فصل واتصل بهذه الجملة الكلام في البدل عن الموجود ووجه اتصال هذا بما قبله أنا لما الزمنا المجبرة على القول بالقدرة الموجبة أن يكون تكليف الكافر كتكليف العاجز، فلو جاز البدل عن الموجود جاز البدل عن الماضي، فيقال: أكلت الآن بدل الأكل الواقع بالأمس والمعلوم خلافه ويبين هذه الجملة، أن البدل كالشرط في أن لا يدخل إلا في المستقبل المنتظر، فأما في الواقع الموجود فلا يصح، فكيف ما قالوه ؟ . ثم إنه رحمه الله سأل نفسه فقال : إذا جاز أن يكلف الله الكافر بالإيمان مع علمه أنه لا يؤمن، فهلا جاز أن يكلفه مع العلم بأنه لا يقدر عليه، ولا يقبح منه . والمجبرة يتعلقون بهذه الشبهة على هذا الوجه وربما يوردونه على وجه آخر، فيقولون: إن القدرة على خلاف المعلوم محال، وأتم فقد جوزتم التكليف به، فكيف منعتم من أن يكلف الله تعالى الكافر وإن لم يقدر عليه ؟ . والأصل في الجواب عن الأول هو أن نقول : إن بين الموضعين فرقاً، لأن تكليف الكافر مع العلم بأنه لا يؤمن إنما يحسن، وفعل به كل ما يحتاج إليه في التكليف ثم إنه اختار الكفر لسوء اختياره لنفسه. لأن تكليفه بالإيمان تكليف بما لا يطيقه لا يقدر عليه لا يمكنه الانفكاك من ضده الذي هو الكفر، ومعلوم أنه تعالى لم يعلم من حاله الضدين جميعاً، وبعد، لوجب أن يكون القديم تعالى غير قادر على أن يقيم الأصل الثاني: العدل / إذا جاز أن يكلف الله الكافر بالإيمان مع علمه أنه لا يؤمن القيامة الآن لعلمه أنه لا يقيمها، وعند هذا الإلزام افترقوا فمنهم من ارتكب ذلك وقال : إنه تعالى لا يقدر ومنهم من لم يرتكب، فزعم أنه قادر على ذلك. يلزمه القول أن يكون الله تعالى غير قادر على خلق البياض في الزنجي بدلاً من السواد والسواد في الرومي بدلاً من البياض، وذلك يوجب أن لا يكون القديم تعالى مخيراً في أفعاله، قلنا : إن الجهل هو ما به يصير الذات جاهلاً، والذات إنما يصير جاهلاً بالجهل، والإيمان ليس من الجهل في شيء، وإذا أمره بالإيمان ورغبه فيه ووعده بالثواب الجزيل عليه أن يكون قد أمره بتجهيل نفسه ورغبه فيه، ويلزمهم أيضاً، قالوا : لو قدر الكافر على خلاف ما علمه الله تعالى من حاله لصح وقوعه منه لأن هذا هو الواجب في القادر على الشيء، ولو صح وقوعه منه لوجب وقوعه في بعض الحالات، قيل له : لم وجب إذا صح منه خلاف المعلوم أن يقع في بعض الحالات، وهذان الاعتقادان متضادان . وجوابنا، أن هذا التقدير محال، فلا جرم أن الجواب عنه أيضاً محال. وهذا أولى مما يقوله مشايخنا البغداديون أنه تعالى يعلم وجود الإيمان منه، وذلك شر مما تجوزه النجارية، فالأولى ما قلناه. كالحال فيما إذا دلت الدلالة على أنه تعالى عدل حكيم لا يفعل القبيح، ودلت الدلالة أيضاً على أن الظلم يدل على جهل فاعله، ثم يقدر فيقال: لو وقع من جهة الله تعالى الظلم، بل نقول خطأ قول من يقول: إنه يدل على جهله وحاجته، وخطأ قول من يقول : لا يدل، كذلك في مثلنا . ويمكن أن يكون لذلك مثال في الشاهد فيقال: لو أخبرنا صادق بأن هذا البيت لا يدخله قرشي فإنا نعلم ذلك، فلو قال قائل : لو قدرنا أن يدخله قرشي، أفتعلمون أنه لا يدخله قرشي أم لا تعلمون ذلك؟ قلنا : إن هذا التقدير محال فنحيل السؤال عنه، بل نقول : خطأ من يقول : نعلم أنه لا يدخله، وخطأ قول من يقول : لا نعلم أنه لا يدخله، كذلك في مسألتنا . شبه المخالفين وللمخالف في هذا الباب شبه : من جملتها، هو أنهم قالوا : إن الفعل كما يحتاج عند الصحة إلى أمر، كما أن كون الجوهر متحركاً لما احتاج إلى أمر عند الصحة وهو الحيز، وجب احتياجه عند الوجوب إلى أمر وهو الحركة. والأصل في الجواب عن ذلك، فإن قالوا: إنه يحتاج إلى أمر زائد وهو الإرادة، قلنا : لو كان كذلك لوجب قدم العالم، لأنه تعالى مريد لذاته عندكم أو بإرادة قديمة، وبعد لو صح تعلق الإرادة بالنفي لصح تعلقها بالإثبات، وجب قدم العالم. ثم يقال لهم : لا جاز فيما أثر في الصحة أن يكون هو الذي أثر في الوقوع وهو كونه قادراً، ويوجب بطلان المدح والذم، وذلك محال. بخلاف الأخرى. وجوابنا : أن هذه الطريقة لا تستقيم على أصولكم على ما سبق القول فيه. ولا يجوز غير هذا، لأن في خلافه إخراج الواحد منا عن التحيز في الأفعال، وبهذا نجيب إذا قالوا : إنا نجد تفرقة بين الفعل الذي يستحق عليه المدح والذم وبين الفعل الذي لا يستحق عليه ذلك ولا يمكن أن نرجع بهذه التفرقة إلا إلى أن أحدهما قد فارقته القدرة، لأن الاستحالة والوجوب في طرفي نقيض. ألا ترى أن عند عدم المحل يستحيل حلول السواد فيه، ثم إن عند وجود المحل لا يجب، وعند وجوده لا يجب، ثم إذا كان قادراً لا يجب منه الفعل، وأحد ما يتعلقون به قولهم لو جاز الفعل بقدرة متقدمة لجاز بالقدرة المعدومة، بل كان يجوز في حالة العجز، وإن أردتم به أنه يصح بقدرة كانت موجودة ثم عدمت، فلأن الفعل إنما يحتاج إلى القدرة لخروجه من العدم إلى الوجود، بل توجد في حالة وقوع الفعل، فإنه لا يحتاج إليها بل يستغنى عنها . وأما في المتولدات فأظهر، ألا ترى أن الرامي ربما يرمي ويخرج عن كونه قادراً قبل الإصابة، وأما قولهم: بل كان يصح في حالة العجز؛ وإن أرادوا به وقد تقدمته قدرة فإنا نجوزه؛ وهذا يقتضي أن ينفك لواحد منا من الأخذ والترك ويوجب أن يكلف ويخترم، وإن لم يستحق مدحاً ولا ذماً ولا ثوباً ولا عقاباً بأن لا يفعل بما فيه من القدرة شيئاً ؛ وهذا خرق الإجماع وترك الكتاب، والأصل في الجواب عن ذلك، أن لنا في هذا الباب مذهبين : وهو أنه لا يجوز خلو القادر بالقدرة من الأخذ والترك إلا عند مانع ؛ ومذهبه مفارق لمذهب هؤلاء المجبرة، فإنهم لا يجوزون ذلك البئة من حيث اعتقدوا أنها موجبة. وهو أنه يجوز خلو القادر بالقدرة من الأخذ والترك، وعلى هذا المذهب لا يلزم أيضاً . أنا متى نعلم ذلك من حاله جوزنا أن يستحق الذم وأن لا يستحق، فوجب أن يكون استحقاقه للذم، نعلم شيئاً آخر ؛ فوجب أن يكون استحقاقه للذم مصروفاً إلى أنه لم يفعل ما وجب عليه على ما نقوله، وهكذا الكلام في استحقاق المديح، فبطل ما أوردوه وسقط تعلقهم. وقد مر ما هو جواب هذا، فإنا قد بينا أن الآلات