خصائص حضارتنا يعرف الحضارة بعض الكاتبين في تاريخها بأنها : ( نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي ، ومتابعة العلوم والفنون. ولا طراد الحضارة وتقدمها عوامل متعددة من جغرافية واقتصادية ونفسية كالدين واللغة والتربية ، ولانهيارها عوامل هي عکس تلك العوامل التي تؤدي إلى قيامها وتطورها ، ومن أهمها : الانحلال الخلقي والفكري ، واضطراب القوانين والأنظمة ، وشيوع الظلم والفقر ، وانتشار التشاؤم أو اللامبالاة ، وفقدان الموجهين الأكفاء والزعماء المخلصين . وقصة الحضارة تبدأ منذ عرف الإنسان ، وهي حلقة متصلة تسلمها الأمة المتحضرة إلى من بعدها ، ولا تختص بأرض ولا عرق ، وإنما تنشأ من العوامل السابقة التي ذكرناها . وتكاد لا تخلو أمة من تسجيل بعض الصفحات في تاريخ الحضارة ، غير أن ما تمتاز به حضارة عن حضارة إنما هو قوة الأسس التي تقوم عليها ، والتأثير الكبير الذي يكون لها ، والخير العميم الذي يصيب الإنسانية من قيامها ، كانت أخلد في التاريخ ، وستتبعها حضارات . ليست هي مما تعنيه هذه السلسلة من أحاديثنا ، وإنما نريد قبل أن نبدأ الحديث عن روائع هذه الحضارة ، أن نتحدث عن دورها الخطير في تاريخ التقدم الإنساني ، ومدى ما قدمته في ميدان العقيدة والعلم والخلق والحكم والفن والادب من أياد خالدة على الإنسانية في مختلف شعوبها وأقطارها . إن أبرز ما يلفت نظر الدارس الحضارتنا أنها تميزت بالخصائص التالية : 1 - أنها قامت على أساس الوحدانية المطلقة في العقيدة ، هو وحده الذي يعبد ، وهو وحده الذي يُقصد ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) وهو الذي يعز ويذل ويعطي ويمنح ، وما من شيء في السموات والأرض إلا وهو تحت قدرته وفي متناول قبضته هذا السمو في فهم الوحدانية كان له أثر كبير في رفع مستوى الإنسان وتحرير الجماهير من طغيان الملوك والأشراف والأقوياء ورجال الدين ، وتصحيح العلاقة بين الحاكمين والمحكومين ، وتوجيه الأنظار إلى الله وحده وهو خالق الخلق ورب العالمين كما كان لهذه العقيدة أثر كبير في الحضارة الإسلامية تكاد تتميز به عن كل الحضارات السابقة واللاحقة ، وهي خلوها من كل مظاهر الوثنية وآدابها وفلسفتها في العقيدة والحكم والفن والشعر والأدب ، وهذا هو سر إعراض الحضارة الإسلامية عن ترجمة الإلياذة وروائع الأدب اليوناني الوثني ، وهو سر تقصير الحضارة الإسلامية في فنون النحت والتصوير مع تبريزها في فنون النقش والحفر وزخرفة البناء . إن الإسلام الذي أعلن الحرب العوان على الوثنية ومظاهرها لم يسمح لحضارته أن تقوم فيها مظاهر الوثنية وبقاياها المستمرة من أقدم عصور التاريخ ، كتماثيل العظماء والصالحين والأنبياء والفاتحين . وقد كانت التماثيل من أبرز مظاهر الحضارات القديمة والحضارة الحديثة ؛ لأن واحدة منها لم تذهب في عقيدة الوحدانية إلى المدى الذي وصلت إليه الحضارة الإسلامية . وهذه الوحدة في العقيدة تطبع كل الأسس والنظم التي جاءت بها حضارتنا ، والوحدة في الكيان الإنساني العام ، والوحدة في وسائل المعيشة وطراز التفكير ، حتى إن الباحثين في الفنون الإسلامية قد لحظوا وحدة الأسلوب والذوق في أنواعها المختلفة ، فقطعة من العاج الأندلسي ، ورابعة من المعادن الإيرانية ، تبدو رغم تنوع أشكالها وزخرفتها ذات أسلوب واحد وطابع