واخيراً جاءَنا ، في ليلة ليلاء، كانون الثاني الاصم، فسلم بالعواصف و الصواعق وصافح بالبرود والرعود . وماهي غير ساعات قصيرة حتى وجدتني واهلي قابعين في زاوية من زوايا بيتنا وامامنا موقد فيه حطبات نحيلات تلحس ابدانهن أاسنة النار ، فتقهفة وترغرد ، وتطفر من قلوبها شرارات راقصة، ويرسب الرماد الذي تبقى منها في اسفل الموقد بلا حراكٍ. فشعرت بالملل والتذمر من جلسةٍ عائلية يمنع فيها استخدام الهاتف المحمول وهو على قيد فترٍ مني. حاولت كسر الملل بالجلوس على الكرشي الهزاز، عل النوم يسرع إلي كما كنت طفلا. وبينما واذا بالبيت يهتز بكل ما فيه من اثاث ؛ النور الكهربائي اخذ يقطع وكأننا في فيلم رعب ، وعبثاً حاولت ان اصم اذني عن سماع تكسر الزجاج ، وصراخ امي التي سارعت الى احتضاني قائلة:لا تخف، انها ثوان وستمضي يا حبيبي. " لكن ارتجافها كان يوحي بعكس ذلك !أما والدي ، فقد طلب إلينا الاسراع للخروج من المنزل فالهزة قوية ، ولم يعتد عل مثلها من قبل! لكن امي رفضت الأمر قائلة: "لم يعد هنالك متسع من الوقت للخروج . امسكت بالكرس بكلتا يدي كالقابض على سترة نجاة في الخضم، واغلقت عيني بشدة، وفي اذني همسات امي بالدعاء و الصلات. كانت لحظات ظننت انها ستكون الاخيرة، مترقباً وقوع السقف على رؤوسنا، سنقضي جميعاً فالامر محتوم ! سنعرض على شاشات التلفزة ، كما حصل في تركيا وحلب ! ستأتي فرق الانقاذ لتبحث عن جثثنا الضائعة تحت الردم. كل ذلك ارتسم في راسي على عجل، في ثوانٍ حسبتها الف ليلةٍ وليلة ، انتهى المشهد غجأة كما ابتدأ، فتحت عيني والدموع تبلل وجهي، تفقدتني امي مطمئنةً:قلت لك: ثوانٍ و ستمضي !"، اجبتها بصوت مرتجف:"هل حقاً كل هذا حصل غي ثوانٍ معدودات يا امي ؟!"اخذنا نتفقد الاضرار التي كانت -حمدًالله-بسيطة، فقد اقتصرت. ربما كان درسًا قاسيًا لي، اذا وجدتني ضعيفًا جدًا . فقد ظننت يومًا اني لا استطيع الحياة من دون هاتقي المحمول، وان امتحاناتي المدرسية ونتائجها اكبر همومي الضاغطة المخفية! لكني ايقنت ان الحياة اغلى من ذلك بكثير، وان غريزة الخوف هي اقوى الغرائز على الاطلاق فهي اقوى من غريزة البقاء. فهنيئا لمن له مأوى وعائلة تحتضنه.