الحمدُ لله بارئ النَّسم وخالق الخلق من عدم, نجي نوحاً في السفينةِ من الغرقِ الذي عم, وسلَّم موسي من طغيان فرعونَ ونجاه من اليم, لا يخيبُ من قصد بابه وأمّ, ولا يندمُ من رجا ثوابه ولا يهتم, وأشهد أن لا اله إلا الله وحدهُ لا شريكَ له شهادة من آمن به وأسلم وانقاد واستسلم, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي الهادي خيرُ من حضر النوادي وأبرُّ من ركب الخوادي وفاق الليوث العوادي, قرن الله ذكره بذكره علي لسان كل ذاكر, وشَرُفت برسالته المنائر والمنابر, بُعث ومعلمُ طريق الإيمان قد عفي ونورهُ خبي فأنار ما خبي, وشيَّد منه ما عفي وشفي بكلمة التوحيد من كان علي شفي, اللهم صلي وسلم علي محمدٍ وعلي آله الأطهار الأبرار وصحبه المصطفين الأخيار ومن نهلَ من معينه الثَّر المدرار, ما ناح الشادي وحدي الحادي. يا ربِّ صلي علي النبي المصطفي ** ما غردت في الأيك ساجعةُ الرُّبا يا ربِّ صلي علي النبي وآله ** ما أمت الزوارُ مسجدَ يثربَ صلوا علي من تدخلون بهديه ** دار السلامة تبلغون المطلبَ صلوا علي من ظللته غمامة ** والجذعُ حنَّ له وناصر في الصبا يا أيها الراجون خير شفاعةٍ ** من أحمدٍ صلوا عليه وسلموا صلي وسلم عليه ذو الجلالِ ما لبي ملبٍ أو تحلل محرمُ وعلي قرابته المقرر فضلهم وعلي صحابته الذين هموا هموا. جادوا علوا ضائوا حموا زانوا هدوا ** فهموا علي الست الجهات الأنجمُ والتابعين لهم بإحسان فهم ** نقلوا لما حفظوه منهم عنهمُ. أما بعد: فنضر الله هذه الوجوه التي أحسبها فيما يرضي الله مسفرة مستبشرة ومما يسخطه باسرة متمعرة, تواردت إلي الخير توارد القطي علي منهل لا مقصرة ولا وانية ولا مغبونة سيوفٌ مأثورة تروع مغمدة ومسلولة, ففي وجهها عنوان ما بين أضلعي ورب لحاظ نائب عن تكلم, وبتحية الإسلام أحيي هذه الوجوه تحيات دونها عبير السحر وإن كان قريباً وعنبرُ البحر وإن كان غريباً فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته تحياتٍ طيباتٍ زاكياتٍ تغشاكم وتنفحُ الطيبَ في مقدمكم وممشاكم, تحياتٍ إذا زُفت أثارت أريج المسك أو ريح الخزامَ مع ضراعة إلي الله أن يزيد توفيقكم وأن يجعل السداد رفيقكم من أخٍ فخورٍ بكم شفيقٍ عليكم يرجوا أن يكون نصحهُ لكم هدي وشانئكم لكم فدي فما ضائت بغيركم الليالي ** ولا تمت بغيركم الأمورُ تميدُ بحسن لقياكم صدور ** وتفتر المباسم والثغورُ ويشتاقُ الفؤاد إلي لقاكم ** فتغشاه المسرة والحبور وليس يقاس حبكم بشيءٍ ** وهل وشلٌ تقاس به البحور خطبتم حسان العُلي فتية ** وسقتم لها الغالي المدخر فهل من يبلغ عنا الأصول ** بأن الفروع اقتدت بالسير محي ظلمة اليأس صبح الرجا ** بكم أيها الفلق المنتظر أيا رب أيا رب عاملنا بلطفك ** إننا نري بجميل الظن ما أنت فاعل أعذنا من الأهواءِ والفتن التي** أواخرها توهي القوي والأوائل وحبب إلينا الحق واعصم قلوبنا ** من الزيغ والأهواء يا خير عاصم معشر الإخوة لا يخفاكم أنه ثبت بالنقل