تطورت نظريات الاتصال عبر التاريخ مع محاولات الباحثين لدراسة وتحليل هذه العملية ودورها في تطور وسائل الإعلام الجماهيرية. ظهرت نماذج أولية مثل نموذج ديفيد برلو (مرسل، رسالة، وسيلة، مستقبل)، ونموذج ولبر شرام الذي شمل المصدر، الترميز، المستقبل، والاستجابة، وأضاف مفاهيم كالإطار الدلالي والخبرات المشتركة. ربط ويلز التطور التاريخي البشري بعملية الاتصال، مقسماً إياها إلى مراحل: الكلام، الكتابة، الطباعة، ثم المرحلة العالمية التي شهدت بروز الإذاعة والاتصال الإلكتروني والإنترنت في نقل الأفكار عبر الحواجز الجغرافية. برزت نظرية مارشال ماكلوهان التي أكدت أن "الوسيلة هي الرسالة"، مشددة على أهمية الوسيلة في تحديد نوعية الاتصال وتأثيره، وعدم فصل المضامين عن التقنيات. قسم ماكلوهان تاريخ الاتصال إلى مراحل: التخاطب الشفهي، الكتابة، الطباعة، والعصر الإلكتروني الذي خلق "القرية العالمية" و"العولمة" بفضل تقليص الزمان والمكان، مما أدى إلى لامركزية الاتصال. وتنبأ ألفن توفلر بمستقبل الاتصال بخصائص كالتفاعلية والتحرك والعولمة، وبفرض مبادئ كاللامركزية واندماج وسائل الإعلام. مع تحول مؤسسات الإعلام في القرن الحادي والعشرين، تزايدت أهمية دراسة ديناميكياتها ودور القائمين بالاتصال والسيطرة المؤسساتية على عمل الصحفيين. وهنا برزت نظرية "حارس البوابة الإعلامية" (Gatekeeping)، التي تعود دراساتها الأولى لروستن ومانج وايت. طورها كرت لوين، موضحاً أن المادة الإعلامية تمر عبر "بوابات" تتخذ فيها قرارات حول ما يمر وما يُعدّل قبل وصوله للجمهور. أظهرت دراسات مثل تلك التي قام بها ولتر جيبر (1956) أن محرري الأخبار الخارجية يتسمون بالسلبية، ويفتقرون للتقييم النقدي ولإدراك الجمهور، وأن عملهم يتأثر بالضغوط البيروقراطية. كما كشفت دراسة وارين بريد (1955) هيمنة وسائل الإعلام الكبرى على الأصغر، مما يقلل من التنوع، وأشار إلى أن الصحف تحذف الأخبار التي تهدد النظام الاجتماعي أو معتقدات القائم بالاتصال، وأن سياسات الناشرين تشكل قيم الصحفيين بعيداً عن احتياجات الديمقراطية. تنتقل الرسالة الإعلامية في نظرية حارس البوابة عبر سلاسل معقدة، حيث تعمل وسائل الإعلام كـ"أجهزة تقوية" لإنتاج رسائل متطابقة، وتكون هي نفسها شبكات معقدة لفك الترميز والتفسير وإعادة الترميز. يعتمد عمل هذه الشبكات على واقع المجتمع، ففي المجتمعات ذات نسبة المتعلمين العالية، يزداد الاعتماد على الإعلام الجماهيري، بينما في المجتمعات البدائية أو الخاضعة للسيطرة الحكومية، يصبح الاتصال الشخصي مهماً لنقل المعلومات غير الرسمية. حارس البوابة يتحكم في نقطة استراتيجية في سلسلة الاتصال، يقرر ما يمر وكيف يمر، مع قدرة على تعديل الرسائل. أكد ماكلوهين مجدداً أن مضمون الرسائل لا ينفصل عن التكنولوجيا، وأن الوسائل تحدد طبيعة المجتمع. وصف وسائل الاتصال بأنها امتداد لحواس الإنسان، قد تكون مصدر تهديد بالاستغلال. لمواجهة ذلك، دعا إلى إحاطة الناس بالمعلومات عن الإعلام للسيطرة على نفوذه وتجنب حتميته التكنولوجية. تعد مشكلة اختلاف الظروف البيئية تحدياً في التبادل الإعلامي الدولي، مما يتطلب من الإعلاميين فهماً عميقاً لهذه المتغيرات. وقد ساهم تطور وسائل الاتصال في تحويل العالم إلى "قرية عالمية" بفضل سهولة الانتقال وتزايد المراسلات والبث الفضائي، مما أحدث تحولاً ثقافياً واجتماعياً عالمياً يتطلب وعياً من الإعلاميين. في سياق آخر، جاءت نظرية التقمص العاطفي، التي لها جذور تاريخية. عرفها ثيودور ليبس وطورها جورج ميد بأنها القدرة على تخيل الذات في ظروف الآخرين والتنبؤ بمشاعرهم وسلوكهم، وهي قدرة تعمل وسائل الإعلام الجماهيرية على تطويرها بنقل العالم الخارجي للأفراد. يُكتسب التقمص العاطفي بالتحرك المادي أو التعرض لوسائل الإعلام، وهو أساسي للاتصال. هناك نظريتان رئيسيتان: نظرية الاستدلال العاطفي (استنتاج مشاعر الآخرين من ملاحظة سلوكهم المشابه لسلوكنا)، ونظرية أخذ الأدوار (وضع النفس في ظروف الآخرين لفهم سلوكهم). يرفض الباحثون الرأي الذي ينكر وجود التقمص العاطفي، مؤكدين قدرة الإنسان على التنبؤ بسلوك الآخرين. وعندما لا يُكافأ التقمص العاطفي، قد يلجأ الفرد إما لتحريف إدراكه لسلوك الآخرين (مما قد يؤدي إلى اضطراب نفسي)، أو إلى إعادة تعريف ذاته وتكييف سلوكه (وهو حل تكيفي). افترض عالم الاجتماع دانييل لرنر أن المقدرة على التقمص العاطفي خاصية أساسية لانتقال المجتمع من التقليدي إلى الحديث. كانت تُكتسب سابقاً بالتحرك المادي، أما الآن فوسائل الاتصال الجماهيرية هي الأساس. ربط لرنر هذه القدرة بالتسلسل التاريخي للمجتمعات الغربية (تحضر، تعليم، تعرض للإعلام، تقمص عاطفي، مشاركة سياسية واقتصادية). أظهرت دراساته الميدانية أن الأفراد التقليديين يفتقرون للتقمص العاطفي بينما الأكثر تقمصاً يتميزون بالمرونة. ورأى أن الإعلام يزيد من القدرة على التحرك النفسي وتخيل المواقف غير المعتادة، مما يساعد على نمو المجتمعات وتطورها. ومع ذلك، تُنتقد استنتاجات لرنر لجهلها بالواقع الحقيقي في الشرق الأوسط واختلافه عن السياق الغربي.