مرت قرابة خمسين عاما منذ وصل رواد الفضاء برحلة أبولو إلى سطح القمر، ومنذ ذلك الحين وآلاف الصفحات قد كُتبت عن تلك الرحلة وغدت الصور التي التقطها رواد الفضاء الأمريكيون والروس خلال تسابقهم للوصول إلى أقرب الأجرام السماوية إلينا لا تبرح ذاكرة البشر.لكن تلك الصور لا تروي ظمأ التواقين للتمعن في جنبات الفضاء وسكون سطح القمر، لأنها رغم روعتها غير مجسمة ولا يمكن للناظر أن يشعر أنه جزء منها.ولكن الآن وبفضل برامج الصور الحديثة مثل "فوتوشوب" بات بالإمكان تحويل تلك الصور إلى صور ثلاثية الأبعاد، رغم أن ذلك ليس بالعمل السهل، وخير شاهد على ذلك هو برايان ماي.ربما يُعرف ماي بعزفه للغيتار ضمن فرقة كوين، التي تعد إحدى أكبر فرق الروك في العالم، لكن قليلين يعرفون أنه حاصل على دكتوراة في فيزياء الفضاء وأنه عاشق منذ صباه للتصوير المجسم، وهي طريقة يتم بها تحويل الصور المطبوعة والرقمية إلى صور ثلاثية الأبعاد.إعلانواليوم جمع ماي عشقه للفضاء والتصوير المجسم في كتاب تابع خلاله السباق السوفييتي الأمريكي للوصول إلى القمر، وعاونه في ذلك ديفيد إيشر.التعليق على الصورة،يضم الكتاب بعض أبرز صور سباق الفضاء، مثل أول سير في الفضاء لرائد الفضاء الأمريكي إد وايت عام 1965زارت "بي بي سي" ماي بمقر داره للنشر والتي تحمل اسم "دار لندن للتصوير المجسم" وتقع بدرب ريفي تحفه الأشجار وتبعد نصف ساعة غربي العاصمة البريطانية لندن. وجمع عازف الغيتار البالغ من العمر 71 عاما تشكيلة ضخمة من الصور المجسمة تعود إلى العصر الفيكتوري، فضلا عن كاميرات ومكبرات عديدة تُستخدم في النظر إلى الصور، فيما يعد متحفا شخصيا للتصوير ثلاثي الأبعاد نشأت فكرته بمصادفة سعيدة خلال الطفولة غرست فيه حب التصوير المجسم والذي لم يفارقه طيلة حياته.وعندما كان ماي في السابعة من عمره وجد بطاقة داخل علبة طعام عليها صورتان مطبوعتان متلاصقتان. أنفق ماي القليل من المال في ذلك الوقت على شراء منظار مجسم يمكنه من رؤيتهما كصورة ثلاثية الأبعاد، مطالعا صورة لفرس النهر فاتحا فكيه بشكل طبيعي لم يعهده من قبل، وهي الصورة التي انطبعت في ذهنه منذ ذلك الحين حتى أصبح التصوير المجسم أمرا لا يفارق مخيلته. ويمكن للزائر لدار ماي أن يري حتى يومنا هذا البطاقة والغلاف الذي جاءت فيه وكذا منظاره الأول المتواضع، بينما يعرض على فريق "بي بي سي" أول صورة مجسمة له، والتي كانت لأبيه وهو يعيد طلاء مطبخ منزله القديم قبل ستين عاما.ونشرت دار لندن للتصوير المجسم عدة كتب عن التصوير ثلاثي الأبعاد، لكن ماي يقول إن الكتاب الأخير يتجاوز كل ما قبله.يقول ماي: "كتاب الرحلة إلى القمر نُشر لولعنا جميعا بصورة القمر التي مازلنا نذكرها نحن الكبار وكأن أعيننا وقعت عليها البارحة، رغم أن خمسين عاما مضت عليها!"ويضيف: "لم يسبق أن ألف أحد كتابا ثلاثي الأبعاد عن تاريخ بعثات أبولو بالكامل، وقد رأينا أنه حري بنا القيام بذلك لو توافرت المادة المطلوبة. ويعود الفضل للصديقة العزيزة كلوديا مانزوني في تفقد سجلات وكالة ناسا للفضاء والحصول على الصور المطلوبة، وهي التي أمضت جل حياتها في البحث بين تلك السجلات".CREDIT: LONDON STEREOSCOPIC COMPANYالتعليق على الصورة،يستحق الانتباهيستحق الانتباه لمساعدتك على فهم أهم الأحداث حولك وأثرها على حياتكالحلقاتوخلال الستينات من القرن الماضي صادف سباق الفضاء أوج صناعة الأفلام، وكانت هناك كاميرات ثلاثية الأبعاد أنتجتها شركات عدة؛ ذات ثلاث عدسات في مقدمتها، وتكون إحداها للنظر منها والأخريان لالتقاط الصور بفارق زمني بسيط بين كل صورة، ومع ذلك طالما استخدمها ماي حتى أصبح ملما بتفصيلها بالكامل. نحن لدينا عينان، والسبب في أننا نرى الأشياء بشكل مجسم مبهر من حولنا منذ أن نصحو وحتى ننام هو أن المخ البشري يدمج صورتين مختلفتين قليلا لنفس الشيء صانعا صورة أعمق. إنه أمر غامض ومدهش، ويصعب إدراكه كاملا رغم أنه يجري داخل المخ باستمرار".