نخلة على الجدول حالك، وأنت لم تشتر بعد كبش الأضحية! وأقسم لولا أني أريد مساعدتك، فإن هذه النخلة لا تساوي عشرة جنيهات". وتململ حمار حسين التاجر في وقفته، ولم يكن صاحبه قد ترجل عنه، وقد قامت وسطها النخلة الأم ممشوقة متغطرسة، تتلاعب بغدائرها النسمات الباردة التي هبت من الشمال، والحمار الأبيض اليدين يقف على حافة حافره، وكأنه قد تبرم والحق أن حُسَيْناً التاجر، بثيابه البيضاء الفضفاضة، وعباءته السوداء التي اشتراها في زيارة له للخرطوم، وعمامته من الكرب، وحذائه الأحمر الذي لم تخرج أيدي صُنّاع المراكيب في الفاشر أجود منه، وحماره الأبيض اليدين اللامع، والسرج الأحمر المدهن، والفروة البنية التي تدلت وكادت تمس الأرض، كان صورة مجسمة للكبرياء والغطرسة. ولكن شيخ محجوب لم يُجر جواباً، وكان يبدو في وقفته كالمشدوه، يرنو إلى أفق بعيد متناء، ولف ضباب الذكريات معالم الأشياء الممتدة أمام ناظري شيخ محجوب الناس والبهائم وغابة النخيل الكثة كل ذلك تحوّل إلى أشباح يتراقص في وسطها جريد نخلة وفي أقل من لمحة الطرف، استعرض الرجل حاضره أجل، ثم يُصلُّون مجتمعين، وإذ يعودون إلى بيوتهم تنضح وجوههم بالبشر والسعادة، إنه لا يملك ثوباً نظيفاً يخرج به إلى الصلاة، وليس عند زوجته غير ثوب زراقي اشتراه لها قبل شهرين، وقد نال منه البلى، وتراكمت عليه الأوساخ، وتعيد به مع صاحباتها، ومن أين له جنيهات ثلاثة يشتري بها وعاد بعقله خمسة وعشرين عاماً إلى الوراء، عندما كان شاباً أعزب، لم يبلغ الثلاثين بعد، وكان يعمل في ساقية أبيه مقابل كسوته وشرابه، ولم يكن يعرف له قيمة. مر بابن عمه إسماعيل الذي كان منهمكا يقلع الشتل؛ على أنها لا تصلح فالتقطها محجوب، ثم شق حفرة صغيرة وضع فيها النخلة، وواراها التراب وفتح لها الماء، بعد أن تلا آيات من القرآن الكريم، وردد في شيء من الخشوع : "باسم الله، لا حول ولا قوة إلا بالله"، أو حصد نبتاً، ولم ينسن أن يصب ولم يكن يملك من مالي الدنيا شروى نقير. ولا هو يدري إلى الآن كيف تمت المعجزة فهو الذي عاش أيام صباه منبوذاً، محتقراً من أهله، مجهواً من الحسان، إذ كان متهماً وأحاطت به الصبايا يهرجن بالأغاني، ولكم شعر بالعظمة والكبرياء وقتها، كل ذلك بعد غرس النخلة وحينما وصل به تيار الذكريات إلى مولدها، ترقرق في عينيه الدمع، الذي حملها إلى أقاصي الصعيد، وتعطف عليه. ليت ولدي (حسن) كان مثلها عطوفاً باراً! وعض على شفته السفلى بعنف حتى كاد يغرس أسنانه في لحمها المتهدل. حسن ابنه الوحيد سافر قبل خمسة أعوام إلى مصر، حاول الرجل أن ينساه، ويمحوه من ذاكرته، لكن زوجته كانت تبكي كلما جاشت بنفسها الذكرى، وتمثل ابنه طفلاً صغيراً، ثم صبياً يساعده في أعمال الساقية، ثم شاباً يافعاً يشب ويهجر الأهل والدار، واجتاح المحل ثم رفرف طائف من السعادة على الوجه الخشن المتجعد، عندما تذكر قطيع الضأن الذي رباه في ذات العام الذي شهد مولد آمنة، وكان قد اشترى - بعد عامين من زواجه عجلة صغيرة عجفاء، وسارت الحياة رغداً كأنما استجاب الله وغز من النخلة. لقد مات الزرع، فأغرق الرخاء، وحيا وما عاد النيل يفيض إلا بحساب ومقدار، وما كان محجوب حريصاً على ما عنده من خير، وليس عنده من مال الدنيا إلا بقرة واحدة وعنزتان، وهذه النخلة التي ظل جاهداً يحاول استبقاءها. وقطع عليه ذكرياته صوت التاجر وهو يقول له: "أيها الرجل، لم هذا السكوت؟ أجبنا بكلمة وحضر رمضان من طرف الساقية، جنيهاً ثمن معقول، خاصة وهو أحوج ما يكون إلى المال. وفجأة، فأخذ يوشوش، ويتعارك، ويتلاطم كفريق يطلب النجاة، وبدت النخلة المحجوب في وقفتها تلك رائعة أجمل من أي شيء في الوجود، وهذا قلبه لابنه في مصر. ترى . فلن أبيع تمرتي"، وقاده ذلك إلى سورة الفتح من القرآن الكريم : إنا فتحنا لك فتحا مبينا ، وأحسن لأول مرة بأن في عبارة " يفتح إنها مفتاح لمن أعسره الضيق، وأثقلت كاهله أعباء الحياة، إلى الفتح والفرج حينئذ ! وجذب التاجر عنان حماره في صلف، ثم همر بطن الحمار بكعب رجله، ستبحث غداً عمن يدايتك المال". وقبل أن ينطلق الحمار بعيداً، أبصر محجوب ابنته الصغيرة تهرول نحوه مضطربة فرحة، فأسرع نحوها يسألها الخبر: ما الأمر؟ ماذا جرى ؟ فحاولت الصبية أن تقض إليه النبأ بصوت متكسر التغ، فأبلغته أن أخاها قد أرسل لهم رسالة مع ابن بست رسالة من حسن؟ وانطلق الرجل كالمجنون لا يفكر ولا يعي ينبض قلبه معربداً بين جنبيه، وابنته الصغيرة تمسك بطرف ثوبه المشيخ،