فكان تأثر بعضهم بالغرب تأثرا غير حميد أضعف الانتماء الحضاري، فقد بهرهم كل ما رأوا فكانوا يعدون السبيل إلى التقدم أن يماثل العرب الغرب في كل شيء، لقد دعا بعضهم إلى أن تُحذى شعائر الإسلام على شعائر النصرانية، وأن تكون صلاة المسلمين كصلاة النصارى في الكنائس)، فهذا هو الذي يمكن من إعداد شباب قادرين على حماية وإشعار الأجنبي بأن العرب مثله وأنداده، الأشياء كما يراها، ويقومونها كما يقومها، ويحكمون فيها كما يحكم (٣) ، وقال: إن الكاتب الفرنسي بول فاليري ردَّ العقل الأوربي وما فيها من أدب وفلسفة وفن وحضارة الرومان وما فيها من دعوة إلى الخير وحثّ على ومن حلل العقل الإسلامي في مصر والشرق القريب وجده لا يزيد فلن نجد ما يحملنا على أن نقبل أن بين العقل الأوربي والعقل المصري فرقا كبيرا، في بيته الشهير: «الشرق شرق، فإنما كانت مصر جزءا من أورية، كما قال الخديو إسماعيل (٥). فالحياة المادية في مصر أوربية خالصة، وهي في الطبقات الأخرى تختلف قربا وبعدا باختلاف قدرة الأفراد والجماعات، ولن يستطيع أحد أن يثنيهم عنه، وهو تقليد تدفعهم إليه عقولهم وطبائعهم وهي لا تختلف في روحها قليلا ولا كثيرا منذ العهود القديمة جدا عن عقول الأوربيين وطبائعهم وأمزجتهم ) . وفي دعوته إلى الفناء في أوربة، قال إنه لا يدعو إلى آثام الأوربيين وسيئاتهم، وإنما يدعو إلى خير ما عندهم وما ينبغي أن يُحمل كلامه على غير ذلك، يدعو إلى أن يكون المصريون نسخة من الأوربيين، كما لا يدعو إلى أن يتقلدوا بيد أن استدراكه - لو صح - ينقض ما قدم، مَنْ لا يوافقه في هذا التهالك الذي ما كان يتوقع من مثقف وطني يعي أسباب التقدم، ويميز القشرة مما تحتها. ولا يخفى أن طه حسين يفخر بمماثلة أوربة مماثلة مادية صورية ويبدي ونضج، فإن المماثلة الصورية ليست هي التي تعين مصر على الغربية، يقتضي - الاستقلال والنقد، في الصميم. كل شيء، قال تشبه أوربة كما تشبهها مصر، بها، فما هي إلا أن أحس أورية أشد الإشفاق، وتصانعه أشد المصانعة وتمنحه ما هو أهل له من الإكبار والإجلال والاحترام (۱) غير أن المعروف من تاريخ اليابان خلاف ما ظن طه لكن لما كان لا يعرف للتقدم بابا إلا التقليد ظن أن ليس في وسع اليابان أن تبلغ ما بلغت إلا بهما، وأن نلتحق بأوربة، فإني كلما زادت معرفتي وزاد شعوري بأنها مني وأنا منها، مؤمن وقال إنه يأسف لوجود رابطة بين مصر والحضارة العربية، وإنه فإدمان دراسة ثقافتهم مضيعة للشباب بأسلوب العرب القديم (۳)، لا يختلف عما يُنسب إلى أحد غلاة الكماليين من الترك، يُدعى أغا أوغلو أحمد، حتى الالتهابات التي في مرينهم والأقذار التي في بطونهم ). قدم عجينة غضة إلى قوم حراص على أن يصطنعوا مثله، مآربهم في بلاده، ولا اعتداد بشيء مما عند قومه، ولا يعرف من تراثه شيئا ذا بال؛ وأن الفكر الأوربي هو الفكر الإنساني الذي لا فكر سواء؛ وخُيّل إليهم أن ليس وراء الغرب غاية، ولا وأن سبيل التقدم واحدة هي متابعة الغرب على غير بصيرة وهم في هذا يخالفون الصينيين واليابانيين، فقد كان والعلوم الغربية» (١) ، ويقول الصينيون: المعرفة الصينية مبادئ جوهرية، والمعرفة الغربية ويقول الكاتب الصيني لاوسي: إن الظاهرة التي يسميها وحقوق الإنسان، لا ما يريد الغرب. متميزة، الفيلسوف الإنجليزي، وإنما غربت تقنيتها، يكون الروح، والتقنية، والمعرفة غربية، وإن أثبت التاريخ العربي كما قال الكاتب الكيني، بدون تحديث صناعي)، وكان التغريب الثقافي تغريبا شكليا بعيدا من روح ولا يتجاوز القشرة. وقد رد هشام شرابي مـا منـي بـه العرب إلى أنهم افتقروا إلى الوعي الياباني المركز للتحدي، واجه بها التحدي ) . ما يجلُّ عن الخلاف كالوطن، مما تحظر قوانين الدول التي تُعجب أسباب التخلف، ويطّرد بغضه إياها وحرصه على إخراجها من الحياة وقلةُ نضجه، كانت الحرب على العربية وسائر أركان الهوية العربية أكبر ، يحولوا بينها وبين أن تتمكن في بلادها، وما كان منها بسبيل) ، لا يزيدها العلم والتجارب إلا وهَنّا وخُلْفا. لأُخرجت أيضا مما يكرهون، ما يحول دون الإقدام على بعض ما تحمل عليه العقائد الغالية. على طرفي نقيض مع اليابان التي بني تعليمها على أصولها وعاداتها المتأصلة لتكون وسيلة توحيد عقل الأمة والحفاظ على هويتها، بدا في إصرارها على استعمال اللغة الوطنية في التعليم، إلى الانفتاح على العلوم والمعارف الحديثة، فاستوعبت العلوم الغربية بأدواتها، بالغرب غير المستبصرة، وما تبعها من نزوع إلى عشقه، والفناء فيه، وما يستوجب ذلك من الترحل بين نظرياته الفكرية، واحتقار التراث لقلة ما فرضت وتعمدت طمس هويتها،