تُعْرَفُ الْحَضَارَةُ بِأَنَّها ثَمَرَةُ كُلّ جُهْدٍ يَقومُ بِهِ الْإِنْسانُ: لتحسين ظروفِ حَياتِهِ، وَالارْتِقاءِ بِمُسْتَواهُ الْمَعِيشِيِّ: سَوَاءٌ كَانَ المجهودُ الَّذي يَبْذُلُهُ لِأَجَلٍ تَحْقِيقِ ثَمَرَةِ تِلْكَ الْحَضَارَةِ مادياً أَوْ مَعْنَوِيّاً، وَالْعَقْلُ أَوِ الْإِنْسَانُ الْمُنْتِجُ لِلْفِعْلِ الْحَصَارِيِّ، فَأَمَّا شَرْطُ الزَّمَانِ فَالْمَعْرُوفُ أَنَّ مَفْهُومَ الْحَضَارَةِ مُرْتَبِطُ أشَدَّ ما يكون الارتباط بالتاريخ؛ لِأَنَّ التاريخَ وَالثَّمَرَاتِ الْحَضَارِيَّةَ الَّتِي سَيَتِمُّ إنتاجها تَحْتاجُ إلى زمان؛ فَكَما أَنَّ ثَمَرَاتِ الأشْجَارِ لا تَنْضَحُ إِلَّا بِفِعْلِ الزَّمانِ؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ نَزْرَعَها وَنَقَومَ بِحَصْدِهَا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ الشَّأْنُ بِالنِّسْبَةِ إلى ثمارِ الْحَضَارَةِ الَّتِي لا تَظْهَرُ آثَارُهَا الْإِيجَابِيَّةُ إِلَّا بِمُرُورِ الزَّمانِ عَلَيْها . فَإِنَّ الْحَضَارَةَ وَالتَّارِيخَ مُرْتَبِطَانِ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ أَشَدَّ الارْتِباطِ، إلا إذا كان مدركاً مفهوم التاريخ والزمان إدراكاً معقولاً. وَالْجَديرُ بِالذِّكْرِ أَنَّ الْقِيمَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِأَيِّ ثَمَرَةٍ حَضَارِيَّةٍ، لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا إِذَا جَرَّبَهَا الْإِنْسَانُ في حَيَاتِهِ مَرَّهُ بَعْدَ أُخْرَى، فَيَكُمُنُ فِي الْعَقْلِ أو الإنسانِ الْمُنْتِجِ لِلْحَضَارَةِ: ذَلِكَ بِأَنَّ الإنسانَ لَمْ يَضَعِ الْخُطْوة الأولى في بناء الصَّرْحَ الْحَضَارِي إِلَّا لما تنبه إلى أَنَّهُ يَمْلِكُ عَقْلاً : يُمَكِّتُهُ 1 مِنَ التَّفْكِيرِ الْجَادٌ. وَيُفْهَمُ الْعَقْلُ هُنا بِأَنَّهُ الْقُدْرَهُ عَلَى عَقْلِ الْأَشْياءِ؛ وَهُوَ الْعَوامِلُ الطبيعية أو الْبَينَةُ الْجُغْرَافِيَّةُ إِذْ لا شَكَ فِي أَنَّ لِلبيئةِ الْجُغرافِيَّةِ الَّتِي يَنْشَأُ فِيها شَعْبٌ مِنَ الشُّعوب الأثر الْكَبِيرَ وَالْفَعَالَ فِي الشَّكْلِ الْحَضَارِي الَّذِي سَيَعْمَلُ الْإِنْسانُ عَلى إنْتاجِهِ؛ فَالْإِنْسانُ يَأْخُذُ الْمَادَّةَ الَّتِي سَيُكُونُ مِنْهَا حَضَارَتَهُ مِمَّا يُحيط بِهِ مِنْ ظُروف طبيعية؛ هِيَ الَّتِي سَتُحَفِّرُهُ إِلَى الْعَمَلِ وَالْجِدَ وَالابْتِكَارِ، أَوْ أَنَّهَا سَتَكُونُ سَبَباً في تَثْبِيطِ هِمَّتِهِ وَحِرْمَانِهِ مِنْ كُلِّ تَطَلُعَ إِلَى الْأَحْسَنِ. أَما الشَّرْطُ الرَّابِعُ فِي قِيامِ الْحَضَارَةِ فَيَكْمُنُ فِي اللُّغَةِ الَّتِي تُعْتَبَرُ لِسانَ تِلْكَ الْحَضَارَةِ، وَتُرْجُمَانَها الَّذِي يَنْقُلُهَا مِنْ مَكان إلى آخَرَ وَمِنْ هُنا، كانَ لا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلْحَضَارَةِ لِسَانٌ فَصيحُ، وَتَسودَ عَلى غَيْرِهَا مِنَ الْحَضَارَاتِ الْأُخْرى. فَاللُّغَةُ هِيَ أَكْبَرُ وَسيلَةٍ مِنْ وَسَائِلِ انْتِشَارِ الْحَضَارَةِ، وَالْتُرْجُمَانُ الْمُفْصِحُ عَمَّا تَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ وَالنَّاسُ لا يَتَحَضَّرُونَ بِالْقُوَّةِ، وَلا يَأْخُذُونَ مَظَاهِرَ الْحَضَارَةِ بِالْغَلَبَةِ، وَما تُحَقِّقُهُ لَهُمْ مِنْ فَائِدَةٍ؛ ذَلِكَ بِأَنَّ الْغَايَةَ الْقُصْوى لِلْحَضَارَةِ تَحْسِينُ شُعُورِ الْإِنْسانِ بِالْأَمانِ وَالاِطْمِثْنانِ،