فهل يمكن الوقوف في وجه مشروع الهيمنة الحضارية الأمريكية؟ وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي للتدخُّل في شؤون العالم كله في القضايا السياسية، وبهذه الأمور مجتمعة تكون قد أمسكت بكافة الخيوط التي تضمن لها السيطرة على العالم سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا وحضاريًّا. ومنذ غدت الدولة الأولى في العالم وهي تتطلع لأن تكون الدولة التي تتفرد برسم السياسة العالمية دون منازع على غرار الدولة الإسلامية سابقًا، حتى تحقق لها هذا الأمر عام 1990م، لأن الدول والحضارات لها أعمار، فإن الغرب وفي مقدمته أمريكا ظل يبني سياساته على أساس أن الحروب الصليبية ضد الإسلام وأهله لا تزال مستمرة، وأن هذا يجعل أمريكا تقف بالضرورة إلى جانب العالم الغربي وكيان يهود. هذا ما يظهر من خلال متابعة خط سير أمريكا في تعاملها مع بلاد المسلمين، وهذا هو عين ما صرَّح به أيوجين روستو رئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية ومساعد وزير الخارجية الأمريكية، حيث قال: ‏‏«يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست خلافات بين دول أو شعوب، بل هي خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة (المسيحية)‏. يحدد روستو أن هدف الاستعمار في الشرق الأوسط هو تدمير الحضارة الإسلامية، وأن قيام كيان يهود هو جزء من هذا المخطط، مع محاولة فرض رؤيتها لحل الدولتين على الجميع. ففي أوائل عام 1990م، ذكر الصحفي دافيد هاول في مقاله الذي نشرته صحيفة واشنطن تايمز وصحيفة جابان تايمز بعنوان «تحول في مسار التاريخ» أن العدو الآن بعد اندحار الشيوعية هو الإسلام وحضارته. (مجلة العربي عدد 514، ولذلك تميَّزت مرحلة التفرد الأمريكي منذ تسعينات القرن الماضي بتقسيم العالم وتحشيده ضد البلاد الإسلامية تحت غطاء محاربة الإرهاب، فعدلت أمريكا بوصلتها على إعلان الحرب على الإسلام والمسلمين، ثم تحدَّدت عقيدة المواجهة الحضارية مع الإسلام بعد عولمة الإرهاب واستنفار الجميع لمحاربته في مقولة بوش الابن "من ليس معنا، بزعامة صانعة الإرهاب أمريكا، فهو الحيلولة دون قيام الخلافة الإسلامية التي تعيد انبلاج فجر الحضارة الإسلامية القادرة على هزيمة الغرب الصليبي وإعادته أمام العالم إلى حجمه الحقيقي، وهذا ما أشار إليه داهية السياسة الأمريكية هنري كيسنجر حيث أشار في خطاب له ألقاه في الهند بتاريخ السادس من تشرين الثاني عام 2004م في مؤتمر هندوستان تايمز الثاني للقادة "إن التهديدات ليست آتية من الإرهاب، ولكنّ التهديد آتٍ من الإسلام الأصولي المتطرف الذي عمل على تقويض الإسلام المعتدل المناقض لما يراه الأصوليون في مسألة الخلافة الإسلامية، هذا الانتباه السياسي العميق إلى صحوة الأمة وحركيتها ووعيها على ذاتها وعلى مشروعها من قبل الدولة الأولى في العالم، والذي أدى إلى التجييش الإعلامي والعسكري ضد جزء كبير من البلاد الإسلامية بزعم الدفاع عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تنشرها أمريكا بتركيز المزيد من القواعد العسكرية، سينعكس في المستقبل عليها بلا شك، ولكنه يعكس في الآن ذاته حجم الهزيمة النفسية ومدى الإفلاس الحضاري للغرب الذي خسر معركة الأفكار فانسحب في وقت مبكر من ميدان الصراع الفكري، ولم يجد من سبيل للمواجهة غير وضع المسلمين جميعًا في قفص الاتهام مع تشويه الإسلام ووسمه بالإرهاب وإعلان الحرب عليه في عقر داره، قبل أن تصل أفكاره المطابقة