والتَّنصِير لم ينتَظِر الاستِشراق ليقوم ويُحَقِّق بعض أهدافه، وليس بالضَّرورة أن يكون قِيام التَّنصِير لتَحقِيق أهداف الاستِشراق، وكذا الحال يُقال مع ظاهرة (الاستِعمار) في علاقته بالتَّنصِير من ناحية وعلاقته بالاستِشراق من ناحية أخرى، ولن يذهب بنا الموقف من الاستِشراق والتنصير إلى الحدِّ الذي يدعونا أن نُقرِّر أنهما وجهان لعملة واحدة[33]، وبالتالي فإنه يُمكِننا القول: ولا ينتظر أن نفتَرِض أن هذا العدد كله يدخل في تعداد المُستَشرِقين؛ إذ لا يتوقَّع أن يكون هناك مُستَشرِقون بالملايين[37]. التنصير ميدانه المُحِيط الكنسي، والاستِشراق مُحيطُه الجامعات والمعاهد ومَراكِز البحوث الأكاديمية. يَهتَمُّ المُنَصِّرون بالتعليم من دور الحضانة للأطفال إلى الثانوية للفتيان، أمَّا المُستَشرِقون فخِطابهم للجامعيين والباحثين والطبقة المُثقَّفة. التنصير ذو طابع دعوي جماهيري يَهتَمُّ بالطبقات الفقيرة والأميَّة والأطفال، قائم على الجمعيات والخِطابات الوعظيَّة والدُّروس التنصيريَّة، بينما يَهتَمُّ المُستَشرِقون بإنشاء كراسيِّ التدريس في الجامعات الغربية والإسلامية، يَتحَرَّك المُنَصِّرون بشكل جماعي عبر الإرساليات التنصيرية، أمَّا المُستَشرِقون ففُرادَى لا يجمعهم غير المؤتمرات والندوات الحوارية. يَتَلقَّى المُنَصِّرون الدَّعْمَ المالي الكنسي والتبرُّعات الفردية، أمَّا المُستَشرِقون فيتلقون الدعم الحكومي الرسمي العلَنِي أو السرِّي. يَتَعامَل المُنَصِّرون مع المرأة المسلمة بواسطة الراهبات والجمعيات النِّسوِيَّة، أمَّا المُستَشرِقون فبينهم وبينها المؤلفات والنوادي الثقافية. ينشط المُنَصِّرون في نشر المطبوعات الدينية والملصقات وبعض الكُتَيِّبات، تُعَدُّ تَقارِير المُنَصِّرين مادَّة ميدانية تجريبية، في المُقابِل تُعتَبَر دِراسات المُستَشرِقين مادَّة نظريَّة تحليليَّة للحكومات الإمبريالية. يمتَلِك المُنَصِّرون القنوات التلفزيونية والإذاعات، والمُستَشرِقون عملهم مع المجلات والصحف،