أنَّ الشيطانَ قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب, لكنه يسعي في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتن كما صح في مسلم من حديث جابر رضي الله عنه وأرضاه, وجزيرة العرب هي جزيرة الإسلام بكعبتها المشرفة ومدينتها النبوية مهبطُ الوحي ومحضن الإسلام وقبلة المسلمين ومهوي أفئدتهم تتعرض لأخطرِ مرحلة مرة بها منذ أن جمع الله شملها بالإسلام من تربص يهودي صهيوني رابض في فلسطين الجريحة شمالها, وتربص نصراني صهيوني قد تدخل في العراقِ شرقها مشرئباً لها, إلي تسربٍ لأهل الأهواء المنافقين في بعض مساربها, إلي أحداثٍ داخلية مرفوضة تخلخل تماسكها وتهدد وحدتها وتسهل علي المتربصين بها في الخارج مَهَمة اجتياحها, زادت طينها بِلَّة ومرضها علة والله يكلؤها وإيانا بمنه, وعلي هذا معشر الإخوة فإن استقرارها مسؤولية كل مسلم يحمل بين جنبيه قلباً ناصحاً للمسلمين ووحدتها علي الحقِ وحدةٌ للمسلمين وقوتها في مواجهة الباطل قوةٌ لجميع الموحدين وهذا يتطلب من كل ذي عقلٍ ودين أن يبرأ من استباحة حِماها وهدر حرماتها, وأن نوفر كل قطرة دم وقطعة نقد وخلجة نفس وخفقة قلب وحركة ساعد لمواجهة العدو الحقيقي الصهيوني الصليبي الذي يتأهب للانقضاض عليها وهي آخر حصنٍ يمكن أن يستعيدوا المسلمين فيه عافيتهم ويستأنفوا مسيرة دعوتهم كفَّ الله بأسهم ولم يجعل بأسنا بيننا بل بينهم ويتحتم أن نعلم أنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله ونعملَ في ضوء ذلك علي هُدي الله أقول هذا والأمة اليوم بعمومها تمر بمرحلة عصيبة حرجة وخطوبٍ شديدة فها هي المجازر والفظائع والفجائع والفضائح صيحاتٌ ولوعات آهاتٌ وأناتٌ وصرخات, مساجد تُهدم علي المصلين وبيوتٌ تدك علي الآمنين في فلسطين والرافدين بل في غالب بلاد المسلمين تلك الفجائعُ لو يمر حديثها ** بوليدِ قومي شاب قبل المحملِ في عالمٍ يقف مع الظالم يُشير ويبارك ويُعين ويُشارك قد يممته المخازي فهي نازلةٌ منه ** بحيث تلاقي اللؤم والذامُ كأنما أنفه من طول سجدته ** في حانة الغدر حرفٌ فيه إدغام تداعوا عليها فصارت كأنها قصعاتٌ طاب مأكلها وقد تداعت علي أصنافها الأممُ ثم ابتليت أخري بمسوخٍ في كل محنة يبرزون يُكثرون النعيق ويتابعون النهيق في ضجيج وعجيج يغسلون النجيع بالرجيع رِيحهم رِيحُ كلابٍ هارشة في يوم طل, يدفعونها للانغماس في مستنقع عدوها بمُره وشره لأنهم عبيدهُ والعبد وما ملك لسيده. حاروا عليها أغوي من غوغاء الجراد بل كانوا كذئب السُوء لما رأي دماً بصاحبه يوماً أحال علي الدمِ, رموها بسهام من قوسٍ واحدة فأصابوها في مقاتل عدة في حدة ولو أنه رمحٌ إذاً لاتقيته ** ولكنه رمحٌ وثانٍ وثالثُ ولم تزل الأحداث تتابع والصراعُ ينتقل من طورٍ إلي طور وهي كأدوات التصدير يسبقها حرف الجر فلا يعمل فيها فإنك لو رأيتَ عبيد تيم ** وتيماً قلت أيهما العبيد ويقضي الأمر حين تغيب تيم ** ولا يستأمرون وهم شهود أقامت دليلاً لا يكذب علي أنها لم ترث من قبيلة امرئ القيس إلا الخلقَ الذي مدحها بها الشاعر فقال: وأمثل أخلاق امرئ القيس أنها ** صِلابٌ علي طول الهوان جلودها فهي نائمة ملئ جفونها لم تتمثل من سنن الله إلا أنه جعلَ الليل لباساً بُحَّ الحادي يا حادي الركبِ هل في القوم يقظانُ ** لبي الجمادُ وما لبَّاك إنسانُ لو كان صوتك في الصحراءِ أعشبها ** وصار للصخرات الصم آذان فلا الأذان أذانٌ في منائرها ** إذا تعالي ولا الآذان آذان تضارب بلا ربح وفي بهيم الليل لا تبحث عن صبح شعر عدوها بخلو غابها من أشباله وميدانها من أبطاله فتجرئوا, حفظوها شعراً بلا روي وفكرة بلا روية فأخذوها ارتجالاً حسبوها عمدة في التركيب الأممي فألفوها مفاعيل وأحوالاً فأعربوها إعرابَ الفضلات وعاملوها معاملة المُهملات راضوها علي المهانة حتى لان جانبها فصاروا لا يبالون برضاها ولا يأبهون لسخطها علموا أن غضبتها غضبة عاجزٍ لا تبكي ولا تنكي أخني الوهن علي الفنن أبدله صاباً بمن, يشهد بذلك الواقع والتاريخ والخبر صارت كلفظةِ شاعرٍ يُؤتي بها ** لضرورة الأوزانِ في كلماته وما ظلمهم الله فقد قضي الله (إنَّ الله لا يُغِّيرُ ما بقومٍ حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم ) ويميناً برة لا حنث فيها ولا تأويل لو أن الأمة فَهِمَتْ القرآن علي حقيقته وقامت بحقوقه كما جاء بها رسوله صلي الله عليه وسلم واستثمرت العقول المهتدية المنيرة بهداة لكانت شمساً لا تحجبها الغرابيل ترفع الإشكال وتزهق الأباطيل, لكنها حادت فعوقبت بما كسبت فعلي نفسها جنت دائُنا فينا ولو أنَّا اعتصمنا ** بكتاب الله ما استفحل دائنا ومع ذا فما زالت الرصافة منبت حصافة وما فتئنا نلمح وراء كل داجيةٍ نجم يُشرق ونسمع بعد كل خفتة صوتاً يخرِق يهدي الحائر إلي مخرج. فإن رمي الليل بظلمائه ** فوق الروابي واعتزي بالرياح وصار كهفاً مرعباً مظلماً ** فبشر الدنيا بنور الصباح وعليه فإن علة العلل في الضعف والوهن هي ضياع الحقوق وعلي رأس الحقوق المضيعة توحيدُ الله ووالله لطلوع الشمسِ من مغربها وانصباب ماء النهر في منبعه أقرب من رجوع المسلمين إلي سالف عزهم ما دام فئام منه يقفون بين يدي أهل القبور بلا نكير كما يقفون بين يدي العزيز الغفور والتمسوا الحاجات من موتاهم واتخذوا إلههم هواهم لأن الله قضي ولا راد لما قضي (وليبدلنَّهم منْ بعدِ خوفهم أمناً يعبدونني لا يُشْركُون بي شيئاً). الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن ). فيا شديد الطول والإنعام ** إليك نشكوا محنة الإسلام ومما ضُيِّعَ من الحقوق محبة رسول الله صلي الله عليه وسلم فقد شوهت بين غلو الغالي وجفاء الجافي وهي نص حديثنا الآتي: بتنا علي ظمئٍ وفينا المنهل ** وحي النبوة والكتاب المنزل والداء منا والطبيبُ أمامنا ** يَصِفُ الدواء لنا ونحن نعطل لهذا كانت هذه الكلمات بعنوان: نفحُ الطيب في محبة الحبيب حداني إليها حُبُّ رسول الله صلي الله عليه