فالجامعات يجب أن يُرصد لها في ميزانية الدولة ما يسمح لها بالنهوض بمهمتها والمضي في تحقيق رسالتها، فهي تحقق أغراضها بنفسها رائدُها طلب الحقيقة لذاتها. نجد هؤلاء جميعًا يعنون بالعلم ويقدرونه لذاته كما نجدهم يحترمون العلماء ويُجِلُّونهم ويضعونهم في الصف الأول من رجال الدولة. وبنى رأيه على عملية حسابية هي غاية ما تكون في البساطة والسذاجة في آن واحد، ومع أنني لا أعتبر وجهة نظر هذا الوزير السابق مُمثِّلة للرأي العام في مصر، إلا أنني أرى أن مجردَ وقوع مثلِ هذا الحادث في الوقت الذي تهتم فيه الأمم جميعًا بالعلم وترفع من شأنه دليلٌ على أننا لا نزال في حاجة إلى تنوير الرأي العام وإرشاده ورفعه إلى المستوى الذي يسمح له بتقدير العلم تقديرًا صحيحًا. والدولةُ لا تستطيع أن تقوم بأعباء هذه المسئوليات المتعددة إذا لم تَستعن بالعلم ونتائج تطبيق العلم. بل يجب أن نفكر في عام ١٩٤٦ بل في عام ١٩٥٠، فيتكون منها جميعًا مجلسُ أعلى للوزارة يدرس المشكلات ويضع الخطط وينظم التنفيذ. » والغرض من سفر صديقي العالِم الهندي وإخوانه هو زيارة إنجلترا وأمريكا لدراسة النظم التي وضعتها الحكومة في كل من هذين البلدين للاستفادة منها في تنفيذ النظام المقترَح في الهند. 3- البحث في إنشاء المعامل العامة والخاصة للبحوث التطبيقية أو في توسيعها وعند الاقتصاد القيام بذلك الإنشاء أو التوسيع أو المساهمة فيه. ولو أن القائمين على هذا المجلس قد قاموا بواجبهم فدرسوا المشاكل المتعددة التي واجهتنا منذ ذلك الحين ولا تزال تواجهنا في الزراعة وفي الصناعة وفي شئون الصحة العامة وفي غيرها من مرافق البلاد، فإلى جانب البحوث العلمية في الزراعة والصناعة والصحة وغيرها توجد أعمال إنشائية هي أساس تقدم العمران في كل بلد، وقد كان الاتجاه في ذلك العصر بطبيعة الحال نحو الزراعة التي كانت أساس الثروة القومية فنشأ عن ذلك في عصر محمد علي وفي العصور التالية له اهتمام خاص بمشروعات الري وصارت أمور الري ومشروعاته تشغل الجزء الأكبر من جهود وزارة كاملة هي وزارة الأشغال العمومية. ومع أن استنباط القدرة من حرارة الشمس لا يزال من الناحية العلمية في مرحلة تجريبية إلا أنني أرى أن مصر في مقدمة الأمم التي يجب أن تُعنى بدارسة هذا الموضوع إذ تزيد كمية الطاقة التي تهبط في كل يوم في صورة الأشعة على الجزء المسكون من الأراضي المصرية ومقداره نحو ٩٠٠٠ ميل مربع، تزيد هذه القدرة على قدرة المحركات الآلية في العالم كله سواء منها ما يدار بالفحم أو بالبترول أو بالريح أو بمساقط المياه، وإذا كان موضوع استنباط القدرة من حرارة الشمس لا يزال يعوزه البحث والتجريب فإن استنباط القدرة من مساقط المياه قد وصل إلى درجة عالية من درجات الإتقان الفني، فحيثما وُجد اختلاف بين منسوبي مياه على جانبي سد، أو حيثما وجدت مياه ساقطة ضد شلال أو منخفض أمكن للمهندس أن يولِّد