«قبل كل شيء يجب التفكير في وسيلة شفاء العقل وتطهيره لكي يجيد معرفة الأشياء»، هذه الوسيلة هي التمييز بين ضروب المعرفة وتقدير قيمة كل منها لأجل الاهتداء إلى المعرفة الحقة، هناك معرفة سماعية تصل إلينا بالفعل، مثل معرفتي تاريخ ميلادي ووالدي وما أشبه ذلك، فإذا صرفنا النظر عنها انحصرت المعرفة في ثلاثة ضروب: الضرب الأول معرفة بالتجربة المجملة أو الاستقراء العامي، وهي إدراك الجزئيات بالحواس على ما يتفق بحيث تنشأ في الذهن أفكار عامة من تقارب الحالات المتشابهة مثل معرفتي أني سأموت لكوني رأيت أناسًا مثلي ماتوا، وأصل اعتقادنا بهذه الأفكار وأمثالها أننا لم نصادف ظواهر معارضة لها، دون أن يكون لدينا ما يثبت لنا عدم وجود مثل هذه الظواهر، الضرب الثاني معرفة عقلية استدلالية تستنتج شيئًا من شيء، كاستنتاج العلة من المعلول دون إدراك النحو الذي تحدث عليه العلة المعلول، أو هي معرفة تطبق قاعدة كلية على حالة جزئية، كتطبيق معرفتي أن الشيء يبدو عن بعد أصغر منه عن قرب، فأعلم أن الشمس أعظم مما تبدو لي، ولكنها هي أيضًا متفرقة لا رابطة بين أجزائها، الضرب الثالث معرفة عقلية حدسية تدرك الشيء بماهيته أو بعلته القريبة، مثل معرفتي أن النفس متحدة بالجسم لمعرفتي ماهية النفس أو مثل معرفتي خصائص شكل هندسي لمعرفتي تعريفه، هذه المعرفة الأخيرة هي الكاملة لأن موضوعاتها معانٍ واضحة متميزة يكونها العقل بذاته، ويؤلف ابتداء منها سلسلة مرتبة من الحقائق، فيخلق الرياضيات والعلم الطبيعي حيث تبدو الحقيقة الجزئية نتيجة لقانون كلي، ويبين العقل عن فاعليته وخصبه،