وسلم ومن أحبَّ شيئاً أكثر ذكره وأفاض وأطنب كيف وقد حكم أن المرء مع من أحب إني أري حبَّ النبي عبادةً ** ينجوا بها يوم الحساب المسلم لكن إذا سلك المحبُ سبيلهُ ** متأسياً ولهدية يترسم إنها لُمعٌ نقدمها لمن أحبَّ رسول الله فأحب هديه وسنته تقولُ له عضَّ علي هديه واقف أثره كالنعت يتبعُ دائماً منعوته ** في وضع صيغته وفي حركاته، إنها ندبة تفجع تقول وا ضيعتاه أتصبحُ محبةُ رسول الله صلي الله عليه وسلم عند فئة حيدة عن دينه. كيف لا أدري لماذا ربما ** أني يوماً عرفت السبب عالم يدعوا بدعوي جاهل ** وليوث الحرب ترجوا الأرنب إنها وخزة لعلها تثير الإحساس عند أدعياء المحبة من رأسُ مالهم التدجيل والأباطيل من أحكموا الحيلة علي العامة فخدروهم وزعزعوا عقيدتهم وأفسدوا فطرتهم وأضلوهم ثم أذلوهم أرادوهم أن يعبدوهم من دون الرحمن وهو ما يئس منه الشيطان لصوصٌ ويزيدون علي اللص وما يزيدون إلا في النقص أنهم يتلصصون باسم الدين فنسبتهم إلي المحبة والسنة كنسبةِ عمرو الذي قال فيه الشاعر: إرفق بعمرو إذا حركت نسبته ** فإنه عربي من قوارير لا جرم أنهم أدعياء من قوارير لا يحسن أن يرفق بمثلهم علي النحو الذي دعي له الشاعر الهازئ فعمرو ما ضرَّ أحداً بادعائه النسبة العربية أما هؤلاء فضروا بل أضلوا ثم أذلوا فمن الرفق بالأمة وبهم أن تكسر القوارير لينكسر معها الضلال والإضلال يا غافلاً حتى متى تتوهم ** والفعل يفضح ما تقول وتزعمُ إنها صيحة تقول يا مسلمون لسنة الهادي ارجعوا ** واسترشدوا بدروسها وتعلموا هل ضيع الإسلامَ إلا قائل ** أفعاله تنفي المقال وتهدم وهي كذلك شجاً في حلق كل مغرضٍ أفَّاك يرمي من أرسله الله للناس رحمه بالجفاءِ والقسوة والإرهاب والغلظة هولٌ هائل وقولٌ لا تسعه لهاة القائل فويل لهم من وصفهم أشرف الورى ** بما اختلقوا من عندهم والتزعم وهل أنكروا إلا فضائل جمة ** وهل يبصر الخَفَّاشُ والنور ساطعُ كلمات لذلك الموتور الشعرور حامل لواء حملة مليون ضد محمد صلي الله وسلم علي نبينا محمد تقول له قع أنت ومن معك أو طيروا فإنا نعرفُ قدر نبينا ونحنُ له فدي ومعه علي الهدي ولو في سمِّ الخياط أو علي مثل حدِّ الصراط كلمات عبَّر عنها أولنا ويقولها أخرنا وماتَ عليها سلفنا ويلقي عليها الله خلفنا بإذن ربنا وحسان إمامنا فإن أبي ووالدهُ وعرضي ** لعرضِ محمدٍ منكم وقاء نقولها إنذاراً ونقسم لو أنَّ دعواك شخصاً تمثلت لصبت عليك اللعن ثم اضمحلت وهل ينفعُ الإنذار من ضاع عقله وما معه إلا صورة اللحم والدم إنَّ رسول الله صلي الله عليه وسلم سماء ووالله وتالله وبالله لو تحولت أنت ومعك رعاعُ الأرض إلي زبالين لتغبروا علي السماء لبقيت السماءُ هي السماء صافيةً متلألئة ثم لم يرجع الغبارُ إلا علي رؤوس من أثاروه فمت بغيظك ومن معك إنَّ زكاه وكفاه زكي هديه ونطقه وعلمه وفؤاده وبصرهُ وخلقه وشرح صدره ورفع ذِكره ووضع وزره أبي الله إلا رفعهُ وعلوهُ ** وليس لما يعليه ذو العرشِ واضع