على ذلكَ كانَ يتمتَّعُ بحيويَّـةٍ مرِحَـةٍ، وتلتمعُ عيناهُ بنشاطٍ وابتهاجٍ. وبدا أنَّـهُ ينظرُ إلى الدّاخلِ لا إلى الطَّريق، ثمَّ مالَ يُمْنـةً بمحاذاةِ صفٍّ منَ اللُّوريّاتِ الواقفَـةِ لصْقَ الطُّوارِ حتّى وجدَ منفذًا إلى الشّارعِ. وقالَ أحدُ الشُّهودِ فيما بعدُ إنَّهُ كانَ عليْـهِ أنْ يتراجَعَ بسرعـةٍ، وإنَّـهُ لوْ فعلَ ذلكَ لنَجا رغمَ سرعـةِ السَّيّارةِ، ولكنَّهُ لسببٍ ما - لعلَّـهُ المفاجأةُ أو سوءُ التَّقديرِ - وثبَ إلى الأمامِ، وفي ذاتِ الوقتِ انطلقتْ صرَخاتُ الفزعِ منَ وكانَ منكفِئًا على وجهِـهِ، ولا يجرؤ أحدٌ على لمسِـهِ، كُرويُّ الجبهَـةِ والعينين مُكَوَّرُ الذَّقْنِ، وقدْ أفصَحَ مظهرُهُ عن إهمالٍ صريحٍ نتيجـةً للسِّنِّ أو الطَّبعِ أو نسيانِ الذّاتِ، وتلتمعُ عيناهُ بنشاطٍ وابتهاجٍ. وبدا أنَّـهُ ينظرُ إلى الدّاخلِ لا إلى الطَّريق، وما كادَ يجاوِزُ مُقدِّمـةَ اللّوري الأخيرِ حتّى شعرَ باندفاعِ سيّارةِ (فورد) نحوَهُ بسرعـةٍ فائقـةٍ. وقالَ أحدُ الشُّهودِ فيما بعدُ إنَّهُ كانَ عليْـهِ أنْ يتراجَعَ بسرعـةٍ، وإنَّـهُ لوْ فعلَ ذلكَ لنَجا رغمَ سرعـةِ السَّيّارةِ، (يا ساترُ يا ربُّ) وجرتِ الحوادثُ متلاحقـةً- ندّتْ عنِ الرَّجلِ صرخـةٌ كالعُواءِ، وفي ذاتِ الوقتِ انطلقتْ صرَخاتُ الفزعِ منَ وانتشرَ في المِنطقـةِ الهَرَجُ ولمْ ينبضْ جسمُ الرَّجُلِ بحركـةٍ واحدةٍ، وكانَ منكفِئًا على وجهِـهِ، وراحَ يخاطِبُ مجموعـةً منَ الحُفاةِ أحْدَقتْ بهِ على سبيلِ المُراقَبـة لا ذنبَ لي، - لكنَّـهُ طارَ في الهواءِ والعياذُ باللّـهِ! خطواتٍ فقط، - أقلُّ لمسـةٍ قدْ تقتُلُـهُ، وتجمَّعتْ في صفوفٍ ممتـدَّةٍ ومُتداخِلَـةٍ، وأعينٌ تجنَّبتِ النَّظرَ في جَزَعٍ، - هلْ منْ شُهودٍ؟ فتقدَّمَ ماسحُ أحذيةٍ، فقالَ الآخرُ بلهجـةٍ ذاتِ أثرٍ لا يختلفُ عنِ الأثرِ الَّذي يحدثُ عادةً عنْ جرسِ سيارتِـهِ: - أعتقدُ أنَّ الحالـةَ خطيرةٌ جدًّا. - عمليَّـةٌ؟ اضطرابًا مُتلاحِقًا مُحَشْرِجًا، فالتفتَ المديرُ نحوَ مُساعدِهِ وهوَ يقولُ: - انتهى… وتأهَّبَ بدورهِ لتسجيلِ المحضرِ. ومضى يفتِّشُها جَيبًا جَيبًا، وألقى نظرةً عابرةً على أسماءِ الأدويةِ، إذ إنَّ تعليماتٍ مماثلـةً صدرتْ إليهِ من طبيبِـهِ في نفسِ الشَّهرِ! ثمَّ واصلَ إملاءَهُ، وانتقلَ إلى الجيبِ الدّاخليِّ، - ثلاثـةُ قروشٍ ونصفُ، ولكنَّ الرّسالـةَ كانتْ موجَّهـةً إلى (أخي العزيزَ أدامَـهُ اللّـهُ) فاستاءَ من هذهِ المعانَدَةِ، وكانَ تاريخَ اليومِ نفسِـهِ 20 فبراير، وامتدَّ بصرُهُ فوقَ الأسطُرِ إلى الوجْـهِ الباهِتِ المَشوبِ بزُرْقَـةٍ مُخيفـةٍ،