عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي اللّٰه عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (يَدْخُلُ الْجُنَّةَ أَقْوَامٌ أَفْتِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْتِدَةِ الطَّيْرِ)" قبل شرح الحديث لعل القارئ الكريم يتساءل لماذا بدات بهذا الحديث في موضوع تطوير الذات وذكر أسباب النجاح؟!! والسبب في ذلك أن ما يميز المسلم عن الإنسان الغربي في سيره نحو النجاح هو التوكل على اللّٰه تعالى، فهذا المخلوق بغير خالقه ضعيف منكسر، وفي ثنايا عرض كتب أسباب النجاح وتطوير الذات الغربية تجدهم يذكرون أن من أسباب النجاح ما يطلقون عليه: ضربة الحظ وابتسامة الدنيا!! وهو في عقيدتنا التوكل على اللّٰه تعالى وطلب العون منه واللجوء إليه، والإيمان بقدره والرضا بقضائه، فالإنسان مهما أوتي من علم وذكاء وتطوير ذات بغير اعتهاده على خالقه فهو لا شيء، ولذلك مدح اللّٰه المتوكلين وأثنى عليهم في كتابه الكريم. قال تعالى: {إِنَّهَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيَانَا وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكِّلُون) [الأنفال: ٢]. وقال تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهَ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: ٣]. فلذك كان هذا الحديث أولاً فهو أساس تطوير الذات عند المسلم، فعبادة التوكل من العبادات القلبية ذات الأثر الفعلي على سلوك وهي تمثل صورة من صور الإخلاص لله تعالى. وبين شراح الحديث وجه الشبه بين قلب الطائر و قلب هؤلاء الذين يدخلون الجنة، ومن ذلك حسن التوكل على اللّٰه تعالى، كما جاء في حديث عمر بن الخطاب رضي اللّٰه عنه قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم: (لو أنكم تتوكلون على اللّٰه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً)(). قال ابن هُبيرة: (الذي أراه في هذا الحديث أن هؤلاء القوم كانت قلوبهم على مثل قلوب الطير رقة لخلق اللّٰه ورحمة لعباده، فترى الواحد منهم يرفق بالطفل أكثر من أم ذلك الطفل بالطفل، ويشفق على الغلام أكثر من إشفاق الغلام على نفسه، وحتى يتحرج من قطع الشجر عيناً، حتى إنه لا تؤاتيه نفسه ولا يطلب قلبه على فعل شيء من ذلك) وقال: (ويجوز أن تكون قلوبهم على قلوب الطير خوفاً من الله في كل شيء حتى إنهم إن أطاعوا خافوا، وإن عصوا وعصى غيرهم خافوا لشدة محاذرتهم على أحوالهم مع ربهم سبحانه وتعالى) ٢١. وقال الطيبي: ( قد تقرر في علم البيان أن وجه الشبه إذا أضمر عمّ تناوله، فيكون أبلغ مما لو صرح به، فينبغي أن يحمل الحديث على المذكورات كلها)()، أي من حسن التوكل ورقة القلب وشدة الخوف من اللّٰه تعالى. ويظهر أن سبب دخولهم الجنة بعد رحمة اللّٰه هذه الصفات، ولا يمنع آن يجمع بين التوكل ورقة القلب والخوف من الله، فإن المتوكل رقيق القلب لشدة تعلقه بربه وخوفه منه.