ويضيف: "وفي التصوير ثلاثي الأبعاد نحاكي نفس العملية بالتقاط صورة من هنا وصورة من هنا، والنظر لإحداها بعين والأخرى بالعين الأخرى".ويتابع: "حين صعد الرواد إلى الفضاء لم يكن بصحبتهم كاميرات مجسمة، ولكنهم تدربوا قليلا على أسلوب التصوير المجسم، الأمر الذي مكنهم في وقت لاحق من تحويل صورهم العادية إلى صور ثلاثية الأبعاد. وكثيرا ما التفتوا لمهام أخرى ولم يكن التصوير المجسم على رأس أولويتهم، ولكن منهم من تذكر التقاط صورة ثم التقاط صورة أخرى للمشهد نفسه بحيث يمكن تجسيمها لاحقا. ولكن تعين البحث طويلا للعثور على الصور المتلازمة".ويضيف: "بينما كان نيل أرمسترونغ وباز الدرين يطآن سطح القمر، كان مايكل كولينز (رائد الفضاء الذي كان معهما في رحلة أبولو-11) يلتقط صورا للفوهات على الجانب الآخر من سطح القمر بحس مرهف".سباق الفضاء كما لم تره من قبلصدر الصورة،LONDON STEREOSCOPIC COMPANYالتعليق على الصورة،يبرز الكتاب أبعادا جديدة لبعض أبرز صور سباق الفضاء ومنها صورة لنيل أرمسترونغ وباز الدرينلكن بعد العثور على الصور المطلوبة،يقول ماي: "الأمر يستهويني لأبعد حد، فحتى مع جولات (فرقة) كوين كنت استيقظ في غرفتي بالفندق في الثالثة صباحا وأعمل على دمج صورتين أرسلتهما كلوديا لتجسيمهما. وهو ما ترونه في الكتاب". لكني أعتقد أننا الأكثر دأبا على ذلك. فلدينا من الصور المتلازمة 200 صورة بالكتاب، وجميعها قابلة للتجسيم".ويمكن إضافة حب الاختراع إلى إنجازات ماي العديدة، فالكتاب يحمل براءة اختراع نظام منظار "أويل" المتلازم، وهو عبارة عن عدستين بلاستيكيتين مرفقتين بالكتاب تمكنان من رؤية الصور مجسمة. والاختراع جاء بعد سنوات قضاها ماي في جمع المناظير المختلفة منذ الأيام الأولى لفرقة كوين ليتمكن من تضمين الخصائص الأفضل في منظار واحد.يقول ماي: "عندما تنظر إلى أي صورتين متلازمتين هنا، فكل ما يتعين عليك القيام به هو التأني لبرهة من أجل التركيز في البؤرة وحتى ترتخي العين، في بعض الأحيان نرى الأمر نفسه في أفلام، أول إنسان يمشي في الفضاء، وليس لديه كاميرا مجسمة ولكن كاميرا فيديو، وهو يدور". والصورة من لقطات قصيرة تصور ليونوف وهو يمشي خارج مركبة فوسخود-2 السوفيتية عام 1965 وعلى خوذته الأحرف الأولى للاتحاد السوفييتي باللغة الروسية. فقد كتب ديفيد إيشر النص، وقد عملنا معا كفريق". وأعتقد أنه من أجمل ما ألفنا، وقد أنجزنا الكثير من الكتب المجسمة،سباق الفضاء كما لم تره من قبلصدر الصورة،LONDON STEREOSCOPIC COMPANYالتعليق على الصورة،يتطرق الكتاب أيضا لإنجازات الفضاء منذ أوج الحرب الباردةولا تكتمل قصة سباق القمر دون ذكر اليوم الذي وطأ فيه بشر سطحه،يقول: "لا يمكنني أن أنسى، أذكر تماما أين كنا، طبال الفرقة في أيامها الأولى. كنا بمنزل والدته ووقفنا حول شاشة التلفاز الصغيرة لنشاهد الحدث، ومازال حيا بذاكرتي الآن كأنه حدث توا رغم مرور نصف قرن". الذي مات عام 2012، من صوته عبر الأثير يوم وطأ سطح القمر، ومن الصور، لكن ماي تربطه علاقة أقرب بأرمسترونغ. وليت الزمان يعود بي لأدرك قيمة ذلك الوقت أكثر. التقيت به وحدي على وجبة الإفطار أعلى جبال كالديرا بجزيرة لابالما، وتحدثنا عن الدنيا ومشاكلها،