تنقسم إلى ما يجب تقدمها، وهو كل ما يكون وصلة إلى الفعل نحو القوس وغيرها ؛ وهو كل ما يتمخض محلاً، نحو صلابة الأرض وما شاكل ذلك؛ ويكون مع ذلك محلاً، فسقط كلامهم. وأحد ما يقولونه، وذلك بخلاف ما عليه المسلمون، فأما ومن المجوز انتفاؤها بأدنى تعب لفقد ما تحتاج في الوجود إليه فلا . والعجب من هؤلاء أنهم يوردون علينا مثل هذا الكلام، ومن مذهبهم أن الطريق منسدة إلى تخليص المكلف نفسه من عقاب الأبد والفوز بالنعيم السرمدي، لأنه إذا عصب الكفر بناصيته في الأزل وجرى العلم بذلك، كيف يمكنه إخراج نفسه عنه، وكيف ينفك عنه؟ فأي رغبة تثبت إلى الله تعالى والحال هذه؛ ولولا فرط جهلهم وقلة عقولهم، ألا ترى أن صحة الفعل لما كانت دلالة على كونه قادراً وجب فيها المقارنة، والأصل في الجواب عن ذلك، أن هذه الشبهة مع ركتها مبنية على أصل لا يصح، ثم لا بد من أن يتقدمه المدلول، لا بد من أن يكون نبياً حتى يدعيه، وإلا كان كاذباً في الدعوى. فلا يصح؛ وأحد ما يتعلقون به قولهم: إن القدرة لو كانت صالحة للضدين لكان لا يكون أحدهما بالوقوع أولى من صاحبه إلا بأمر ومخصص؛ كما في الجوهر، ثم لم يختص ببعض الجهات دون بعض إلا بأمر ومخصص وهو الكون، والأصل في الجواب عن ذلك، فأما وتأثيرها فيما تؤثر فيه على طريق الصحة والاختيار، ثم لا يطلب لذلك أمر زائد على كونه قادراً، كذلك في مسألتنا ؛ وهكذا فلو خير بين دينارين وهما في الجودة. فكذلك في مسألتنا . لأنه ليس بأن يختص بهذه الجهة لتحيزه أولى من أن يختص بالجهة الأخرى، إذ لا يفعل في تأثيره سوى طريقة الإيجاب، فإن تأثيره في الفعل على طريق الصحة، ففارق أحدهما الآخر. قولهم : إن القدرة لو استحال الفعل بها في الحال، أنا نعلم هذا الحكم ولا نعلله، لأنا بأي شيء عللناه فسد، فإن قبل التعليل علل، وإن لم يقبل لم يعلل . وليس يجب إذا استحال الفعل بها في الحال أن يستحيل أيضاً في المستقبل، فإنك تعلم أن الاعتماد يستحيل أن يولد في الحال ثم يصح توليده في الثاني، إما أن يكون ذلك لأمر يرجع إلى القدرة، أو لأمر يرجع إلى المقدور، فيجب استحالة الفعل منه فيما لا يزال؛ وكذلك نقول نحن. وكل من قال بأنها لا تتعلق بالضدين قال بأنها مقارنة للمقدور على ما نقوله والأصل في الجواب عن ذلك، أن هذا باطل بالعجز، حتى إن العجز عن الشيء عجز عن ضده، ومن ههنا استدل بعض مشايخنا على أن القدرة صالحة للضدين متقدمة للمقدور، إذا ثبت هذا، فلو كان العجز صالحاً للضدين والقدرة غير صالحة لهما، لكان لا يمتنع أن يطرأ أحدهما على الآخر فينفيه من وجه دون وجه، وذلك حال. وإذا صح كونها صالحة للضدين، وجب تقدمها للمقدور والإلزام وجود الضدين جميعاً . ثم يقال لهم : وكيف أجريتم المتعلقات بالأغيار مجرى واحداً مع أن الشهوة والعلم يشتركان في التعلق، ثم إن من حق الشهوة أن لا تتعلق إلا بالمدركات بخلاف العلم والإرادة، وأحد ما يتعلقون به قولهم: إن القدرة عون على الفعل، قلنا : لا نسلم أن القدرة بمجردها عون، وإذ قد صح أن العون ليس هو مجرد القدرة،