أخلاق العرب بين الجاهلية والإسلام للعادات والتقاليد عند العرب، أثر عظيم في تنظيم حياتهم الاجتماعية، سطوة لا يستطيع الفرد أن يتخلى عنها، وقد تقوم مقام الدين أو القانون. ولكن طابع الشر والظلم والفساد في التصورات والمعتقدات كان يطغى على ذلك وكانوا بحاجة شديدة إلى نور الوحي، ويتحمل في سبيل ذلك ضروباً من المجادلة والتعب ولعلنا لا نبعد عن الصواب إذا قلنا: إن تلك المحاسن والمناقب هي من بقايا دين إبراهيم الخليل وولده إسماعيل -عليهما السلام-، بقيت بين العرب بشكل أو وهذا ما نجده في قوله - صلى الله عليه وسلم-: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» [٢] . والواقع أن القيم الرفيعة والخلال الحميدة، انتشرت بين العرب في الجاهلية عجت بها أشعارهم، وكان منها ما تحلى بها الكثير منهم. ومن أهم ما اجتمعوا عليه ثلاث: الكرم والشجاعة والغيرة. بها الكثير منهم فمنها: العفة والترفع عن الدنايا، حفظ السر والترفع عن جليس السوء. على أن القوم ساد بينهم بعض القيم الوضيعة والأخلاق الذميمة، كان منهم الخونة واللصوص والبخلاء [٣] . وسوف أستعرض - بإذنه تعالى- هذه القيم كما صورها الشعر الجاهلي موضحاً نماذج - تتسع لها صفحات المجلة - من الأخلاق السامية والذميمة. أستعرض مدى التغيير أو التعديل، أو التقويم الذي جاء به الإسلام مما ينسجم مع وأختم حديثي عن موقفنا من هذه الأخلاق، بعد تجليتها في الجاهلية والإسلام. بواعث الكرم في العصر الجاهلي: لقد تميز العرب بإكرام الضيف، الأمم، القاسية، وما فيها من إجداب وإمحال، شحيحة بالزاد وحياتهم ترحال وتجوال، فهو يقري ضيفه اليوم لأنه سيضطر إلى أن يضيف عند غيره في يوم، وثلاث ليال، فإذا انتهت المدة سقط حق الضيافة إلا إذا جدد المضيف وزاد عليها» [٤] . كان الكرم وسيلة هامة من وسائل السيادة. يقول حاتم الطائى: وما كنت لولا ما تقولون سيدا [٥] وواضع من عوالي فهو والكرام يتقون الذم ببذل القرى، ويصف لنا ذلك اللقاء: لصالح أخلاق الرجال شروق ذريني وحطي في هواي فإنني . على الحسب الزاكي الرفيع شفيق وقد حل من نجم الشتاء خفوق فقتلت له: أهلاً وسهلاً ومرحباً . فهذا صبوح راهن وصديق وكل كريم يتقي الذم بالقرى . وللخير بين الصالحين طريق لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها . ولكن أخلاق الرجال تضيق [٦] وهو يتقي الذم والقالة؛ لقد أصبح الكرم عند كثير من العرب طبعاً وسجية، أن تطلب له بعد موته. فهو يقول: أيا ابنة عبد الله وابنةَ مالك . إذا ما صنعتِ الزاد فالتمسي له . أكيلاً فإني لست آكله وحدي أخاً طارقاً أو جارَ بيت فإنني . وإني لعبد الضيف مادام ثاوياً . وما فيَّ إلا تلك من شيمةِ العبد [٧] وتفننوا في إكرامه، وتلمس الأسباب التي تدخل على نفسه السرور، ومن ذلك بسط الوجه له ومضاحكته يقول عمرو بن الأهتم: إني للكسير رفيق [٩] بل كانوا يقدمون له أشهى ما يملكون، مع إيناسهم له. قالوا: " اتمام الضيافة: الطلاقة عند أول وهلة، وإطالة الحديث عند المؤاكلة ". ولم يلهني عنه غزال مقنع وكانوا خير رفيق لصاحب الطريق، لا يختصون أنفسهم دونه بمال أو بظهر وعرف بعض الأجواد بكرمهم، وإنما قيل لهم أزواد الركب، ولم يسم بذلك غير هؤلاء الثلاثة، وهم: مسافر بن أبي عمرو من بني عبد شمس، وزمعة بن الأسود بن المطلب [١١] . ومن صدق تطبيقهم لهذا الخلق تعميم الدعوة إلى الطعام ليحضره كل من له إليه حاجة، ومن مظاهر كرمهم العجيبة هداية الضيوف ليلاً بالنار التي يوقدونها لإنضاج أو للاستدفاء، يقول