لواقع الإنسان إلى بلاد الغرب، بعيدًا عن الخداع والتضليل والتزييف وعن كل المغالطات التي ينسج خيوطها هذا المجتمع الدولي الرأسمالي الذي تقوده أمريكا. فلا يزيدهم ذلك إلا إشهارًا لسيوف العداء لأمة محمد عليه الصلاة والسلام، عبَّر عنها صامويل هنتنغتون في قراءته الموضوعية الشهيرة التي رد فيها على النظرة القاصرة لتلميذه فوكوياما حين اعتبر أن "الديمقراطية الليبرالية بإمكانها أن تشكل فعلًا منتهى التطوُّر الأيديولوجي للإنسانية والشكل النهائي لأي حكم إنساني"، وقد فعل ذلك مرتين". ثم يخبره بكل ثقة وكل بساطة عن مرحلة ما بعد النزاع الرأسمالي الشيوعي قائلًا: "صحيح أن جوانب من الحضارة الغربية وجدت طريقها في حضارات أخرى؛ الذي ألفه ليتوسع في مقالة له نشرتها مجلة "فورين آفيرز" حول حتمية صدام الحضارات). يمكن تلخيص مرحلة الصراع الحضاري الغربي ضد الإسلام بقيادة أمريكا في النقاط التالية: واستعْدت شعوب العالم ضد الإسلام والمسلمين، في إعلانها الحرب ضد الإرهاب، 4- هذه السياسات عمَّقت من حجم الإفلاس الفكري والحضاري في مواجهة الإسلام، في المقابل، خفت بريق الديمقراطية عالميًّا وتراجع الاهتمام العالمي بمنظومة القيم الغربية بشكل عام وضعفت الثقة بقدرة النظام الرأسمالي على حل مشاكل البشرية. تصدع جدران البناية الحضارية الغربية كل هذا المكر الغربي بقيادة أمريكا، كان قبل مرحلة "الربيع العربي" التي عزَّزت الشعور لدى الإدارة الأمريكية بقرب خروج المارد الإسلامي من القمقم، فراح قادتها يسابقون الزمن من أجل منع خروجه الحتمي المرتقب ويخمدون بكل الوسائل والأساليب تلك التحركات الشعبية الراغبة في التحرر الفعلي من ربقة الاستعمار ومن تسلط النظام الدولي بقيادة أمريكا، حيث جابت الثورات عواصم البلدان العربية رافعة شعارات الإسلام بكل وضوح ومنادية بالخلافة في بلاد الشام من منطق إسلامي عقائدي ضديد للمشاريع الاستعمارية في المنطقة، الأمر الذي جعل أمريكا تسارع إلى إيصال الإسلاميين المعتدلين إلى الحكم في أكثر من بلد من أجل إفراغ الإسلام من مضامينه؛ وذلك بالتوازي مع استغلال النسخة المشوَّهة للخلافة المعروفة اختصارًا بـ(داعش)، ثم إلى إنشاء التحالف الدولي ضد (داعش) الذي مهَّد لسطوة أمريكا على المنطقة وإشراك روسيا في أعمالها العسكرية بغطاء صليبي معلن يجهر بالعداء للخلافة فضلًا عن إشراك تركيا الملتحفة بعباءة الإسلام المعتدل وذلك بغاية وأد الثورة السورية. أفكار حول طبيعة الأمم ومسار التاريخ” والذي حذَّر فيه من تراجع الاهتمام بالديمقراطية وخسارة دعاتها في البلاد العربية. ومع ذلك، إمعانًا منها في كسر إرادة الأمة وقتل الأمل في التغيير الجذري على أساس الإسلام، في وقت يفترض فيه أن تنشغل أكثر بمشاكلها الداخلية. وبرَّرت بقاء قواتها في المنطقة بالقول إن “العراق وسوريا يشكلان خطرًا أكبر على أمريكا من أفغانستان” كما جاء على لسان بايدن. وشهدت السياسة الأمريكية انقسامًا واضحًا أحدث شرخًا حقيقيًّا داخل المجتمع الأمريكي، وهذا كله أدى إلى تصدُّع جدران البناية الحضارية الغربية التي تحرسها أمريكا، وإلى تراجع الثقة عالميًّا في المبدأ الرأسمالي وفي قدرته على توفير مناخ استثماري مستقر في الوقت الذي يتغذى فيه من صناعة الحروب والأزمات. في المقابل، تعددت الثقوب التي اخترقت هذا البناء الغربي المتآكل من الداخل؛ والشك في المسلمات الفكرية لدى الغرب، هذا هو الوضع الذي كان سائدًا قبيل أحداث “طوفان الأقصى”،