الكهرباء بأجهزة تجمع بين النظافة والإتقان، وإنما الأمر الذي أريد أن أوجه النظر إليه هو أنه ليس لدينا نظام يُنسق بين هذه المشروعات في أنحاء البلاد المختلفة ويضع لها خطة ثابتة وسياسة تسير عليها في المستقبل على أساس علمي وبعد دراسة علمية وفنية. وإذا ذُكر استنباط الكهرباء من مساقط المياه تبادر إلى الذهن مشروع استنباط الكهرباء عند سد أسوان، وقد قُدرت كمية الحديد في هذه المنطقة بنحو ٣٠٠ مليون طن، فإذا راعينا أن مقدار الثروة الأهلية للقطر المصري عام ١٩٤٤ قُدرت بنحو ١١٠٠ مليون جنيه فإن ثمن هذا الكنز الحديدي في منطقة أسوان يمكن أن يقارَن بثروتنا الأهلية بأكملها. فقد بلغت كمية المستخرج منه من الأراضي المصرية عام ١٩٤٠ ما يقرب من مليون طن، وإن الذي يطلع على هذه الخريطة لَيدهش لكثرة عدد المناطق التي توجد فيها المعادن وتعددها؛ وناهينا بما للعلم من أثر بليغ في الصحة العامة للمجتمع، فقد قُدر أن عدد ضحايا هذا المرض عقب الحرب الماضية بلغ خمسة ملايين من الأنفس، خمسة ملايين من الأنفس يفتك بها هذا الميكروب القتَّال دون أن يستطيع الطب العلاجي أن يفعل شيئًا من أجلهم، وتقدُّم فن العلاج مبني على العلم والبحث العلمي، ثم بالمدرسة السعيدية بالقاهرة حتى تخرُّجه فيها عامَ ١٩١٤م وكان ترتيبه الثاني على القُطْر المصري. انتسب إلى دار المُعلِّمين العليا وتخرَّجَ فيها بعد ثلاث سنوات بالمرتبة الأولى؛ وأن العلماء يبنون لأنفسهم بروجًا عاجية ينصرفون وراءها إلى عملهم وينكبون على أبحاثهم لا يطلبون من المجتمع إلا أن يتركهم وشأنهم؛ وكلُّ تقدُّم في العلم أساسُه استقلالُ الفكر وابتعادُ الباحث عن كل مؤثِّر خارجي وحَصْرُه الجهدَ في طلب الحقيقة، وتقدير العلم لذاته يحتاج إلى درجة عالية من التقدم بين الأمم، » ولذلك فإن درجة التقدم العلمي للأمة تكون هي ذاتُها مقياسًا لتقدير العلم في الأمة، ففي بلدٍ كالنرويج مثلًا حيث وصل تقدُّم العلوم إلى درجة عالية، أو حسب جاههم وسلطانهم إذا كانوا من ذوي الجاه والسلطان. وتقديرُ العلم لذاته وإن كان موجودًا فعلًا عند بعض الطوائف الخاصة من المتعلمين إلا أنه لا يمكن اعتبارُه شاملًا لغيرهم من الطبقات. ذلك أنه قَسَم عدد الجنيهات التي صُرفت على تعليم العلوم على عدد الشبان الذين مُنحوا الدرجات العلمية، ثم استكثر خارجَ القِسمة واعتبره دليلًا على الإسراف! فكأنما العلم سلعة مادية قوامها الكم والعدد، ومع أنني لا أعتبر وجهة نظر هذا الوزير السابق مُمثِّلة للرأي العام في مصر، إلا أنني أرى أن مجردَ وقوع مثلِ هذا الحادث في الوقت الذي تهتم فيه الأمم جميعًا بالعلم وترفع من شأنه دليلٌ على أننا لا نزال في حاجة إلى تنوير الرأي العام وإرشاده ورفعه إلى المستوى الذي يسمح له بتقدير العلم تقديرًا صحيحًا. فنشأت طائفة من المخترعين والمهندسين هَمُّهم الاستفادة من التقدم العلمي لخدمة أغراض