واحد . عالمية الأفق والرسالة فالقرآن الذي أعلن وحدة النوع الإنساني رغم تنوع أعراقه ومنابته ومواطنه ، في قوله تعالى يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَلْقَلَكُمْ ) (۱) . إن القرآن حين أعلن هذه الوحدة الإنسانية العالمية على صعيد الحق والخير والكرامة جعل حضارته عقدًا تنتظم فيه جميع العبقريات للشعوب والأمم التي خفقت فوقها راية الفتوحات الإسلامية ، ولذلك كانت كل حضارة تستطيع أن تفاخر بالعباقرة من أبناء جنس واحد وأمة واحدة ، إلا الحضارة الإسلامية فإنها تفاخر بالعباقرة الذين أقاموا صرحها من جميع الأمم والشعوب ، فأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والخليل وسيبويه والكندي والغزالي والفارابي وابن رشد وأمثالهم ممن اختلفت أصولهم وتباينت أوطانهم ، ليسوا إلا عباقرة قدمت فيهم الحضارة الإسلامية إلى الإنسانية أروع نتاج الفكر الإنساني السليم . وهي لم تتخل عن هذه المبادئ قط ، وفي الأسرة . روعيت المبادئ الأخلاقية تشريعا وتطبيقا ، وبلغت في ذلك شأوا ساميا بعيدًا لم تبلغه حضارة في القديم والحديث ، ولقد تركت الحضارة الإسلامية في ذلك آثارا تستحق الإعجاب وتجعلها وحدها من بين الحضارات التي كفلت سعادة الإنسانية سعادة خالصة لا يشوبها شقاء ٤ - ورابع هذه الخصائص : أنها تؤمن بالعلم في أصدق أصوله ، وترتكز على العقيدة في أصفى مبادئها ، فهي خاطبت العقل والقلب معا ، وأثارت العاطفة والفكر في وقت واحد . وهي ميزة لم تشاركها فيها حضارة في التاريخ. وسر العجب في هذه الخاصة من خصائص حضارتنا أنها استطاعت أن تنشئ نظاما للدولة قائما على مبادئ الحق والعدالة ، مرتكزا إلى الدين والعقيدة دون أن يقيم الدين عائقا ما دون رقي الدولة واطراد الحضارة ، بل كان الدين من أكبر عوامل الرقي فيها ، فمن بين جدران المساجد في بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة وغرناطة انطلقت أشعة العلم إلى أنحاء الدنيا قاطبة . إن الحضارة الإسلامية هي الوحيدة التي لم يفصل فيها الدين عن الدولة مع نجاتها من كل مآسي المزج بينهما كما عرفته أوربا في القرون الوسطى . لقد كان رئيس الدولة خليفة وأميرًا للمؤمنين ، والتشريع للمختصين فيه ، ولكل فئة من العلماء اختصاصهم والجميع يتساوون أمام القانون ، والتفاضل بالتقوى والخدمة العامة للناس والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها ) (۱) و الخلق كلهم عيال الله فأحبهم إليه أنفعهم لعياله ) (۲) هذا هو الدين الذي قامت عليه حضارتنا ، ليس فيه امتياز لرئيس ولا لرجل دين ولا لشريف ولا لغني . قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) (۳) . إن الذي لا يؤمن بدين ولا ياله ، لا يبدو عجيبا إذا نظر إلى الأديان كلها على حد سواء ، وإذا عامل أتباعها بالقسطاس المستقيم ، ويستولي على الحكم ، و اعتزازه بعقيدته ، أو ينحرف عن سنن العدالة ، أو يحمل الناس على اتباع دينه . إن رجلا مثل هذا العجيب أن يكون في التاريخ ، فكيف إذا وجد في التاريخ حضارة قامت على الدين وشادت قواعدها على مبادئه ثم هي من أشد ما عرف التاريخ تسامحا وعدالة ورحمة وإنسانية ! . هذا ما صنعته حضارتنا وسنجد له عشرات الأمثلة فيما نذكره في أحاديثنا المقبلة . وحسبنا ان نعرف أن حضارتنا تنفرد في التاريخ بأن الذي أقامها دين واحد ولكنها كانت للأديان جميعا . هذه هي بعض خصائص حضارتنا وميزاتها في تاريخ الحضارات ، ولقد كانت بذلك محل إعجاب العالم ، ومهوى أفئدة الأحرار والأذكياء من كل جنس ودين . يوم كانت قوية تحكم و توجه وتهذب وتعلم ، فلما انهارت وقامت من بعدها حضارة أخرى ، اختلفت الأنظار في تقدير قيمة حضارتنا ، ومن مبالغ في الانتقاص منها ، هكذا تختلف أنظار الباحثين الغربيين اليوم في حضارتنا ، وما كانوا ليفعلوا ذلك لولا أنهم - وهم الذين بيدهم مقاييس الحكم وعنهم تؤخذ الآراء - هم الأقوياء الذين يمسكون بدفة الحضارة اليوم ، وإن الذين يحكم عليهم وعلى حضارتهم هم الضعفاء الذين تتطلع أبصار الأقوياء إلى استلاب خيراتهم وحكم بلادهم بشره وجشع ، ولعله هو موقف القوي من الضعيف يزري به وينتقص قدره . إلا نحن يوم كنا أقوياء ، فقد أنصفنا الناس قويهم وضعيفهم ، و استقامة ضمير ؟ . ومن المؤسف أننا لم ننتبه تماما لعصبية الأقوياء ضدنا وجورهم في الحكم على حضارتنا ، أو متعصب القومية ، حمله كبرياء القومية على أن لا يعترف لغير أمته بالفضل ، ولكن ما عذرنا نحن في تأثرنا بآرائهم في حضارتنا ؟ فيم يزري بعض الناس من أبناء أمتنا بهذه الحضارة التي ركعت الدنيا أمام قدميها بضعة قرون ؟ لعل حجة المستخفين من قومنا بقيمة حضارتنا أنها ليست شيئًا إذا قيست بروائع هذه الحضارة الحديثة واختراعاتها وفتوحاتها في آفاق العلم الحديث ، وعنصر مادي . تلك هي سنة الله في تطور الحياة ووسائلها ، ومن العبث أن تطالب الحضارة السابقة بما وصلت إليه الحضارة اللاحقة ، ولو جاز هذا لجاز لنا أن نزري بكل الحضارات التي سبقت حضارتنا ، لما ابتدعته حضارتنا من وسائل الحياة ومظاهر الحضارة ما لم تعرفه الحضارات السابقة قط ، فالعنصر المادي في الحضارات ليس هو أساس التفاضل بينها دائما وأبدا . وأما العنصر الأخلاقي والروحي : فهو الذي تخلد به الحضارات ، وتؤدي به رسالتها من إسعاد الإنسانية وإبعادها عن المخاوف والآلام ، ولقد سبقت حضارتنا كل الحضارات السابقة واللاحقة في هذا الميدان ، وبلغت فيه شأوا لا نظير له في أي عصر من عصور التاريخ ، وحسب حضارتنا بهذا خلودا . إن الغاية من الحضارة هي أن تقرب الإنسان من ذروة السعادة ، وقد عملت لذلك حضارتنا ما لم تعمله حضارة في الشرق والغرب . الثاني - إن الحضارات لا يقارن بينها بالمقياس المادي ، ولا بالكمية في الأعداد والمساحات ، ولا بالترف المادي في المعيشة والمأكل والملبس ، وإنما يقارن بينها بالآثار التي تتركها في تاريخ الإنسانية ، شأنها في ذلك شأن المعارك والممالك ، فهي لا تقارن بينها بسعة الرقعة ولا بحساب العدد ، والمعارك الفاصلة في التاريخ القديم والوسيط لو قيست بمعارك الحرب العالمية الثانية من حيث إعداد الجيوش ووسائل القتال لكانت شيئا تافها ، ولكنها لا تزال تعتبر معارك لها قيمتها البالغة في التاريخ لما كان لها من الآثار البعيدة . إن معركة كاني التي هزم فيها القائد القرطاجي الشهير ( هنيبال ، الرومانيين هزيمة منكرة لا تزال من المعارك التي تدرس في المدارس العسكرية في أوربا حتى الآن . وإن معارك خالد بن الوليد في فتوح الشام لا تزال محل دراسة العسكريين الغربيين وإعجابهم ، وهي عندنا من الصفحات الذهبية في تاريخ الفتوحات العسكرية في حضارتنا .