شهدت أوروبا قبل الحرب العالمية الأولى تحولات عميقة أعادت تشكيل ميزان القوى، ومهدت لاندلاع الصراع سنة 1914. تميزت الفترة بتشابك التحالفات العسكرية، وتفاقم التنافس الاستعماري، وتصاعد النزعات القومية، وسباق تسلح محموم، مما أدى إلى انقسام القارة لحالة احتقان دائمة. في البداية، عمل بسمارك على عزل فرنسا وتحقيق الاستقرار عبر "عصبة الأباطرة الثلاثة" (1873-1887)، وأسس "التحالف الثنائي" مع النمسا-المجر (1879) الذي تطور إلى "التحالف الثلاثي" (1882) بانضمام إيطاليا. كما أبرم "معاهدة الضمان" السرية مع روسيا (1887) لمنع تقاربها مع فرنسا. إلا أن هذه التحالفات انهارت بسبب التناقضات ورفض القيصر غليوم الثاني تجديد المعاهدة الروسية عام 1890. هذا التطور دفع روسيا إلى التحالف مع فرنسا (1894)، ففك عزلة فرنسا وبدأ بتطويق ألمانيا. لاحقًا، تخلت بريطانيا عن "العزلة المجيدة" بتوقيع "الاتفاق البريطاني الياباني" (1902)، ثم أبرمت "الوفاق الودي" مع فرنسا (1904) لإنهاء الخصومة الاستعمارية، وأخيرًا "الاتفاق البريطاني الروسي" (1907) لتسوية النزاعات الآسيوية. هذه الاتفاقيات شكلت "الوفاق الثلاثي"، لترسيخ تقسيم أوروبا إلى كتلتين متقابلتين: "التحالف الثلاثي" و"الوفاق الثلاثي". إلى جانب التحالفات، دخلت القوى الأوروبية في "سباق تسلح" بري وبحري واسع النطاق، مدفوعًا بالصناعة العسكرية وتصاعد الشكوك المتبادلة، وفشلت جهود نزع السلاح في مؤتمري لاهاي، مما زاد من وتيرة السباق. كما تفاقمت "الأزمات الدولية" المتتالية؛ فـ"الأزمات المغربية" (1905 و1911) كشفت التنافس الألماني الفرنسي الاستعماري وعززت تماسك الوفاق. أما "الأزمات البلقانية" المتتالية (1908-1913)، الناجمة عن ضعف الدولة العثمانية وصعود القومية السلافية (خاصة صربيا) وتنافس روسيا والنمسا-المجر، فقد حولت المنطقة إلى بؤرة توتر قابلة للانفجار، وعززت تصميم النمسا على سحق صربيا المتنامية. هذه العوامل المتشابكة، من تحالفات صلبة، وسباق عسكري محموم، وأزمات إقليمية متفاقمة، أدت إلى حالة احتقان دولي شامل، جعلت حادثة اغتيال ولي عهد النمسا في سراييفو سنة 1914 الشرارة التي أشعلت الحرب العالمية الأولى، مغيرًا بذلك وجه القرن العشرين.