تابَع سقراط فلسفة السوفسطائيين بتركيزه على الانسان وعلى القضايا الخُلقية. فقد اعتَبر سقراط الانسانَ من حيث هو كائن عاقل وكائن اجتماعي مقياساً لجميع الأشياء. هذا يعني أنه نبذ المعرفة النسبية أو الذاتية التي قال بها السوفسطائيون، وسعى إلى المعرفة المطلقة الموضوعية. ونقع على نماذج مستفيضة لهذه الطريقة السقراطية في محاورات أفلاطون، ومن خلال المحاورات الأفلاطونية نعرف عن سقراط عنايته بالتفكير النقدي وتحديد المفاهيم ودفاعه عن حرية الانسان وكرامته وتجسيد القيم العقلية والخُلقية في حياته الشخصية ليكون معلّماً بالفكر والقدوة معاً. وجلّ ما نعرفه عن أفكاره هو ما نقرأُه في محاورات أفلاطون. وهذا يطرح سؤالاً لدى مؤرخي الفلسفة: أين ينتهي سقراط التاريخي وأين يبدأ أفلاطون في هذه المحاورات؟ ثمة إجماع بين المؤرخين على أن أهم مسألة فلسفية عُنِيَ بها سقراط كانت مسألة التعريف أو التحديد. وهو لم يسعَ إلى تحديد المفاهيم بهدف الرياضة الذهنية، بل هي عملية مستمرة تدوم مدى الحياة. و"اِعرِف نفسك". العبارة الأُولى تشير إلى تواضُع سقراط. فهو لا يدَّعي أن معرفته قد اكتملت، لا بل إنّ المعرفة عنده شأنٌ يدوم ما دامت الحياة. فالانسان كائن على طريق المعرفة، إذ لو كان عارفاً لكان كائناً كاملاً كالله. أما العبارة الثانية فتشير إلى معرفة الذات كشرط للحياة الفاضلة وتحقيق الذات. وسنقع لاحقاً مع الفلاسفة الرواقيين على أهمية مبدأ معرفة الذات وفحص الذات باستمرار. لكنْ ماذا عن نظرية المثُل التي تدور عليها فلسفة أفلاطون؟ هل استمد أفلاطون هذه النظرية من سقراط؟ هناك مَن يذهب إلى أنه فعل. غير أنّ أرسطو – وهو أقرب من كل مؤرخي الفلسفة إلى أفلاطون وسقراط، لأنه كان تلميذ أفلاطون – أشار إلى أن سقراط ليس صاحب نظرية المثُل، إذا كان المبدأ القائل بأن المعرفة تذكُّر، أي أن ما تعرفه النفس ليس شيئاً جديداً مستمَداً من التجربة الحسية بل هو تذكُّر لما كانت النفس تعرفه قبل حلولها في الجسد، ذا علاقة بعالم المثُل، فهناك شبه إجماع بين المؤرخين على أن أفلاطون استمد من معلمه سقراط هذه النظرة إلى المعرفة على أنها تذكُّر. وبأن عقل الانسان قَبَس من العقل الكوني الذي هو الله. فاختار الحل الثاني. رافضاً محاولة تلاميذه أن يهرّبوه. ومن المحاورات الأُخرى التي تسجِّل نهاية سقراط محاورة "فيدون" (Phaedo)، في معرض تأكيده أمام تلاميذه أنه لا يخشى الموت، يفصّل أفلاطون، على لسان سقراط، ولعل هذا العرض ليس برهاناً، في نظر سقراط، أن المعرفة تَذكُّر. من هنا يستنتج أن النفس كانت موجودة قبل حلولها في الجسد، المناقشة الثالثة على بقاء النفس بعد الموت قائمة على تحديد ماهية كل من النفس والجسد. أما النفس فليست مركبة، بل هي جوهر روحي بسيط لا يأتي عليه الانحلال والموت.