التجربة الماليزية في التنمية المستدامة: استثمار في الفرد وتوفير للقدرات العدد الثالث “يونيو – حُزيران” لسنة “2017 ” من مجلة العلوم السياسية والقانون وداد غزلاني – أستاذ دكتور في العلوم السياسية والقانون. الجزائر حنان حكار – أستاذ محاضر في العلوم السياسية. فقد استطاع هذا البلد رغم صغر مساحته وطبيعة تضاريسه، وتنوع أعراقه وأجناسه أن يتبوأ مكانة بين الدول الصناعية الكبرى، Summary: it managed this country despite its small area and the nature of the terrain, and the diversity of races that occupy a place among the major industrialized countries, thanks to its investment in the individual and focus on the educational system and integration between community values and economic performance in order to achieve comprehensive and sustainable development of all sectors. مقدمة: ودراستها تحظى بالأهمية الكبيرة نظرا لكونها قدمت للعالم أجمع مشروعا تنمويا معاصرا يجمع بين الحداثة والإسلام، ويضاهي في رؤياه النماذج العالمية المتقدمة، وتنبع أهمية هذه التجربة في كونها تدمج بين القيم المجتمعية والأداء الاقتصادي حد التلاحم، على حد تعبير Gunnar Mayrdale أن الاقتصاد مشحون بالقيم Economic sis value loaded ، وبالتالي النهضة بالأسس والدعائم والخصوصيات التي يقدمها المجتمع أولا وقبل كل شيء، حيث يشير قائد النهضة الماليزية مهاتير محمد إلى أن الإسلام يعد القيمة الثقافية للأغلبية في مجتمعه، ومنه يمكن طرح الإشكالية التالية: -كيف ساهم الاعتماد على الرأسمال الفكري في النهوض بأعباء التنمية المستدامة في ماليزيا؟ أهداف الدراسة: التركيز على الأبعاد الأساسية للتنمية المستدامة وأبرز السياسات المتخذة في هذا الشأن. تسليط الضوء على إحدى التجارب العالمية الرائدة في مجال التنمية ومحاولة الاستفادة من المسار التنموي الذي تبنته. محاور الدراسة: المحور الأول: التنمية المستدامة و التنمية البشرية : إطار مفاهيمي المحور الثالث: الاستثمار في الرأسمال الفكري وانعكاساته على التنمية المستدامة في ماليزيا أولا: تعريف التنمية المستدامة: التي تضمن ترقية الكفاءة الاستخدامية للموارد وتزايد المقدرة الإنجازية في تلبية الاحتياجات الحالية والمستقبلية “[1]، كما عرفتها اللجنة العالمية للبيئة والتنمية CMED سنة 1987 بأنها: ” التنمية التي تستجيب لحاجات الحاضر دون المساومة بقدرة الأجيال المستقبلية على تلبية احتياجاتها الخاصة “[2]. وهذا التعريف هو يركز على جانبين أساسيين هما: – فكرة تحديد الاستغلال العقلاني للموارد المتاحة، وترك المجال للأجيال اللاحقة للوفاء باحتياجاتها. ثانيا: تعريف التنمية البشرية وذلك في إطار توفير وإشباع جميع حاجاته المادية واللامادية، وتوفير الظروف والأجواء المجتمعية التي تحقق له قدر من الاستمتاع بحقوقه كإنسان[3]. قم بتعديله لاحقا في تقريره لعام 1995 وقد جاء في هذا التعريف: ” التنمية البشرية هي عملية توسيع لخيارات الناس، فالخيارات الإضافية تتراوح من الحرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى التمتع بفرص الخلق والإنتاج والتمتع بالاحترام الذاتي الشخصي وبحقوق الإنسان المكفولة[4]“. وبالتالي فحياة الفرد لم تعد تقتصر فقط على العيش الكريم والتمتع بالصحة الجيدة والحصول على مسكن لائق بل يتعداها إلى مجموعة من الحقوق المتعلقة بالنفس البشرية ومدى قدرتها على التعبير عن ذاتها من جهة وتحقيقها من جهة ثانية. المحور الثاني: أبعاد التنمية المستدامة في ماليزيا تشكل ماليزيا حاليا إحدى أقوى النمور الآسيوية وأكثرها تقدما بالنظر إلى ما تم انجازه وما تخطط لتحقيقه على مدد طويلة، حيث