كان الرّحيل هاجسا لا يقرّ و لا يهدأ في ضمير الشاعر الجاهليّ . فهو راحل أو متأمّل من يرحل و ما يرحل : الظّعائن ، العمر ، القبائل ، الأهل و الرّفاق، الحياة نفسها . فكان "امرؤ القيس يصوّر عبث هذا الطّواف و خيبته : و قد طوّفت في الأفـــاق حتّـــى رضيت من الغنيمة بالإيــاب إنّها رحلة اكتشاف الكون أو العالم أو الحياة ، رحلة المعرفة الشّاقة و تذوّق ثمرها المرّ الجميل...كان الرّحيل هاجسا في وجدان الشّاعر الجاهلي ولم تكن الذّات الجاهليّة مدمّرة ، و لكنّها كانت قلقة مأزومة، يؤرّقها الغموض حينا و يرهقها الوعي فحين تتأمّل فخريّة عنترة تلحظ إدراكه العميق لهشاشة الوجود الإنساني و قصر الحياة . و لكن ذات الجاهليّ في أحوالها جميعا عاشقة للقوّة مؤمنة بها حريصة عليها ، إذ تحضر معاني الفتك و البطش والبأس في أغراض الشعر سواء كان مدحا أو فخرا أو رثاء و هو ما نجد اثره في فخرية "طرفة" و مدحيّة "زهير بن أبي سلمى" حين كثّف من صيغ المبالغة ليثبت شدّة اتّصاف الممدوح بالصّفة فصوّر " هرم بن سنان" : ضرّابا للكماة ، فكّاكا للأغلال شديد الرّجام حمّال الأثقال ... إنّ ذات الجاهليّ تجسّد مأساتها في وجودها القلق المأزوم و في إخفاقها و عجزها عن الخروج من المأساة على الرّغم من بحثها الدّائب عن المخرج أو الحلّ و آية ذلك ما انتهينا إليه من معان للفتوّة الجاهليّة إذ ترى الشاعر الجاهليّ يستعيض عن هاجس الموت و صراعه من أجل البقاء بشرب الخمرة فيفتخر بذاته لحظة السكر فيقول عنترة متباهيا : و لقد شربت من المدامة بعدما ركد الهواجر بالمشوف المعلم بزجاجة صفراء ذات أسرّة قرنت بأزهر في الشّمال مفدّم و مجمل القول إنّ صورة الفتى الجاهلي هي انعكاس للواقع الذي كان يحياه في تلك الفترة فحياة الترحال وقسوة الطبيعة و حتمية الموت و الصراع من اجل البقاء كلها شكلت اهم المعاني و القيم التي جسدها شعراء تلك المرحلة .