### التنشئة الاجتماعية: المفهوم والخصائص والأهداف والآليات التنشئة الاجتماعية هي عملية تربوية وتعليمية وتفاعل اجتماعي مستمر، تحوّل الإنسان من كائن بيولوجي إلى عضو فاعل في مجتمعه، وتنقل التراث الثقافي والقيم الحضارية عبر الأجيال. تعرفها مارجريت ميد بأنها الطريقة التي يتحول بها الطفل إلى عضو كامل في مجتمع بشري. تتسم هذه العملية بكونها تشكيلاً اجتماعياً، تلبي الحاجات الفردية، ديناميكية ومستمرة مدى الحياة، نمواً متواصلاً وتعلمياً يشمل التقليد والتقمص، ناقلةً للحضارة، ومحققةً للتكيف الاجتماعي. **أهداف التنشئة وأهميتها:** تهدف التنشئة على مستوى الفرد إلى تحقيق نمو متكامل للشخصية، تعزيز التكيف، التمكين الديني والثقافي، الوقاية من الانحراف، تحمل المسؤولية، ونمو شامل. أما على مستوى المجتمع، فتسعى إلى تحقيق التماسك الاجتماعي، غرس الولاء، تعزيز تقدير المجتمع، تقليل العنف، مكافحة الفقر والضياع، وتعبئة الطاقات لخدمة التنمية. عناصرها الأساسية هي الفرد، مضمون التنشئة (أنماط السلوك، اللغة، القيم، المعايير)، والمؤسسات الاجتماعية. **مراحل التنشئة والنظريات النمائية:** تتعدد مراحل التنشئة ومنظوراتها النمائية. يصف بياجيه مراحل الإدراك المبكر من الإحساس بالولادة وحتى القدرة على تصور الأشياء ذهنياً. بينما يركز فرويد على المراحل النفس-جنسية (الفمية، الشرجية، الأوديبية، الكمون، التناسلية)، مبرزاً أثر الإشباع وعلاقة الفرد بوالديه في تشكيل الشخصية وتكوين "الأنا الأعلى". وهناك تصورات أخرى تقسمها إلى مراحل ذاتية ومطلقة ومرحلة التعامل المشترك. تؤكد جميعها على أن التنشئة عملية دائمة ومتجددة تتكيف مع المتغيرات. **أساليب وأنماط التنشئة:** تشمل أساليب التنشئة العملية القدوة الحسنة، المحاكاة، الموعظة والنصح بضوابط، الملاحظة والمتابعة، القصة والحكاية، والعقاب (مع التحذير من القسوة). تتنوع أنماط التنشئة لتشمل الأولية في الأسرة، التوقعية التي تهيئ لأدوار مستقبلية، النمائية التي تبني على المكتسبات، الارتجاعية حيث ينقل الصغار المعرفة للكبار، وإعادة التنشئة التي تستهدف ترميم القيم للمنحرفين. **نظريات تفسير التنشئة:** تفسر عدة نظريات عملية التنشئة: 1. **التحليل النفسي (فرويد):** يرى أن التنشئة تضبط الميول عبر استدخال معايير الوالدين وتكوين "الأنا الأعلى"، مع التركيز على المراحل النفس-جنسية، وإن انتقدت لتغليبها الجانب البيولوجي. 2. **التعلم الاجتماعي (باندورا):** تركز على التعلم بالملاحظة والنمذجة، حيث يكتسب الفرد السلوكيات عبر الانتباه، الاحتفاظ، إعادة الإنتاج، والدافعية. 3. **نظرية الدور الاجتماعي:** تعتبر التنشئة عملية اكتساب للأدوار الاجتماعية، وتتأثر بتوقعات المجتمع وقيمه، مؤكدة على أن الاكتساب معرفي وعاطفي. 