تعد هذه التجربة الفريدة من نوعها إحدى أكثر الدروس التي ينبغي ان تحذو حذوها جميع الدول حيث مهدت من خلال الخطط الإستراتيجية التي وضعتها إلى إرساء منظومة متكاملة تنمويا وشملت شتى المجالات بدءا بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية وصولا إلى الجوانب البيئية حيث سنحاول من خلال هذا العنصر تسليط الضوء على كل جانب من هذه الجوانب. أولا: البعد الاقتصادي للتنمية المستدامة: لقد بدأ المسار التنموي الماليزي في السبعينيات متأثرا باقتصاديات النمور الأسيوية المتقدمة آنذاك منها جمهورية كوريا، جمهورية الصين، تايوان، هونغ كونج وأخيرا جمهورية سنغافورة بعد أن كانت تعتمد وبشكل كبير على التعدين والزراعة وأخذت بالتحول تدريجيا نحو جعل اختصاصها اقتصادا مصنعا بالدرجة الأولى، وقد كانت التجربة اليابانية في كل هذا الملهم الرئيسي في العمليات التصنيعية على حد قول رئيس وزرائها السابق مهاتير محمد” الاتجاه شرقا”، وأصبح بعدها قطاع الخدمات والصناعات القطاعين الرئيسيين في البلاد وهو ما ساهم في ارتفاع متوسط الدخل الفردي بشكل عالي حيث بلغ مثلا سنة 2005 حوالي 5286 دولار أمريكي ليبلغ بعد ست سنوات أي سنة 2011، حوالي 9656 دولار أمريكي . ” وحاليا تعد ماليزيا ثالث أغنى بلد في منطقة الآسيان بعد سنغافورة وبروناي ويصنفها البنك الدولي على أنها من البلدان ذوات الدخل المتوسط العالي upper middle income country ” . وعليه فإن المرتبة التي بلغتها ماليزيا لم تأتي من عدم بل كانت نتيجة التنويع الاقتصادي المستمر والذي تكلل في السنوات الأخيرة بالصناعات الالكترونية وتصديرها حيث أصبحت تشكل واحدة من الدول العشرين الأولى في مجال التجارة الدولية، وهي بذلك تعد أول دولة إسلامية تنتج سيارات في العالم[5]. بالنظر لما يتيحه هذا الأخير من فرص لاستدامة التنمية فالاعتماد على عناصر محددة في الاقتصاد من شأنه أن يؤثر على اقتصاد الدولة ككل في ظل عالم تحكمه الاعتبارات الاقتصادية ويتأثر بها أكثر من أي اعتبار آخر، وماليزيا استطاعت بفضل ما أتاحته من خطط إستراتيجية أن تواجه مختلف الأزمات الاقتصادية لاسيما أزمة التسعينيات حيث خرجت منها بسلام بعد اعتمادها على التنمية الذاتية ورفضها لمساعدات المؤسسات المانحة على عكس بقية الدول الأخرى، وبالتالي إفلاتها من قبضة المشروطية والتبعية التي تفرضها هذه المؤسسات. إن الاهتمام الكبير الذي حضي به البعد الاقتصادي في التنمية لم يمنع ماليزيا من الاهتمام بالجوانب الاجتماعية والإنسانية بل على العكس كان هناك نوع من التكامل بين الجانبين حيث عزز نجاح اقتصادها تمتع الفرد الماليزي بالرفاهية المعيشية هذا من جهة ومن جهة أخرى عزز إرادته نحو العمل والتقديم أكثر، فالاقتصاد الماليزي هو في الأساس قائم على الفرد ولأجله ، حيث حققت ماليزيا نتائج باهرة في مجال مكافحة الفقر والتقليص من نسب البطالة وتحسين نوعية وجودة الخدمات المقدمة لاسيما التعليم والصحة والإسكان وهو ما سيتم التطرق إليه على التوالي: 1/-التخفيض من نسب الفقر: لقد شهدت مرحلة السبعينيات في ماليزيا أسوء المراحل من حيث ارتفاع نسب الفقر حيث شكل نسبة 52. 4% في بداية السبعينيات، 5% وهو ما يشكل تناقضا بحوالي 3 أضعاف عما كان عليه في السبعينيات، غير ان هذه النتائج لم تتوقف عند نهاية التسعينيات فقط بل استمرت إلى غاية يومنا هذا، وهدفت إلى تحقيق مكسبين رئيسيين هما: تخفيض نسبة الفقر من جهة وإعادة هيكلة المجتمع من جهة أخرى، هذا بالنظر إلى أن تحقيق مستويات عالية من النمو الاقتصادي هو يؤثر مباشرة في هيكلة المجتمع، حيث أن “النمو الاقتصادي بالضرورة يقود إلى المساواة في الدخل” ، وقد تمحورت سياسات القضاء على الفقر في النقاط