معينة في المجتمع. يضاف إلى ذلك أن مسئولية الدولة في هذه الأمور كلها تقتضي وَضْعَ سياسةٍ يلحظ فيها التطور من الحال إلى الاستقبال، ولأضرب لذلك مثلًا: ففي إنجلترا كان الإنتاج الزراعي متروكًا أمرُه للمجهود الفردي، لم يكن هذا الإنتاج يزيد على ثلاثة أسباع الاستهلاك، فأُنشأت وزارات ومصالح مختلفة ترمي إلى تنسيق الجهود ودَرْسِ المشاكل على أساس علمي ووَضْعِ خطط لتنمية الموارد وتوفير الحاجات، وليس الأمر قاصرًا على بريطانيا وأمريكا، على أن تَضمَّ هذه الوزارة الهيئاتِ والمصالح العلمية في الهند، فيتكون منها جميعًا مجلسُ أعلى للوزارة يدرس المشكلات ويضع الخطط وينظم التنفيذ. » والغرض من سفر صديقي العالِم الهندي وإخوانه هو زيارة إنجلترا وأمريكا لدراسة النظم التي وضعتها الحكومة في كل من هذين البلدين للاستفادة منها في تنفيذ النظام المقترَح في الهند. وقد استقر الرأي على أن يتخذ هذا العمل التخليدي شكلَ مؤسسة علمية فنية تعمل على توجيه البحوث العلمية نحو خدمة العمران، وقد نص في المادة الثانية من هذا المرسوم على أن أغراض المجلس هي: 1- البحوث العلمية أيًّا كان نوعها التي تتولاها المصالح العامة والمؤسسات الصناعية أو العلماء أو المخترعون أو الباحثون، 5- إبداء الرأي لمصالح الحكومة في كل ما يتعلق بوجوه النشاط العلمي والفني للدولة. 9- أن يذيع في الخارج ما تقوم به مصر من الجهود العلمية والفنية. فنحن في مصر قد أظهرنا عناية أدت إلى صدور المرسوم المشار إليه إلا أن هذه العناية عناية على الورق، كما نص على أن إيرادات المجلس تتكون من الاعتماد المخصص له في ميزانية الدولة ومن موارده الخاصة، ولو أن القائمين على هذا المجلس قد قاموا بواجبهم فدرسوا المشاكل المتعددة التي واجهتنا منذ ذلك الحين ولا تزال تواجهنا في الزراعة وفي الصناعة وفي شئون الصحة العامة وفي غيرها من مرافق البلاد، فالمشاكل لا تزال تواجهنا وستستمر تواجهنا بعد الحرب، فالارتجال اليوم معناه التخبط ولا يمكن أن يؤدي إلا إلى الفوضى في التفكير وفي العمل على حد سواء، فإلى جانب البحوث العلمية في الزراعة والصناعة والصحة وغيرها توجد أعمال إنشائية هي أساس تقدم العمران في كل بلد، وقد كان الاتجاه في ذلك العصر بطبيعة الحال نحو الزراعة التي كانت أساس الثروة القومية فنشأ عن ذلك في عصر محمد علي وفي العصور التالية له اهتمام خاص بمشروعات الري وصارت أمور الري ومشروعاته تشغل الجزء الأكبر من جهود وزارة كاملة هي وزارة الأشغال العمومية. فإن كان الري والمباني العامة يحتاجان إلى وزارة كاملة، فإن أمامنا اليوم من المشروعات ما هو أعظم أثرًا في ازدياد الثروة القومية من الري والمباني العامة، ومع أن استنباط القدرة من حرارة الشمس لا يزال من الناحية العلمية في مرحلة تجريبية إلا أنني أرى أن مصر في مقدمة الأمم التي يجب أن تُعنى بدارسة هذا الموضوع إذ تزيد كمية