4. **التفاعل الرمزي (كولي، ميد):** ترى أن صورة الذات تتكون من تصور الآخرين، وأن اللغة والرموز هي وسيط التفاعل، وتسلط الضوء على تنشئة النوع الاجتماعي وتكوين "الآخر العام". **مؤسسات التنشئة الاجتماعية وأدوارها:** 1. **الأسرة:** كجماعة ترابط بالزواج والإنجاب، تؤدي وظائف متعددة (تكاثرية، جسمية، عاطفية، خلقية، اجتماعية، عقلية، اقتصادية)، وتنقل الثقافة وتبني الضمير. 2. **المدرسة:** مؤسسة مجتمعية أساسية تحفظ الثقافة وتنقيها، توفر التفاعل الاجتماعي، وتزود بالمهارات والمعلومات، وتعد الأفراد للمستقبل. 3. **وسائل الإعلام:** بخصائصها غير الشخصية وتأثيرها المتعظم، تلعب أدواراً في الإقناع، تنمية المهارات، والتوجيه، خاصة التلفزيون والإنترنت التي توسع المدارك وتتطلب توجيهاً. 4. **الأندية والمؤسسات:** تكتشف الميول وتنمي المهارات وتعزز الانتماء. 5. **جماعة الرفاق:** تجمع أفراداً متقاربين في السن والميول، ولها أدوار إيجابية وسلبية في التشكيل السلوكي. 6. **المؤسسات الدينية:** تعلم التعاليم والقيم الأخلاقية عبر الترغيب والمشاركة، ولها وظائف روحية، نفسية، اجتماعية، واقتصادية. **القيم والمعايير: المفاهيم والتكوين والوظائف:** القيم هي مبادئ ومعتقدات أخلاقية مقبولة تحدد السلوك المرغوب، بينما المعايير هي قواعد ملموسة لتطبيق هذه القيم. الضبط الاجتماعي هو السلطة التي تضمن امتثال السلوك لها لضمان التماسك. تتميز القيم بالعمومية والإلزام، وتتكون لدى الطفل عبر التفاعل الاجتماعي ودور الأم، وتتداول عبر الأجيال. رغم ذاتيتها ونسبيتها في التفسير، إلا أن القيم الكبرى ثابتة. القيم والمعايير مصدر رئيسي للضبط الاجتماعي، حيث تشكل قمة الثقافة وتوجه أهداف المجتمع، وتضبط السلوك وتشكل الضمير. يؤثر تغير القيم على النظم الاجتماعية، وقد يؤدي تفككها، الناتج عن غزو قيم خارجية أو صراع ثقافات فرعية، إلى فوضى مجتمعية. **الضبط الاجتماعي: المفهوم، الأهمية، النظريات، والآليات:** الضبط الاجتماعي هو مجموعة العمليات والوسائل، المقصودة وغير المقصودة، التي تراقب السلوك وتضمن امتثاله للمعايير والقيم، وتقلل من الانحرافات. يتجلى في مظهرين: إيجابي (تشجيع ومكافأة) وسلبي (نواهي وعقوبات)، وضروري للتنظيم والتوازن الاجتماعي ومنع التصادم. تناولت نظريات الضبط الاجتماعي جوانب مختلفة: فروس عن تطور وسائله، سمنر عن الضوابط التقليدية (الأعراف والعادات)، كولي عن الضبط الذاتي عبر القيم، والبنائية الوظيفية عن دور النظم والقيم في التساند، وجيروفيتش عن كونه واقعاً اجتماعياً قديماً بأشكال متنوعة. تتضمن آلياته التنفيذية آليات عرفية غير مكتوبة كالتنشئة والأمثال، وآليات رسمية مكتوبة كالتنظيمات العقابية والمكافآت، وآليات مشتركة كالسخرية والشائعات. تتنوع أشكاله بين القهري (بالقانون والقوة)، والمقنع (بالتفاعلات الاجتماعية)، والمباشر وغير المباشر. ومن وسائله الأكثر انتشاراً العرف، والعادات والتقاليد، والتنشئة والتطبيع، والقانون الذي يعتبر الأداة الأوضح والأعدل والأكثر إلزاماً.