التالية: إعادة هيكلة العمالة وزيادة تنمية الأعمال التجارية والصناعية للغالبية الفقيرة. تقديم برامج لدعم الفقراء مثل برنامج التنمية للأسر الأشد فقرا سياسات دعم الأدوية المنقذة للحياة للفقراء ومجانية العلاج في العديد من الأمراض. متخطية بذلك بقية الدول الإسلامية والعربية خصوصا والتي دأبت للقضاء على هذه الظاهرة في نفس الفترة التي خطت فيها ماليزيا سياسات القضاء على البطالة. الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة التجربة الماليزية في محاربة البطالة بالتجربة الرائدة، والتجربة الماليزية في هذا المجال هي بالفعل فريدة من نوعها حيث تقوم بتوفير دورات تدريبية للبطالين من أجل تعزيز قدراتهم ودخول سوق العمل، وأثناء القيام بتلك الدورات هي تقوم بدفع رواتب باهظة الثمن لهؤلاء البطالين، ثم بعد انتهاء هذه الدورات التدريبية تقوم بتوفير فرص العمل لهم، وبالتالي هذا النوع من السياسات هو يعمل كرادع أو وسيلة ضغط على هؤلاء البطالين، وهو يعكس مدى إرادة الدولة في تشغيل مواطنيها إلا لمن أبى، وهذه السياسات هي بطبيعة الحال تراعي كل الفئات وتحافظ على استدامة الوظائف ، وهي تدعم بشكل كبير فئة المالاوي وهم السكان الأصليين بالنظر إلى الحرمان الذي عاشه هؤلاء في مقابل استحواذ الغالبية الصينية على كل مصادر الإنتاج في مرحلة ما من بداية النهضة الاقتصادية الماليزية. ثم إن الرؤية الماليزية 2020كانت دافعا كبيرا نحو جذب الاستثمارات الأجنبية وبالتالي توفير مناصب الشغل، حيث أعلن نائب الوزير السابق للموارد البشرية الماليزية عبد الرحمان بكر، حيث تتمتع المستشفيات الماليزية بجودة عالية في تقديم الخدمات واستطاعت الحصول على شهادة الايزو 9002، والحكومة الماليزية تتكفل بتغطية نفقات نحو 98% من تكاليف الرعاية الصحية، حيث نجد مثلا سنة 2009 أن الدولة خصصت ما يقارب 4. 7] ومما سبق يمكن القول أن الجهود المعتبرة التي بذلتها الدولة الماليزية قد حققت نتائج مذهلة في المجال الصحي لاسيما ما يتعلق بالفرق الصحية والعيادات المتنقلة وهو الأمر الذي أدى إلى زيادة الغطاء الصحي إلى نسبة 80% وارتفاع متوسط العمر المأمول عند الميلاد بالسنوات إلى 75 بدلا من 69 وانخفاض احتمال الوفاة قبل سن الخامسة لكل 1000 وليد 6 وفيات. 4/-الاهتمام بقطاع التعليم: لقد بدأ الاهتمام الجاد بهذا القطاع في ماليزيا مباشرة بعد استقلالها من الاحتلال البريطاني، إذ بدأت بوضع سياسات متينة لبناء المنظومة التعليمية، ثم إن تحول ماليزيا نحو الاقتصاد الصناعي بعد أن كان جل تركيزها على الاقتصاد الزراعي كان دافعا لها نحو تبني مناهج علمية جديدة تواكب توجهات وطموحات الدولة، وقد شملت رؤية 2020 هذه الطموحات وهدفت إلى جعل ماليزيا ببلوغ سنة 2020 دولة متقدمة من جميع النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، والخطة الخماسية الثانية من 1971-1975، وتندرج معظم السياسات المنتهجة بهذا الشأن في الآتي: التزام الحكومة بمجانية التعليم الأساسي لإتاحة الفرصة للجميع من أجل التعلم . الاهتمام بتعليم المرأة ورفع الوعي النسوي. الاهتمام بالتعليم ما قبل المدرسة ( رياض الأطفال). العناية بتأسيس معاهد تدريب المعلمين والتدريب الصناعي. التوافق مع التطورات التقنية والمعلوماتية. 