وَهِيَ الْبَاقِيَةُ الْقَائِمَةُ الرَّاهِنَةُ فِي قَوْلِهِمْ انَّ الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هُوَ اللَّهُ ، وَانَّ لِلْعَالَمِ إِلَهًا هُوَ آبٌ وَالِدٌ لَمْ يَزَلْ ، وَإِلَهٌ هُوَ رُوحُ قُدْسٍ لَيْسَ بَابَ وَالِدٍ وَلَا ابْنُ مَوْلُودٍ /وَانَّهُ قَدِيمٌ حَيٌّ خَالِقٌ رَازِقٌ ، وَصَارَ هُوَ ابْنَهَا إِلَهًا وَاحِدًا وَمُسَمًّى وَاحِدًا وَخَالِقًا وَاحِدًا وَرَازِقًا وَاحِدًا ، وَحُبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ وَوَلَدَتْهُ ، وَقَامَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ ايَّامٍ وَصَعِدَ الَى السَّمَاءِ وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ ابِيهِ . فَحَكَى قَوْلَهُمْ فِي انْ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ وَانَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ . وَهَكَذَا مَذْهَبُهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَا يَكَادُونَ يُفْصِحُونَ بِهِ ، حَتَّى انْ ارْبَابَ الْمَقَالَاتِ وَاهْلَ الْعِنَايَةِ بِهِ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ لَا يَكَادُونَ يُحَصِّلُونَ مَذْهَبَهُمْ ، وَإِنَّكَ لَتَجِدُ النُّظَّارِينَ مِنْهُمْ وَالْمُجَادِلِينَ عَنْهُمْ اذَا سَأَلْتَهُمْ عَنْ قَوْلِهِمْ فِي الْمَسِيحِ ، قَالُوا : قَوْلُنَا فِيهِ انْهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ مِثْلُ قَوْلِ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ ، وَلَا كَانَتْ مَكَّةُ وَالْحِجَازُ اذْ ذَاكَ بِلَادٌ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ هَذَا ، وَفَتَّشَ النَّاسُ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَوَجَدُوا الْأَمْرَ كَمَا قَالَ وَكَمَا فَصَّلَ ، وَمَا اكْثَرَ مَا تَلَقَّى مِنْهُمْ فَيَقُولُ : مَا قُلْنَا فِي الْمَسِيحِ انْهُ اللَّهُ ، فَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّ قَوْلَهُمْ فِي هَذَا وَأَنَّ اللَّهَ ثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ ، قِيلَ لَهُ : هَذَا غَلَطٌ عَلَى النَّصَارَى ، وَلَيْسَ قَوْلُهُمْ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ قَوْلِ الْمُسْلِمِينَ بِسَبِيلٍ ، وَإِنَّمَا يَقُولُ هَذَا مَنْ يَرُومُ الْمُغَالَطَةَ وَالْفِرَارَ مِنْ فُحْشِ الْمَقَالَةِ ، أَنَّ اللَّهَ الْوَالِدَ لَيْسَ هُوَ الِابْنَ الْمَوْلُودَ ، وَلَا يَجُوزُ انْ يَكُونَ الْأَبُ الْوَالِدُ ابْنًا مَوْلُودًا ، وَلَا الِابْنُ الْمَوْلُودُ أَبًا وَالِدًا ، وَمَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَلَيْسَ مِنْ النَّصَارَى ؛ فَانْ بُلِيتَ مِنْهُمْ بِمَنْ هَذِهِ سَبِيلُهُ أَعْنِي الْجُحُودَ لِهَذِهِ الْمَقَالَةِ الْفَاحِشَةِ فَقُلْ : إنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنَّ هَذَا قَوْلُك وَكَذَا تَخْتَارُ فَمَا يَدْفَعُك عَنْ هَذَا ؟ فَأَمَّا انْ يَكُونَ هَذَا قَوْلًا لِلنَّصَارَى فَهَذَا كَذِبٌ وَبَهْتٌ ، فَاعْلَمْ انْ هَذَا هُوَ مَذْهَبُهُمْ فِي التَّثْلِيثِ ، أَلَا تَرَى انْهُمْ يَقُولُونَ فِي تَسْبِيحَةِ الْقُرْبَانِ فِي السَّاعَةِ الَّتِي يَكُونُونَ فِيهَا خَاضِعِينَ يَتَوَقَّعُونَ بِزَعْمِهِمْ نُزُولَ رُوحِ الْقُدْسِ لِقَبُولِ فَاتُورِ الْقُرْبَانِ : لِيَتِمَّ عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمْ نِعْمَةُ الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بْنِ مَرْيَمَ وَمَحَبَّةُ اللَّهِ الْآبِ وَمُشَارَكَةُ رُوحِ الْقُدْسِ أَبَدًا الَى دَهْرِ الدَّاهِرِينَ . مِنْ بِلَادِ الرُّومِ ، وَهَذَا كَانَ بَعْدَ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِنَحْوِ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ ، جَمَعَهُمْ لِيَعْمَلُوا تَقْرِيرًا فِي ايْمَانِهِمْ يَحْمِلُونَ النَّاسَ عَلَيْهِ وَيَأْخُذُونَهُمْ بِهِ فَمَنْ أَبَى قَتَلُوهُ ، فَكَانَ تَقْرِيرُهُمْ لِهَذِهِ التَّسْيَةِ وَهِيَ أَصْلُ الْأُصُولِ عِنْدَ جَمِيعِ هَذِهِ الطَّوَائِفِ لَا يَتِمُّ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ عِنْدَهُمْ إِيمَانٌ إِلَّا بِهَا وَهِيَ : « نُؤْمِنُ بِاَللَّهِ الْأَبِ الْوَاحِدِ ، وَبِالرَّبِّ الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بْنِ اللَّهِ بِكْرِ أَبِيهِ وَلَيْسَ بِمَصْنُوعٍ ، مِنْ جَوْهَرِ أَبِيهِ الَّذِي بِيَدِهِ اتْقَنَتْ الْعَوَالِمُ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ، وَحُبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ الْبَتُولُ وَوَلَدَتْهُ ، وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لِلْمَجِيءِ تَارَةً اخْرَى لِلْقَضَاءِ بَيْنَ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ وَبِمَعْمُودِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا ، فَانَ قَالُوا : فَانَا لَا نَقُولُ انْهَا ثَلَاثَةُ آلِهَةٍ ، أَلَا تَرَوْنَ انْكُمْ تَقُولُونَ إِلَهٌ هُوَ أَبٌ وَالِدٌ حَيٌّ قَادِرٌ قَدِيمٌ عَالِمٌ خَالِقٌ رَازِقٌ ، وَإِلَهٌ هُوَ ابْنُ مَوْلُودٍ كَلِمَةُ حَيٍّ قَدِيمٍ خَالِقٍ رَازِقٍ لَيْسَ بَابٌ وَلَا وَالِدٌ وَلَا يَجُوزُ انْ يَكُونَ وَالِدًا وَلَا أَبًا ، قُلْنَا : فَهُولَاءُ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ ، فَكَانُوا كَالْمَشْبَهَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ :إِلَّهُ يَصْعَدُ وَيَنْزِلُ وَيَقْعُدُ عَلَى الْعَرْشِ ، وَالَّذِي يُمْنَعُ النَّصَارَى مِنْ اطِّلَاقِ الْقَوْلِ بِأَنَّهَا ثَلَاثَةُ آلِهَةٍ مُتَغَايِرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ وَانْ كَانُوا قَدْ اعْطَوْا مَعْنَى ذَلِكَ ، وَهِيَ مَمْلُوءَةٌ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وَتَفَرُّدِهِ بِالْقَدَمِ ، وَانَمَا هَذِهِ الْبِدَعُ ابْتَدَعُوهَا بَعْدَ الْمَسِيحِ ، فَإِنْ قِيلَ : قَدْ لَعَمْرِي صَدَقْتُمْ فِيمَا حَكَيْتُمْ مِنْ التَّثْلِيثِ ، فَإِنَّ الْمَلَكِيَّةَ تَقُولُ فِيهِ : إِنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ جَوْهَرِ ابِيهِ ، وَالْيَعْقُوبِيَّةُ تَقُولُ : حَبِلَتْ مَرْيَمُ بِالْإِلَهِ ، فَمَا عِنْدَكُمْ فِي النُّسْطُورِيَّةِ ؟ فَإِنَّهُمْ قَدْ قَالُوا فِي الْمَسِيحِ انْهُ مُرَكَّبٌ مِنْ نَوْعَيْنِ وَأُقْنُومَيْنِ « ١ » وَطَبْعَيْنِ ، وَانْ الْوِلَادَةَ وَالْقَتْلَ إنَّمَا وَقَعَتَا بِالْانْسَانِ وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ النَّاسُوتَ . قِيلَ لَهُ : لَوْ كَانَتْ النُّسْطُورِيَّةُ تَقُولُ فِي الْمَسِيحِ كَمَا يَقُولُ الْمُسْلِمُونَ لَمَا قَدَحَ ذَلِكَ فِي الْخَبَرِ وَلَا اثَّرَ فِي الْعِلْمِ لِأَنَّ التَّثْلِيثَ قَدْ وَقَعَ ، كَيْفَ وَالنُّسْطُورِيَّةُ تَرْجِعُ الَى الْقَوْلِ فِي الْمَسِيحِ الَى قَوْلِ اخْوَانِهِمْ مِنْ الْمَلَكِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ ، فَيُقَالُ لِلنُّسْطُورِيَّةِ قَدْ قُلْتُمْ إِنَّهُ إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ مِنْ جَوْهَرِ ابِيهِ ، ثُمَّ قُلْتُمْ إِنَّ لَاهُوَّتَهُ مَوْلُودٌ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَنَاسُوَتَهُ مَوْلُودٌ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ ، وَالْوِلَادَةُ قَدْ احَاطَتْ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَمِنْ كُلِّ جِهَةٍ ؛ وَايِضًا فَإِنَّكُمْ تَمْدَحُونَ الْإِلَهَ بِالْوِلَادَةِ كَمَا يَمْدَحُهُ الْمُسْلِمُونَ بِتَنْزِيهِهِ عَنْ الْوِلَادَةِ ، وَتَقُولُونَ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَالِدًا لَكَانَ عَقِيمًا ، فَلَا يَنْبَغِي انْ تُغَالِطُوا عَنْ حَقِيقَةِ قَوْلِكُمْ . ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ : اخْبِرُونَا عَنْ مَرْيَمَ هَلْ حُبِلَتْ بِالْمَسِيحِ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَوَلِدَتِ الْمَسِيحَ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَهِيَ امُّ الْمَسِيحِ فِي الْحَقِيقَةِ ؟ فَإِنْ قَالُوا : وُلِدَتْ نَاسُوتُ الْمَسِيحِ اوْ حُبِلَتْ نَاسُوتَ الْمَسِيحِ قُلْنَا : لَمْ نَسْأَلْكُمْ عَنْ هَذَا ، فَإِنَّ نَاسُوتَ الْمَسِيحِ عِنْدَكُمْ لَيْسَ هُوَ الْمَسِيحَ وَإِنَّمَا الْمَسِيحُ هُوَ اللَّاهُوتُ ، وَلَاهُوتُ الْمَسِيحِ عِنْدَكُمْ لَيْسَ هُوَ الْمَسِيحَ إِنَّمَا هُمَا مَجْمُوعُهُمَا الْمَسِيحُ ، فَانْ كَانَتْ مَرْيَمُ قَدْ وَلَدَتْ الْمَسِيحَ فِي الْحَقِيقَةِ وَحُبِلَتْ بِالْمَسِيحِ فِي الْحَقِيقَةِ ، فَقَدْ حُبِلَتْ بِالْإِلَهِ وَالْانْسَانِ وَوَلَدَتْ الْإِلَهَ وَالْانْسَانَ ، فَقَدْ تَبَيَّنَ انْ قَوْلَكُمْ وَقَوْلَ الْمَلَكِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ . وَإِنْ قَالُوا مَا وَلَدَتْ الْمَسِيحَ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَلَا هِيَ امُ الْمَسِيحِ فِي الْحَقِيقَةِ قُلْنَا لَهُمْ : فَلَيْسَ هَذَا قَوْلَ احَدٍ مِنْ النَّصَارَى وَلَا قَوْلَ الْمُسْلِمِينَ ايْضًا بَلْ هُوَ قَوْلُ الْيَهُودِ ، فَانْهُمْ قَالُوا : إِنَّ مَرْيَمَ مَا حُبِلَتْ بِهِ وَإِنْ قَالُوا : نَقُولُ هِيَ أُمُّ الْمَسِيحِ عَلَى الْمَجَازِ ، قُلْنَا لَهُمْ : لَمْ نَسْأَلْكُمْ عَنْ الْمَجَازِ ، وَاللَّاهُوتُ مَا رَآهُ النَّاسُ فَلَا يَجُوزُ انْ يُقَالَ رَأَى الْمَسِيحَ ، وَإِنَّمَا وُضِعَتْ حِينَ صَارَ الْمَلِكُ الَى هَذَا الْقَوْلِ ، وَحِينَ خَالَفَهُمْ آرْيُوسْ « ١ » الْافْصَاحَ بِالْمَذْهَبِ وَلِرَفْعِ التَّأْوِيلِ وَالْأَوْهَامِ فِي الْمَقَالَةِ . انْ الْمَسِيحَ صَارَ مَسِيحِيًّا وَإِلَهًا خَالِقًا رَازِقًا مَعْبُودًا حِينَ بَشَّرَ الْمَلِكُ امْهُ وَسَاعَةَ الْحَمْلِ بِهِ ، فَاتَّحَدَ بِهِ الْإِلَهُ فَصَارَ جَمِيعًا مُذْ ذَاكَ مَسِيحًا وَاحِدًا وَإِلِهًا وَاحِدًا ، وَلَا خَرَجَ عَنْ الْمَسِيحِيَّةِ وَالْإِلَاهِيَّةِ لَا فِي حَالِ الْحَبْلِ وَلَا فِي حَالِ الْوِلَادَةِ وَلَا فِي حَالِ النَّوْمِ وَلَا فِي حَالِ الْأَكْلِ وَلَا فِي حَالِ الْبَوْلِ وَالتَّغَوُّطِ وَلَا فِي حَالِ الْمَرَضِ وَلَا فِي حَالِ الْقَتْلِ وَلَا فِي حَالِ الْمَوْتِ ، وَأَنَّهُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ مَسِيحٌ وَإِلَهٌ وَرَبٌّ مَعْبُودٌ وَخَالِقٌ وَرَازِقٌ وَمُدَبِّرٌ . وَيَقُولُونَ : هُوَ احْيَا نَفْسَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ مُحَالٌ عِنْدَهُمْ انْ يُحْيِي الْمَوْتَى غَيْرَ الْمَسِيحِ ، وَقَدْ قَالَ فُولُوصْ « ٢ » - وَهُمْ عِنْدَهُمْ فَوْقَ الِانْبِيَاءِ وَقَدْ ذَكَرَ صَنِيعَ الْيَهُودِ بِالْمَسِيحِ : لَوْ عَلِمُوا لِمَّا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ الَّذِي لَهُ الْحَمْدُ وَالْبَرَكَاتُ ابْدَ الدَّهْرِ . فَتَأَمَّلْ مَا فِي هَذَا فَانَّهُ يُفْصِحُ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ يُعَايِنُ فَصَارَ يُعَايِنُ ، وَلَمْ يَكُنْ يُحِسُّ فَصَارَ يُحِسُّ وَيُدْرِكُ ، وَصَارَ ابْنُ الِانْسَانِ ابْنَ اللَّهِ وَوَالِدُهُ اللَّهُ ، وَهَذِهِ صِفَاتُ الْمَسِيحِ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُمْ اللَّهُ وَابْنُ اللَّهِ . قَالَتْ النَّصَارَى هَذِهِ كُلُّهَا اقَاوِيلُنَا وَفِيهَا حَقِيقَةُ مَذْهَبِنَا قَالُوا وَقَدْ قَالَ الْفَاضِلُ يَاوَانِسْ : الْمُسَاوَى لِلْأَبِ جَاءَ الَى الْعَالِمِ فِي الرَّحِمِ الْبَتُولِ ، وَهُوَ ابْنُ اللَّهِ قَبْلَ انْ يُدْعَى ابْنُ ابْرَاهِيمَ وَدَاوُد . وَقَالُوا : فَهَذِهِ حَقِيقَةُ دِينِنَا ، وَقَوْلُهُمْ : الْمُسَاوِي لِلْآبِ جَاءَ الَى الْعَالِمِ فِي الرَّحِمِ الْبَتُولِ وَكَانَ قَبْلَ انْ يَكُونُ آبَاؤُهُ ابْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَدَاوُد وَهُوَ ابْنُ اللَّهِ قَبْلَ انْ يَدَّعِيَ ابْنُ ابْرَاهِيمَ وَدَاوُد ، لِتَعْلَمَ انْ اعْتِقَادَهُمْ وَقَوْلَهُمْ انْ هَذَا الَّذِي وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ هُوَ ابْنُ اللَّهِ وَهُوَ اللَّهُ ، وَأَنَّهُ مِثْلُ الْأَبِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ عَلَى الْعَرْشِ عِنْدَهُمْ ، وَأَنَّ ابْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَدَاوُد انَّمَا صَارُوا آبَاءَهُ مِنْ قِبَلِ امِّهِ لِأَنَّهَا مِنْ بَنِي اسْرَائِيلَ ، وَأَنَّهُ كَانَ ابْنَ اللَّهِ قَبْلَ انْ يَكُونُ ابْنَ ابْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَدَاوُدَ . قَالُوا : وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَمَنْ هُوَ الْقُدْرَةُ عِنْدَ جَمِيعِ طَوَائِفِنَا : يَسُوعُ فِي الْبَدْءِ لَمْ يَزَلْ كَلِمَةً ، قَالُوا : فَذَاكَ الَّذِي وَلَدَتْهُ مَرْيَمُ وَعَايَنَهُ النَّاسُ وَكَانَ بَيْنَهُمْ هُوَ اللَّهُ وَابْنُ اللَّهِ وَهُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ . قَالُوا : وَقَدْ قَالَ يُوحَنَّا السَّلِيحُ « ٢ » : إِنَّا نُبَشِّرُكُمْ بِالَّذِي لَمْ يَزَلْ مِنْ قَبْلُ ، فَعِنْدَهُمْ انْ الْقَدِيمَ الْأَزَلِيَّ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ هُوَ الَّذِي عَايَنَهُ النَّاسُ بِأَبْصَارِهِمْ ، قَالُوا وَقَدْ قَالَ أَرْمِيَا النَّبِيُّ وَقَدْ ذَكَرَ الْمَسِيحَ وَالْبِشَارَةَ بِهِ : هَذَا الَّهُنَا وَلَا نَعُوذُ مَعَهُ غَيْرَهُ ، قَالُوا : وَقَدْ قَالَ بُطْرُسُ « ٣ » وَهُوَ بَكْرُ ايْمَانِنَا وَاصِلٌ بَيْعَتَنَا لَمَّا سُئِلَ عَنْ ابْنِ اللَّهِ لَا عَنْ ابْنِ النَّاسِ ، وَعَنْ كَلِمَةِ اللَّهِ لَا عَنْ كَلِمَةِ النَّاسِ فَقَالَ : هُوَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ النَّاسِ وَتَرَدَّدَ مَعَهُمْ ، قَالُوا : وَقَدْ خَاطَبَ النَّاسَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَرْيَمَ ، قَالَ الْاعْمَى : وَمَنْ هُوَ حَتَّى أُؤْمِنَ بِهِ ؟ قَالَ : قَدْ رَأَيْتَهُ وَهُوَ الْمُخَاطَبُ لَكَ ، قَالَ : آمَنْتُ يَا سَيِّدِي ، قَالُوا : فَمَا الَّذِي بَقِيَ مِنْ الْافْصَاحِ بِأَنَّ الَّذِي حَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ وَكَانَ فِي بَطْنِهَا هُوَ اللَّهُ وَابْنُ اللَّهِ وَكَلِمَةُ اللَّهِ . قَالُوا : وَقَدْ قَالَتْ امُّ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا – وَقَدْ دَخَلْتُ عَلَى مَرْيَمَ وَهِيَ حُبْلَى بِالْمَسِيحِ ، قَالُوا : فَمَا الَّذِي يَبْقَى فِي الْبَيَانِ فِي انْ الْإِلَهَ الْمَعْبُودَ الَّذِي هُوَ اللَّهُ وَابْنُ اللَّهِ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هُوَ الَّذِي حُبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ وَوَلَدَتْهُ . قَالُوا : وَلَمَّا عَمَدَهُ يُوحَنَّا فِي الْأُرْدُنِّ تَفَتَّحَتْ ابْوَابُ السَّمَاءِ وَنَادَى الْأَبَ : هَذَا ابْنِي وَحَبِيبِي الَّذِي سَرِرْتُ بِهِ نَفْسِي . قَالُوا : فَالْمُتَعَمِّدُ هُوَ اللَّهُ الِابْنُ ، قَالُوا : وَفِي الْبِشَارَةِ بِهِ حِينَ قَالَ جِبْرِيلُ لِمَرْيَمَ : هَا انْتِ تَحْبَلِينَ وَتَلَدَينَ ، قَالَتْ لَهُ : كَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَمَا مَسَّنِي رَجُلٌ ؟ فَقَالَ لَهَا : رَبِّنَا مَعَكَ ، وَاَلَّذِي يُولَدُ مِنْك قُدُّوسٌ وَابْنُ اللَّهِ يُدْعَى ، قَالُوا : فَقَدْ خَبَرَهَا بِأَنَّهَا تَحْبَلُ بِابْنِ اللَّهِ لَا بِابْنِ النَّاسِ ، وَاِنْهَا تَلِدُ ابْنَ اللَّهِ لَا ابْنَ النَّاسِ ، قَالُوا وَلَا نُرِيدُ بِقَوْلِنَا مَعَهَا وَمَعَ ابْنِهَا بِمَعْنَى التَّأْيِيدِ وَالنَّصْرِ وَالْمَعْوِنَهْ كَمَا يَكُونُ اللَّهُ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ ، بَلْ هُوَ رَبُّ الْأَنْبِيَاءِ وَخَالِقُهُمْ وَبَاعِثُهُمْ وَمُرْسِلُهُمْ وَنَاصِرُهُمْ وَمُؤَيِّدُهُمْ وَرُبَّ الْمَلَائِكَةِ ؛ وَلَا هُوَ مَعَهَا وَمَعَ ابْنِهَا بِمَعْنَى الْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالتَّقْدِيرِ كَمَا يَكُونُ مَعَ سَائِرِ إِنَاثِ الْحَيَوَانِ مِنْ النَّاسِ وَالْكِلَابِ وَالْحَمِيرِ وَالْخَنَازِيرِ بِالْخَلْقِ وَالصُّنْعِ وَالتَّقْدِيرِ ، وَلَكِنَّهُ مَعَهَا لِحَبْلِهَا بِهِ وَلِاحْتِوَاءِ بَطْنِهَا عَلَيْهِ ، وَفَارَقَ ابْنُهَا جَمِيعَ النَّبِيِّينَ ، فَصَارَ اللَّهُ وَابْنَ اللَّهِ الَّذِي نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ وَحُبِّلَتْ بِهِ مَرْيَمُ وَوَلَدَتْهُ وَالْمَوْلُودُ مِنْهَا الْهًا وَاحِدًا وَمَسِيحًا وَاحِدًا وَرَبًّا وَاحِدًا وَخَالِقًا وَاحِدًا مُذْ وَقْتِ بِشَارَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهَا ، بَلْ هُوَ مُتَّحِدٌ بِهِ فِي حَالِ الْحَبْلِ ، فَيَقُولُ : مَرْيَمُ حُبِلَتْ بِالْإِلَهِ ، فَيَقُولُ : مَرْيَمُ حَبِلَتْ بِالْمَسِيحِ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَوَلَدَتْ الْمَسِيحَ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَلَا أَبَ لِلْمَسِيحِ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا هُوَ ، قَالُوا : فَؤُلَاءِ يُوَافِقُونَ فِي الْمَعْنَى قَوْلَ مَنْ قَالَ [UNK] فِيهَا : إِنَّهَا حُبِلَتْ بِالْإِلَهِ ، قَالُوا : وَانَمَا مَنَعْنَا هَذِهِ الْعِبَارَةَ الَّتِي أَطْلَقَهَا إِخْوَانُنَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَلَيْنَا إِذَا قُلْنَا : حَبِلْتُ بِالْالِهِ ، إِنَّ هَذَا كُلَّهُ حَلَّ وَنَزَلَ بِالْالِهِ الَّذِي هُوَ أَبٌ ، وَلَكِنَّا نَقُولُ : حَلَّ هَذَا كُلُّهُ وَنَزَلَ هَذَا كُلُّهُ بِالْمَسِيحِ ، وَالْمَسِيحُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ طَوَائِفِنَا إِلَهٌ تَامٌّ ، قَالُوا : لَا نُرِيدُ بِأَنَّهُ مَعَنَا عَلَى مَعْنَى النَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ وَلَا مَعْنَى الْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ ، وَكَأَنْ يَكُونَ قَوْلُنَا وَقَوْلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَاحِدًا فِي التَّوْحِيدِ . قَالُوا : وَالْآبَاءُ وَالْقُدْوَةُ مِنَّا يَقُولُونَ : ابْنُ اَللَّهِ يُدْعَى ابْنَ اَلِانْسَانِ ، وَابْنُ الِانْسَانِ يُدْعَى ابْنَ اَللَّهِ ، وَآدَمُ الْجَدِيدُ هُوَ اَلْالِهُ الْأَلَمُ الَّذِي قُتِلَ وَمَاتَ. قَالُوا : وَعِنْدَنَا انْ الْمَسِيحَ قَالَ : ابْنُ الْبَشَرِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ « ١ » . وَقَالَ ايِضًا : أَنَا بِأَبِي وَأَبِي بِي ، وَالِابْنُ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا الِابُ ، وَقَالَ : انَا فِي ابِي ، قَالُوا : وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدَنَا لِلْمَسِيحِ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَعِنْدَنَا انْ الْمَسِيحَ بْنَ آدَمَ وَرَبُّهُ وَخَالِقُهُ وَرَازِقُهُ وَابْنَ [UNK] ابْرَاهِيمَ وَرَبُّهُ وَخَالِقُهُ وَرَازِقُهُ ، وَابْنُ اسْرَائِيلَ وَرَبُّهُ وَخَالِقُهُ وَرَازِقُهُ ، وَابْنُ مَرْيَمَ وَرَبُّهَا وَخَالِقُهَا وَرَازِقُهَا . قَالُوا : وَقَدْ اعْتَلَّ لَنَا مَنْ يُنَاظِرُ عَنَّا بِأَنَّ اللَّهَ وَالِدٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَانْ تُوَلَّدَ ابْنَهُ مِنْهُ كَتَوَلُّدِ ضِيَاءِ الشَّمْسِ مِنْ الشَّمْسِ وَكَتَوَلُّدِ الْكَلِمَةِ مِنْ الْعَقْلِ ، وَنَحْنُ فَمَا قُلْنَا : إنَّهُ وَالِدٌ وَلَهُ وَلَدٌ فِي الْحَقِيقَةِ بِهَذَا الِاعْتِلَالِ ، وَعَلَى انْ هَؤُلَاءِ قَرُّوا بِهَذَا الْقَوْلِ مِنْ التَّشْبِيهِ لِلَّهِ بِالْمُتَنَاسِلِينَ الْمُتَنَاكِحِينَ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ ، فَشَبَّهُوهُ بِالْمَوَاتِ وَالْجَمَادِ ، لِأَنَّ مَرْيَمَ قَدْ وَلَدَتْ الْمَسِيحَ إلَهَ الْكُلِّ وِلَادَةً صَحِيحَةً فِي الْحَقِيقَةِ مَعْقُولَةٌ ، وِلَادَةَ الْاحْيَاءِ النَّاطِقِينَ بِغَيْرِ تَنَاكُحَ وَلَا تَنَاسُلٍ ، وَمَنْ قَالَ إنَّ مَرْيَمَ مَا حَبِلَتْ بِالْمَسِيحِ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَلَا وَلَدَتْ الْمَسِيحَ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَكَذَا مَنْ قَالَ لَيْسَ الْمَسِيحُ إلَهًا فِي الْحَقِيقَةِ ، فَلَيْسَ مِنْ الْمَلَكِيَّةِ وَلَا مِنْ الْيَعْقُوبِيَّةِ وَلَا مِنْ النُّسْطُورِيَّةِ وَهِيَ الْيَدُ الَّتِي كَتَبَتْ التَّوْرَاةَ لِمُوسَى . وَتَعَالَوْا فَانْظُرُوا الَى الْإِلَهِ يَلْطُمُ وَيُضْرِبُ عَلَى رَأْسِهِ . انْ الْالهَ يَجِيءُ ، وَيُؤْخَذُ وَيُصْلَبُ وَيُقْتَلُ . قَالُوا وَلَنَا سِنْهُودْسْ قَدْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ نَحْوُ سَبْعِمِائَةٍ مِنْ الْآبَاءِ وَالْقُدْوَةِ ، وَهَذَا دُونُ مَا فِي تَسْبِيحَةِ الِايَمَانِ مِنْ الْوِلَادَةِ وَالْقَتْلِ وَالْأَلَمِ وَالصُّلْبِ وَالْمَوْتِ وَالدَّفْنِ . فَهَذَا يَرْحَمُكَ اللَّهُ كَمَا تَرَى وَتَسْمَعُ ، فَلَوْلَا انْ رَأَيْنَا قَوْمًا عُقَلَاءَ يَقُولُونَ هَذَا ، وَسَمِعْنَاهُ مِنْهُمْ حِينَ فَتَّشْنَا عَمَّا قَالَهُ اللَّهُ وَحَكَاهُ عَنْهُمْ فَنَطَقُوا بِهِ بَعْدَ الْجُهْدِ وَاخْرَجُوهُ مِنْ غَوَامِضِ اسْرَارِهِمْ ، وَإِذَا تَأَمَّلَ الْعَاقِلُ الْأُمُورَ وَفَتَّشَ وَطَالَ بَحْثُهُ وَجَهَدَ ، وَالْمَجُوسُ « ١ » عِنْدَهَا انْ الِالَّهَ غَالِبَهُ الشَّيْطَانُ وَنَزَلَ الَى الِارْضِ « ٢ » ، وَشَرْحُهَا يَطُولُ « ١ » ، وَالْمُنَانِيَةُ مِنْ الزَّنَادِقَةِ فَقَوْلُهَا فِي نَحْوٍ مِنْ قَوْلِ الْمَجُوسِ ، وَأَقَاوِيلُ الْهِنْدِ فِي الْبُدِّ مَعْرُوفَةٌ . وَهُوَ ايْضًا مَذْكُورٌ فِي غَيْرِهِ . وَكَانَ مَنْ رَحِمَهُ اللَّهُ بِخَلْقِهِ انْ سُلْطَانَ الِاسْلَامِ ظَهَرَ عَلَى الْادْيَانِ كُلِّهَا ، وَعَطَّلُوا الشَّرَائِعَ ، وَكَانَ لَهُمْ مَعَهُ مَا هُوَ مَذْكُورٌ مَعْرُوفٌ . وَكَذَا صَنَعَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ بِرِقَادِهِ وَالْقَيْرَوَانِ مِنْ ارْضِ الْمَغْرِبِ ، الَى انْ قَامَ ابُو يَزِيدَ مَخْلَدُ بْنُ كَدَادٍ « ٤ » بِمَنْ مَعَهُ وَحَارَبَهُمْ خَمْسَ سِنِينَ وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ كَمَا صَنَعَ الْأَصْفَرُ بِأَهْلِ الْإِحْسَاءِ « ٥ » ، فَمَنْ هَاجَرَ الْيْهِمْ أَمِنَ فِي إِلْحَادِهِ وَقَالَ مَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ ، فَيَا لَهَا مُصِيبَةٌ بِذَهَابِ الِاسْلَامِ وَمَوْتِ اهْلِهِ وَقِلَّةِ الْعَارِفِينَ بِهِ وَبِحُقُوقِهِ ،