بمراجعة تاريخ توفيق الحكيم المتصل اتصالاً وثيقًا بإنتاجه الأدبي، يتضح لنا أن نزعتهالفنية قد استيقظت في نفسه منذ حداثته الأولى، وغالَبت جميع العقبات التي قامت فيسبيلها، فتوفيق وُلِد بالإسكندرية سنة ١٨٩٨ في رأيالمؤرخين لحياته، ومن أب مصري كان يعمل وكيلًا للنائب العام، وكانت هذهالأسرة ميسورةَ ِّ الحال تحرص على أن تنشئ ابنهَا تنشئةً علمية، فأخذت تعُِده لكي يتبعخطوات أبيه في السلك القضائي الذي كان ولا يزال يتمتع بوجاهة اجتماعية خاصة فيمجتمعنا العربي؛ ولذلك ألُحِق »توفيق« بعد إتمام تعليمه العام بمدرسة الحقوق، وحصلعلى ليسانس القانون في سنة ٤٢٩١، ولكنه لم يكن شغوفًا بدراسة القانون قدرَ شغفهبالفنون الأدبية وبخاصة فن المسرح، وكان أبواه يعترضان على هذا الاتجاه أعنف الاعتراض، َّ وبخاصة بعد أن تحرر من رقابة والدَيهْ القاسية بانتقاله إلىالقاهرة حيث توجد مدرسة الحقوق، وتقرير الحكم النيابي الديمقراطي فيها. َّ وقد صور توفيق الحكيم هذه المرحلة من حياته وحياة جيله في قصته الكبيرة »عودةالروح« سنة ٣٣٩١، َّ ومع ذلك فإن القصة لم تكن الفن الأدبي الذي استهوى توفيق الحكيمفي أول الأمر وفي حداثته المبكرة، بل كانت المسرحية التي أخذ يكتبها منذ سنة ٨١٩١، وكانالاتجاه الأدبي والفني عندئذٍ وفي ظل الروح الوطنية يدعو إلى ربط الأدب بالحياة ومشاكلهاالراهنة، أو الترويح عن الجمهور من هموم العصر؛ ولذلك نرى توفيق الحكيم يبدأ إنتاجَهالأدبي بمسرحيةٍ رمزية يسَخر فيها من الإنجليز المحتلين بعنوان »الضيف الثقيل«، وهيمسرحية لم نعثر على نصها؛ ولكن توفيق الحكيم نفسه يعطينا عنها فكرة في المقدمة التي كتبهالمجلده الكبير »مسرح المجتمع« فيقول: إنها ترمز إلى معنى الاحتلال في صورة عصرية انتقادية، فقد كانت تدور حولمحامٍ هبط عليه ذات يوم ضيفٌ ليقُِيم عنده يومًا، وكان المحامي يتخذ من سكنه مكتباً لعمله، فما إن يغفل لحظةً أو يتغيَّ ب ساعة، ومعنى ذلك هو أن توفيق الحكيم قد استخدم الرمز ليعالج قضية كانت تحزب قومهعندئذٍ، ولكن كتابته لهذه المسرحية الرمزية تدل قطعًا على انفعاله بأحداثعصره الكبرى واستجابته لها؛ أيْ إن نظرته إلى رسالة المسرح كانت نظرةَ المستجيبلأحداث الوطن المحلية وقضاياه الكبرى، ولا أدل على ذلك من أن نراه ي ُّ مَد رسالةَ المسرحإلى القضايا الاجتماعية الراهنة أيضًا، فيكتب لفرقة عكاشة سنة ١٩٢٣ وهو لا يزال طالباًبكلية الحقوق مسرحيته الثانية »المرأة الجديدة«، التي نشرها في سنة ١٩٥٢ مع مسرحية»جنسنا اللطيف« ومسرحية »الخروج من الجنة« ومسرحية »حديث صحفي« في مجلدواحد، وهو يعالج فيها قضيةاجتماعية كانت حِ َّ د َّ تها قد خفت عندئذٍ، وبخاصة بعد خروج المرأة المصرية سافرةً إلىمجال الكفاح الوطني العنيف، ومع ذلك يلوح أنها كانت لا تزال موضعَ جدلٍ بين فئاتالمجتمع المصري المختلفة، ونعني بها قضية السفور التي يقف منها الحكيم موقفًا رجعيٍّامحافظًا، ولكنه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بموقفه من المرأة بوجه عام، وهو موقف شغل قدرًاكبير َّ اً من اهتمام الحكيم