8] واستكمال مخططها الاستراتيجي عام 2020، وهو ما سيتم التطرق إليه بالتفصيل لاحقا. ثالثا: البعد البيئي للتنمية المستدامة في ماليزيا حيث تسعى ماليزيا إلى خلق مجموعة من السبل لضمان العيش الكريم نذكر منها: الحفاظ على التراث الطبيعي والثقافي للبلاد عبر إشراك كافة الهيئات في هذه العملية لتكون مسؤولية جماعية ولا توضع على عاتق هيئات محددة فقط، وبالتالي تنمية روح المسؤولية في جميع المجالات. ضمان أسلوب حياة مستديم ونمط استهلاك وإنتاج محدد. إدارة استغلال الموارد الطبيعية للحفظ على قاعدة الموارد ومنع التدهور البيئي[9]. المحور الثالث: الاستثمار في الرأسمال الفكري وانعكاساته على التنمية المستدامة بشرط أن يكون الفقراء والعاطلين عن العمل والمجموعات العرقية الأكثر فقرا هم أول المستفيدين من ذلك، ولاشك أن الإيمان بهذه الفلسفة دافعه الأول أن العلاقة بين زيادة النمو وتقليل الفقر طردية موجبة، لأن وصول الفقراء إلى تعليم أفضل وإلى صحة أفضل ساهما بفعالية في عملية تسريع وزيادة معدلات النمو الاقتصادي[10]. ثانيا: الاستثمار في الرأسمال الفكري كمركز للإبداع والابتكار تشير الأدبيات إلى أن البلدان التي تمتلك رأس مال بشري مرتفع تحقق معدلات نمو مرتفعة ومستديمة، وذلك على اعتبار أن التقنية نمطيا تقود إلى النمو وتحتاج إلى وفرة الرأسمال البشري، ومن ثمة زيادة الاستثمار في الرأسمال الفكري. وماليزيا هي من بين الدول التي سعت إلى تطوير رأسمالها الفكري من خلال إرساء منظومة تعليمية ذات جودة عالية والتركيز على العلوم الدقيقة والتكنولوجية بدرجة كبيرة تماشيا مع الثورة الرقمية والمعلوماتية التي يعيشها العالم ككل وبالتالي فقد أخذت على عاتقها إنشاء مؤسسات ومعاهد عالمية متخصصة في النهوض بهذا المجال، وهي تشجع الروابط بين الشركات والباحثين والمؤسسات المالية والتقنيين من أجل استخدام أنشطة البحث الجامعية لأغراض تجارية، ويلعب المجلس القومي للبحوث العلمية والتطوير دورا في رعاية المؤسسات البحثية وتقوية العلاقة بين مراكز البحوث والجامعات من أجل البحوث والتنمية، والنتيجة إيجاد نخبة من الخبراء المتمدرسين في التخصصات التي تحتاج إليها البلاد وهذا في حد ذاته هدف استراتيجي هام للدولة[12]. أولا: لمحة عن الرؤية التنموية تشكل هذه الرؤية واحدة من أكبر الخطط الإستراتيجية التي سارت وفقها عجلة التنمية، أي من 1990 إلى غاية 2020، وقد تزامنت هذه الرؤية مع الدعوة إلى العمل على إنجاح مشروع الملتيميديا super corridor multimedia ، والذي يسعى إلى تحويل مدينة (سايبرجايا cyberjaya الصناعية إلى بؤرة تكنولوجية تتجمع حولها شركات العالم العملاقة، حيث يسهر على إنجاح هذه الرؤية كل من القطاع العام والخاص المنضوي تحت المجموعة الصناعية الحكومية الماليزية للتكنولوجية العالية (MIGHT) ، وقد أشار في مجمل خطابه إلى النتائج الملموسة التي ينبغي الوصول إليها خلال هذه الفترة وأرسى في السنوات الأولى من بداية المشروع دعائم تنموية بارزة كانت السبب الرئيسي في عدم فشل هذه الخطة بالرغم من تنازله عن حكم ماليزيا طواعية ، ومن بين ما جاء في خطابه التاريخي نجد قوله: “…نأمل بأن يكون مواليد ماليزيا اليوم هو الجيل الأخير الذي يعيش في دولة تصنف كدولة نامية لأن الهدف الأكبر هو أن تصبح ماليزيا دولة متقدمة كلية بحلول عام 2020، فما معنى متقدمة كلية؟ فهل نريد أن نكون مثل دولة معينة من الدول ال 19 من إجمالي المجتمع الدولي الذي يبلغ أكثر من 160 دولة لها قوتها الخاصة ولكل منها أيضا نقاط ضعفها، لا يجب أن تصبح ماليزيا متقدمة فقط من الناحية الاقتصادية بل أن يشمل التقدم كافة النواحي الأخرى الاجتماعية والثقافية والنفسية والروحية…[15]“ ثانيا: أهداف الرؤية والمكانة الاقتصادية المتوقعة: سطرت هذه الرؤيا العديد من الأهداف وسنحاول إلقاء الضوء على أهمها: وهو ما يحقق التنمية المستدامة في جميع القطاعات على مدار هذه السنوات وما بعدها. الهدف الاستراتيجي الآخر هو دعم الوحدة الوطنية والتغلب على العوائق التي تحول دون القضاء على الانقسام العرقي. التغلب على نقاط الضعف الاقتصادية والاستثمار في القدرات والإمكانيات المتاحة.