جاء في لسان العرب: «الخاطر: ما يخطر في القلب من تدبير أو أمر. ابن سيده: الخاطر الهاجس، وقد خطر بباله وعليه يخطر ويخطُر. ويقال: خطر ببالي وعلى بالي كذا وكذا يخطر خطوراً إذا وقع ذلك في بالك ودهمك. والمتأمل لقول ابن منظور يدرك أن في الخاطر بعداً عن الإعداد المسبق وتنظيم التفكير، وفيه خصوصية وذاتية مرتبطة بما يلتمع في الذهن في وقت معين، ويلتقي تعريف الخاطرة عند النّقاد مع هذه المعاني، فالخاطرة قطعة نثرية قصيرة تتولد نتيجة انفعال ذاتي عارض في موقف معين، وتعكس جانباً من ذاتية كاتبها، وتقترب من القصيدة الغنائية بما فيها من علو للمشاعر، ولقد ولدت الخاطرة في أحضان الصحافة، وعلى الرغم من أن الخاطرة تلتقي مع المقالة على صفحات الصحف، فإنها تختلف عنها من عدة أوجه نوجزها فيما يأتي: والخاطرة فكرة عارضة طارئة -2 المقالة وليدة التفكير والتأمل والتدبر، والخاطرة وليدة الانفعال والتوتر والشعور. -3 المقالة أداء واع يهدف إلى الإقناع أولاً، والخاطرة أداء انفعالي يهدف إلى والخاطرة لا شواهد فيها ولا تمثيل؛ 6 - المقالة تشغل مساحة أكبر من تلك التي تشغلها الخاطرة التي تكتفي بعمود -المقالة تتطلب وضع عنوان مناسب، 8 -المقالة يعلو فيها الفكر على العاطفة، والخاطرة تعلو فيها العاطفة على الفكر. وستجد ذلك في الخاطرة الآتية: في الربيع الأزرق4 يكاد الجالس هنا يظن وأن السماء كانت إناء له، ولَعبها، أو حللت بالجبل، َو ْهلَة من دهشة السرور بما كنت أشعر بمثله لو أن الجبل أو الصحراء أو أول إذ تُلقي النفس عليه من ألوانها، فتنقلب الدار الصغيرةُ قصراً لأنها في سعة النفس لا في مساحتها هي، وتعرف لنور ُعذوبةً كعذوبة الماء على الظمأ، ويظهر الليل كأنه معرض جواهر أقيم النهار للحور العين في السماوات، ويبدو الفجر بألوانه وأنواره ونسماتِه كأنه جنةٌ سابحةٌ في الهواء. وإذا بمشاعره تصعد نحو السموات العلا متخيلاً نفسه في صورة قد ارتقت فوق صورة البشر على الأرض. وفي الخاطرة الثانية يطلق الكاتب خياله ليرسم لوحة جميلة للبحر والسماء والصلة بينهما، وأثر البراءة والصفاء في تذوق جمالهما. أما في الرابعة فنتمتع بإحساس الكاتب المتوهج الذي انصهرت فيه عناصر من الطبيعة وكأنه جزء منها أو هي جزء منه؛ فقد تخيل البحر والصحراء والجبل تسافر إليه. وفي الخامسة تصب جداول الجمال في نفسه ماء الحياة وكذا الحال في نفوسنا لنرى كل شيء جميلاً؛ ونور النهار عذب كعذوبة الماء على الظمأ، ولعلك تلاحظ أن هذه الخواطر عارضة، لا مقدمة لها ولا خاتمة،