الطاقة التي تهبط في كل يوم في صورة الأشعة على الجزء المسكون من الأراضي المصرية ومقداره نحو ٩٠٠٠ ميل مربع، تزيد هذه القدرة على قدرة المحركات الآلية في العالم كله سواء منها ما يدار بالفحم أو بالبترول أو بالريح أو بمساقط المياه، وإذا كان موضوع استنباط القدرة من حرارة الشمس لا يزال يعوزه البحث والتجريب فإن استنباط القدرة من مساقط المياه قد وصل إلى درجة عالية من درجات الإتقان الفني، ويوجد في مصر مولدات للكهرباء من مساقط المياه في ثلاثة مواضع: أحدها مدينة الفيوم حيث لا تزيد القدرة المتولدة عن بضعة مئات من الكيلو واط، والمكان الثالث قناطر نجع حمادي حيث تصل القدرة إلى ٢٧٠٠ كيلو واط. وقد أنشئت هذه المولدات لا كجزء من مشروع عام يشمل الأراضي المصرية، وإذا ذُكر استنباط الكهرباء من مساقط المياه تبادر إلى الذهن مشروع استنباط الكهرباء عند سد أسوان، ويحسن بي عند ذكر مشروع توليد الكهرباء عند سد أسوان أن أذكر بعض الحقائق التي ربما خفيت على بعض الباحثين: فأولًا: لا تمس المنشآت الخاصة بتوليد الكهرباء بناء السد ذاته؛ ثانيًا: ليست هناك ضرورة توجب ربط عملية توليد الكهرباء بأية عملية صناعية بالذات، ثالثًا: إن القدرة التي تستخرج عند أسوان يمكن نقلها إلى مسافات بعيدة لتغذي محركات وآلات في مناطق أخرى غير منطقة أسوان. وهو الموضوع الذي له المكانة الأولى في اقتصاديات العالم حتى صار محورًا للسياسة الدولية، فالأمم تتنافس لتضع أيديها على الثروة المعدنية في بقاع العالم من بترول وحديد وذهب ونحاس وقصدير ونيكل وفضة ومنجنيز وفوسفات ونترات وكبريت وكروم وتنجستن وغيرها من المعادن التي هي أساس الصناعات في العالم بأسره. ففي منطقة أسوان وحدها توجد مساحة تقدر بنحو ١٠٠٠ كيلو متر مربع تُحد غربًا بالنيل وشمالًا بوادي أبي صبيرة وشرقًا بوادي علوي وجنوبًا بوادي عجاج وبخط عرض ٢٤°، فإذا راعينا أن مقدار الثروة الأهلية للقطر المصري عام ١٩٤٤ قُدرت بنحو ١١٠٠ مليون جنيه فإن ثمن هذا الكنز الحديدي في منطقة أسوان يمكن أن يقارَن بثروتنا الأهلية بأكملها. فقد بلغت كمية المستخرج منه من الأراضي المصرية عام ١٩٤٠ ما يقرب من مليون طن، يقدر ثمنها بنحو ١٠ مليون جنيه أو ما يقرب من ربع ميزانية الدولة المصرية في تلك السنة. وإن الذي يطلع على هذه الخريطة لَيدهش لكثرة عدد المناطق التي توجد فيها المعادن وتعددها؛ وفي حديث ألقيته بالراديو منذ عشرة شهور تقدمتُ بالاقتراح الآتي: وهو إنشاء وزارة تسمى وزارة الاقتصاد العلمي، وناهينا بما للعلم من أثر بليغ في الصحة العامة للمجتمع، بل إن الطب الوقائي والصحة العامة إنْ هما إلا ثمرة من ثمرات التقدم العلمي. فقد قُدر أن عدد ضحايا هذا المرض عقب الحرب الماضية بلغ خمسة ملايين من الأنفس، خمسة ملايين من الأنفس يفتك بها هذا الميكروب القتَّال دون أن يستطيع الطب العلاجي أن يفعل شيئًا من أجلهم،