦ - ١٨ ] ، وقوله تعالى : ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِن قُرْءَانِ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ [ يونس : ٦١ ] ، وقال تعالى : ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَنَهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾. وأكثر ما يُراد بترك ما لا يعني حفظ اللسان من لغو الكلام كما أشير إلى ذلك في الآيات الأولى التي هي في سورة ( ق ) . وفي « المسند » من حديث الحسين ، وخرج الخرائطي من حديث ابن مسعود قال : أتى النبي ﷺ رجل ، فقال : يا رسول الله إني مطاع في قومي فما أمرهم ؟ قال له : « مُرْهُم بإفشاء السلام ، وقِلَّةِ الكلام إلا فيما يعنيهم » . وفي ( صحيح ابن حبان (۳) عن أبي ذر ، عن النَّبيِّ ﷺ قال : « كان في صحف إبراهيم عليه الصَّلاةُ والسلام : وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن تكون له ساعات : ساعةٌ يُناجي فيها ربَّه ، وساعةٌ يُحاسِبُ فيها نفسه ، وساعة يتفكر فيها في صنع الله ، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب ، وعلى العاقل أن لا يكون ظاعناً إلا لثلاث : تزود المعاد ، أو مَرَمَّةٍ لمعاش ، أو َلذَّةٍ في غير محرم ، وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه ، مقبلاً على شأنه ، حافظاً للسانه ، وقال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - : من عدَّ كلامه من عمله ، قل كلامه إلا فيما يعنيه . وهو كما قال ؛ فإنَّ كثيراً من الناس لا يعد كلامه من عمله ، فيجازف فيه ، ولا يتحرى ، وقد خَفِيَ هذا على معاذ بن جبل حتى سأل عنه النَّبِيَّ الله فقال : أنؤاخذ بما نتكلم به ؟ قال : « ثَكِلَتِكَ أمك يا معاذ ، وقد نفى الله الخير عن كثير مما يتناجى به الناس بينهم ، فقال : لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَنَهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ . من حديث أم حبيبة ، عن النَّبيِّ ﷺ قال : « كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وذكر الله عز وجل » . وقد تعجب قوم من هذا الحديث عند سفيان الثوري ، فقال سفيان : وما تعجبكم من هذا ، أليس قد قال الله تعالى : لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَنَهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ ) أليس قد قال تعالى : ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَئِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا . وخرج الترمذي من حديث أنس قال : تُوفِّيَ رجُلٌ من أصحابه - يعني : النَّبِيَّ ﷺ . فقال - يعني : رجل : أبشر بالجَنَّةِ ، فقال رسولُ الله ﷺ : أو لا تدري، وقد روي معنى هذا الحديث من وجوه متعددة عن النبي ﷺ ، وخرج أبو القاسم البغوي في ( معجمه ) من حديث شهاب بن مالك ، وكان وَفَدَ على النَّبِيِّ : أَنَّهُ سَمَعَ النَّبِيَّ ﷺ وقالت له امرأة : يا رسول الله ألا تسلم علينا ؟ فقال : « إِنَّكِ من قبيل يُقَلِّلن الكثير ، وتمنع ما لا يُغنيها ، قال عمرو بن قيس الملائي : مرَّ رجل بلقمان والناس عنده ، فقال له : ألست عبد بني فلان ؟ قال : بلى ، قال : الذي كنت ترعى عند جبل كذا وكذا ؟ قال : بلى ، وقال وهب بن مُنبِّهِ : كانَ في بني إسرائيل رجلان بلغت بهما عبادتهما أن مشيا على الماء ، فبينما هما يمشيان في البحر إذ هما برجل يمشي في الهواء ، فقالا له :يا عبد الله بأي شيء أدركت هذه المنزلة ؟ قال : بيسير من الدُّنيا : فَطَمْتُ نفسي عن الشهوات ، وكففت لساني عما لا يعنيني ، ورغبتُ فيما دعاني إليه ، ولزمت الصمت ، فإن أقسمت على الله ، أبر قسمي ، وإن سألته أعطاني دخلوا على بعض الصحابة في مرضه ووجهه يتهلل ، فسألوه عن سبب (۳) تهلل وجهه ، فقال : ما مِنْ عمل أوثق عندي من خصلتين : كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني ، وقال مُوَرِّق العجلي : أمر أنا في طلبه منذ كذا وكذا سنة لم أقدر عليه ولستُ تبارك طلبه أبداً ، وروى أسد بن موسى ، حدثنا أبو معشر ، عن محمد بن كعب قال : قال رسول الله ﷺ : « أول من يَدخُلُ عليكم رَجُلٌ من أهل الجنة » فدخل عبد الله بن سلام ، فقام إليه ناس ، فأخبروه وقالوا له : أخبرنا بأوثق عَمَلِكَ فِي نَفْسِكَ ، قال : إنَّ عملي لضعيف ، أوثق ما أرجو به سلامة الصدر ، وروى أبو عبيدة ، عن الحسن قال : مِنْ علامة إعراض الله تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه . وهذا الحديث يدل على أنَّ ترك ما لا يعني المرء من حسن إسلامه ، فإذا ترك ما لا يعنيه ، وفعل ما يعنيه كله ، فقد كَمُلَ حُسْنُ إسلامه ، وقد جاءت الأحاديث بفضل من حسن إسلامه وأنَّه تضاعف حسناته ، وتكفر سيئاته ، والظاهر أن كثرة المضاعفة تكون بحسب حسن الإسلام ، ففي ( صحيح مسلم ) عن أبي هريرة ، عن النَّبيِّ ﷺ قال : « إِذا أَحْسَنَ أَحَدُكُم إسلامَهُ ، فَكُلُّ حَسَنةٍ يَعْمَلُها تُكتَبُ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سبعمئة ضعف ، وكلُّ سَيِّئَةٍ يعملها تكتب بمثلها حتّى يلقى الله عز وجل » فالمضاعفة للحسنة بعشر أمثالها لابد منه ، والزيادة على ذلك تكون بحسب إحسان الإسلام ، وإخلاص النية والحاجة إلى ذلك العمل وفضله ، كالنفقة في الجهاد ، وفي الحج ، وفي الأقارب ، وفي اليتامى والمساكين ، وأوقات الحاجة إلى النفقة ، ويشهد لذلك ما روي عن عطية ، عن ابن عمر قال : نزلت : مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ في الأعراب ، قيل له : فما للمهاجرين ؟ قال : ما هو أكثر ، وخرج النسائي من حديث أبي سعيد ، عن النبي قال : ( إذا أسلم العبدُ فحَسُنَ إسلامُهُ ، كَتبَ الله له كُلَّ حَسنةٍ كان أزلَفَها ، ومُحِيتْ عنه كُلُّ سيئة كان أزلَفَها ، ثم كان بَعْدَ ذلك القِصَاصُ ، الحَسَنَةُ بِعَشْر أمثالها إلى سبعمئة ضعفٍ ، والسَّيِّئَةُ بمثلها إلا أن يتجاوز الله » ، وفي رواية أخرى : ( وقيل له : استأنف العمل » . والمراد بالحسنات والسيئات التي كان أزلفها : ما سبق منه قبل الإسلام ، وهذا يدل على أنَّه يُثاب بحسناته في الكفر إذا أسلم وتُمحى عنه سيئاته إذا أسلم ، لكن بشرط أَنْ يَحْسُنَ إسلامه ، ويتقي تلك السيئات في حال إسلامه ، وقد نص على ذلك الإمام أحمد ، ويدلُّ على ذلك ما في ( الصحيحين ) عن ابن مسعود قال : قلنا : يا رسول الله ، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية ؟ قال : ( أَمَّا مَنْ أحسن منكم في الإسلام فلا يُؤَاخِذُ بها ، ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام » وفي " صحيح مسلم » عن عمرو بن العاص قال للنبي ﷺ لما أسلم : أريد أن أشْتَرطَ ، قال : « تشترط ماذا ؟ » قلتُ : أَنْ يُغْفَرَ لي ،