والقاضي معناه في اللغة القاطع لألمور والفاصل للحكم. حسماً وشؤون اليتامى واألرامل وما إليها. القضاء عند العرب قبل اإلسالم: إن اإلنسان لم يستغن عمن يفصل في قضاياه منذ وجوده على األرض، فقد احتكم الناس إلى األعراف والقيم والعادات والتجارب السابقة. والعرب في جزيرتهم قبل اإلسالم استفادوا من جملة قضايا في إصدار أحكامهم منها معتقداتهم الدينية وعاداتهم وتجاربهم وبعض الخبرات التي أخذوها من دول الجوار. وفي الحواضر مثل مكة ويثرب نجح القرشيون في إرساء أعراف وقيم محددة كانت وأقاموا )دار الندوة( حيث يجتمع زعماؤهم للنظر في أمور المجتمع ومنها فض المنازعات في مكة وما حولها. ولعل أبرز ظاهرة قبيل اإلسالم هو )حلف الفضول( الذي عقده القرشيون إلنصاف المظلوم من الظالم، والذي شهده النبي محمد صلى هللا عليه وسلم وامتدحه بنجدة ألنه كان يهدف إلى إنصاف الضعيف والفقير والغريب، وألزم أهل مكة جميعاً في المجتمع القبلي مثالً ال تقع على ذات المجرم فحسب بل تتعداه إلى جميع أفراد القبيلة التي كانت متكافلة في السراء والضراء. ومن هنا كانت الحاجة ملحة إلى تشريع جديد عادل يستند على قوة السلطة لتطبيقه على المجتمع وهذا ما قام به اإلسالم حين قرر أن 1 – 41هـ622/ – 661م(: لعل أول ما يالح في فترة صدر اإلسالم أن عنصر الضبط والطاعة أعمق بل تعداه إلى الشعور بما يُصطلح عليه )تقوى هللا( أي أن هللا تعالى يراقب عباده، والشك أن هذا الشعور كان قويا العهد بالدين اإلسالمي. وقد تولى الرسول ً مع قرب صلى هللا عليه وسلم أمر القضاء في المدينة المنورة وما حولها باإلضافة إلى سلطاته األخرى، ويتبين ذلك من )الصحيفة( التي عقدها بين المهاجرين واألنصار واليهود ومشركي المدينة، وقد جاء فيها: "وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو شجار يخاف فساده فإن مرد ه إلى هللا عز وجل وإلى محمد رسول هللا". وبطبيعة الحال 60 فإن القرآن الكريم كان مصدر الرسول صلى هللا عليه وسلم في األحكام التي يصدرها، باإلضافة إلى االجتهاد فيما لم يرد بها نص واضح في القرآن. وقد ث بت صلى هللا عليه وسلم مبدأ "البَّينة على من ادعى واليمين على من أنكر". وكان يستشير بعض صحابته وعندما دانت بعض المدن باإلسالم، صحابته عماالً وكذلك يقومون باإلفتاء والقضاء في الوقت نفسه، ولعل أبرز مثل على قال: بما في كتاب هللا. قال فإن لم يكن في كتاب هللا، صلى هللا عليه وسلم قال: فإن لم يكن قال: أجتهد رأيي وال آلو. قال معاذ: فضرب على صدري وقال: الحمد هلل الذي وفق رسول رسول هللا لما يرضي رسول هللا". حيث قال عمر للخليفة: "أنا أكفيك القضاء" في المدينة المنورة، ولكنه لم يتسمى بالقاضي ولم تقتصر مهامه على وقد استندت سياسة أبي بكر في القضاء على كتاب هللا وس نة نبيه ثم على مشورة الصحابة وإجماعهم على الحكم المناسب ولم يحبذ االجتهاد. أن يشهد عهده ظهور منصب القاضي بصفة رسمية وفصله عن الوالية. كما اشتهر عمر بن الخطاب بنصائحه لقضاته وأمرهم بالعدل، وقد اشتهرت رسالته إلى قاضيه على بسم هللا الرحمن الرحيم وسنة متبعة، فإنه ال ينفع آس بين الناس في مجلسك ووجهك حتى ال يطمع شريف في حيفك، وال يخاف ضعيف من جورك، البينة على من ادعى واليمين على من أنكر والصلح أو أحل حراما، جائز بين المسلمين إال صلحا م حالالً باألمس فراجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك، إن ترجع عنه إلى الحق، قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم عندما يتلجلج في صدرك، مما لم يبلغك في كتاب هللا وال في سنة النبي صلى هللا عليه وسلم، أعرف األمثال واألشباه، وقس األمور عند ذلك، ثم أعمد إلى أحبها إلى هللا، وأشبهها بالحق فيما ترى، أو بينة، أمد لينتهي إليه، واجعل للمدعي حقاً غائباً فإن ذلك أتقى للشك، وأجلى للعمى وأبلغ في العذر. المسلمون عدول بعضهم على بعض، إال جلوداً في حد، أو مجرباً عليه شهادة زور، أو ظنيناً في والء أو قرابة، فإن هللا قد تولى منكم السرائر ودرأ عنكم الشبهات، والتأذي بالناس، والتنكر للخصوم في مواطن الحق التي يوجب هللا بها