ومن إنتاجه المسرحي مما يتطلب أن نفُرِد له فيما بعدُ فصلًا ولما كان جمهور المسرح لا يزال شغوفًا بالمسرح الغنائي شديدَ الإقبال عليه، فقداستجاب توفيق الحكيم في تلك المرحلة الأولى من حياته الأدبية إلى رغبة الجمهور ورغبة فكتب أيضًا مسرحيةً بعنوان »علي بابا« كُتِبت بعض أجزائها فيصورة زجل عامي، ومن هذه المسرحيات الثلاث التي ابتدأ بها توفيق الحكيم إنتاجَه الأدبي، وثالثتهما تتخذ الطابع الغنائي الذي كان الجمهورلا يزال متعلقًا به. والواقع أن توفيق الحكيم كان غارقًا عندئذٍ وسط بيئة المسرح المصري، فلم يرَ الوالدان خيراً لابنهما من أن يبُعِداه عن هذاالوسط، بل عن مصر كلها بإرساله إلى باريس لمواصَلة دراسة القانون بجامعتها والحصولعلى درجة الدكتوراه، ولكن توفيق الحكيم خيَّ َّ ب ظن والديه هذه المرة أيضًا، وبدلاً من أنيدرس القانون انصرف إلى الأدب والمسرح وخالَطَ الأوساط الأدبية والفنية في باريس، فساقه طموحه الأدبي المستيقظ نحو الارتفاع بأدبه عنمستوى الملابسَات السياسية والاجتماعية العارضة، وعن مَطالِب جمهوره العاجلة، لكييتجه نحو الأدب الإنساني العام الذي تمثَّ ل في مسرحياته الذهنية التي تعُتبَر نقطةَ الانطلاقفي مجده الأدبي. ِّ وأحس والداه أن ابنهما لم يغير في باريس الاتجاهَ الذي سلكه في مصر، وعمل توفيق الحكيم بعدعودته من باريس وكيلًا للنائب العام في المحاكم المختلطة في الإسكندرية لمدة عامين منسنة ١٩٢٧ إلى ٩٢٩١، وفي تلك الفترة لم يتُحَ للحكيم الاتصال بالشعب المصري عن قربُّ وتعرف مشاكله، باعتبار أن عمله عندئذٍ كان مقصورًا على الجاليات الأجنبية المستوطنةفي مصر، والمتمتعة بالامتيازات التي جعلتها لا تخضع للقوانين والنظم الأهلية، وإنما استطاع توفيق الحكيم أن يتصل بالشعبالمصري ومشاكله بعد أن انتقل سنة ١٩٢٩ من القضاء المختلط إلى القضاء الأهلي، الذيعمل فيه لمدة أربعة أعوام وكيلًا للنائب العام في مدن طنطا ودمنهور ودسوق وفرسكور، الملاحظات التي جمعها في نفس الفترة في كتابٍ له صدر سنة ١٩٥٣ باسم »ذكريات فيالفن والعدالة. وفي سنة ١٩٣٤ انتقل توفيق الحكيم من السلك القضائي إلى وزارة المعارف العموميةليعمل بها مديرًا للتحقيقات، وظل يعمل في هذه الوزارة حتى نقُل منها إلى وزارة الشئونالاجتماعية عند إنشائها في سنة ٩٣٩١، وتولى في هذه الوزارة وظيفة مدير مصلحة الإرشادالاجتماعي، حتى لنراه يحُاكَم تأديبيٍّا لإهماله شئون الوظيفة، ويحُكَم عليه بخصمنصف شهر من مرتبه، التي نشر بها سلسلة من المسرحيات الاجتماعية التييخُيَّ ل إلينا أن مقتضيات الصحافة قد دفعته إليها دفعًا. وظل توفيق الحكيم يعمل فيهذه الصحيفة حتى عاد إلى الحكومة في سنة ١٩٥١ مديرً ٍّا عاما لدار الكُتب، وإلى هذهالفترة ترجع سلاسل المقالات التي جمعها فيما بعدُ في كتابٍ باسم »تأملات في السياسة«و»حماري قال لي« و»شجرة الحكم«، وعندما أنُشِئ المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب سنة ٦٥٩١، حتى كان عام ١٩٥٩ حيث عُ ِّ ين مندوباًمقيمًا للجمهورية العربية المتحدة لدى اليونسكو في باريس.