وذلك لأن “جميع السلطات السياسية التي ظهرت في أرض الإسلام منذ عام 632 م كانت قد نسبت نفسها إلى تعاليم القرآن والنبي وادعت المسؤولية العليا في حماية هذه التعاليم، هي التي تصدت للأفكار الفلسفية الناتجة عن كتابات أهل المنطق والكلام، حيث رغبت في وقف هذا الانفتاح وإعادة الإسلام إلى ما تقول إنها أصوله، وإبقاء مقاليد الحكم والسيطرة في معظم شؤون الحياة العامة في يديه، وأصبح فكر المعتزلة العقلاني أهم قسمة تميزت بها الحياة الفكرية يومئذ في الإمبراطورية العربية الإسلامية، يوم كانت بساطة البيئة وفقر المجتمع يجعل النصوص والمأثورات كافية في الهداية والرشاد واليقين، بل لقد رأت السلفية أن صورة الإسلام تلك قد أصبحت غريبة في مجتمع أخذ يتفلسف، يمكن لنا أن نثبت هنا بأن عملية تسييس الإسلام حدثت على فترتين، ومن بعده تلامذته مثل أبن تيمية وابن قيم الجوزية، حيث توطيد الفكر السياسي للإسلام السنّي والتمسك بالأصول ورفض كل جديد وكل اجتهاد. وهو الذي أطلق في كتبه ومؤلفاته مجموعة من الأفكار تدعو كلها إلى “العودة إلى الإسلام” أو “التمسك بما سنّه السلف” والسير خلف منهجهم، أولا: الإيمان: قول وعمل…وهو يزيد وينقص، تبعا لنقاء العقيدة أو شوبها، فليس بمخلوق ـ كما تقول المعتزلة ـ وليس شريكا لله في قدمه، ثالثا: صفات الله: التي وصف بها نفسه وأثبتها لذاته، رابعا: عالم الغيب: لا ينبغي أن نخوض في بحث أي شيء منه، بل يجب أن نفوض حقيقة علمه إلى الله سبحانه. خامسا: رؤية أهل الجنة لله: عقيدة حق يجب أن يؤمن بها المؤمن، سابعا: القضاء والقدر: لا يكتمل بهما الإيمان…وهما من الله. عاشرا: ترتيب الخلفاء الراشدين في الفضل: وفق ترتيبهم في تولي الخلافة. حادي عشر: وطاعة ولي الأمر واجبة: حتى ولو كان فاجرا فاسقا، والثورة عليه منكر لما تجلبه من الأخطار وتعطله من مصالح الناس في حياتهم اليومية. ثاني عشر: والفرائض والمعاملات والجهاد: نؤديها ونمارسها على النحو التي جاءت به النصوص في القرآن والسنّة”(3). وفي المقولات الحنبلية أعلاه تظهر الجذور الأولى لفكرة الإسلام الأصولي المتشدد، الذي يرفض البحث والفلسفة وعلم الكلام ويقدس النص ويحرم النقاش فيه، ومنع الخروج عليه أو الثورة ضد بوصف ذلك “مفسدة قد تجلب الويلات للأمة”. بوصف ابن حنبل واضع أصول التشدد الديني والتمسك بروح النصوص وعدم التسامح في الاجتهاد ومعاداة الحرية الدينية والفكرية. حيث ٌطٌعم في كل عصر بعلماء أضافوا له “قواعد” جديدة وقادوا حركات اعتمدت على أفكار السلف وأصول الدين، ويعني ذلك أن الإرادة الإلهية لن تتحقق باتباع الشريعة كوسيلة لخلاص الفرد، وسرعان ما تأثرت الحركة السلفية بالوهابية التي ظهرت في المملكة العربية السعودية بزعامة محمد بن عبد الوهاب ومهدت للسلفية في مصر والهند وإندونيسيا(…)، فسوف نكتشف أن الدين استٌخدم مرارا كعامل استقطاب واجتذاب للجماهير، وبخاصة عندما اشتد ضغط عمليات التوسع الاستعمارية بقيادة إنكلترا وفرنسا وهولندا وروسيا القيصرية. وبينما رأت الحركة الوهابية السلفية مأساة المسلمين في “عدم نقاء العقائد وانتشار البدع بينهم وابتعادهم عن الوحدانية الصحيحة” فإن السيد جمال الدين الأفغاني ـــــ ومن تأثر بفكره ـــــ نظروا إلى المشكلة من زاوية أخرى، وكانت معظمها تستند إلى الدين الإسلامي وترفع لوائه من أجل حشد الجماهير وصبغ حركة التمرد والثورة بصباغ ديني جهادي مقدس، ومن هنا فقد “ظل تاريخ الإسلام حتى وقت قريب يشهد دعوات متكررة ينصّب القائمون عليها أنفسهم مدافعين عن الدين ضد كل خطر أو انحراف، حين ظلت أنحاء دار الإسلام تشهد هبات إصلاحية تهدف إلى إصلاح ما تهدم من شأن الدين وبعث ما اندثر من أمره”(7). وإلغاء الخلافة على يد مصطفى كمال أتاتورك تفاعلت الآراء الصحويّة الداعية لإقامة الخلافة وأحكام الإسلام محل القوانين والنظم الوضعية المستوردة من الغرب، وكانت حركة “الإخوان المسلمون” في مصر التي تأسست عام 1928 هي أولى ردود الفعل بسبب وضعية مصر المتميزة إسلاميا( وجود الأزهر مثلا). كما ظهر لأول مرة في نفس الفترة والمكان شعار “الإسلام دين ودولة” والذي استعمله الدكتور عبد الرزاق السنهوري في مطلع بحث له في مجلة “المحاكاة الشرعية” في أكتوبر 1929. ثالثا: فرض الآراء والقرارات والاتجاهات بالقوة والعنف والاغتيال والحرب الذي يسمونه جهادا في سبيل الله”(9). وبداية احتلال جماعات الإسلام السياسي للفراغ الذي حدث إثر تضعضع فكرة القومية العربية وخفوت بريقها بعيد فشل الخطاب القومي والهزائم المتكررة التي مٌني بها فكريا وعسكريا، التقدمي وتراجع المشروع العربي للاستقلال السياسي والاقتصادي بسبب عوامل ذاتية أهمها غياب الديمقراطية وقيادة البرجوازية البيروقراطية للمرحلة بالإضافة للاشتداد الهجمة الإمبريالية من خلال رأس رمحها في المنطقة الكيان الصهيوني”(10). فيما يتعلق بظهور وتوطيد الإسلام السياسي كحراك واضح المعالم وله أهداف محددة يعمل بشكل منظم لتحقيقها، حيث ساهمت أفكار المنظرين الإيديولوجيين مثل الباكستاني أبو الأعلى المودودي والمصري سيد قطب والإيراني روح الله الخميني في تأطير الإسلام السياسي وتحديد أهدافه ورؤاه وتثبيت أقدامه في المجتمعات الإسلامية. وبدأ الترابط الإسلامي يظهر لأول مرة وبشكل قوي وفعلي عندما قطعت العربية السعودية النفط على الغرب في حرب أكتوبر 1973 بين إسرائيل والعرب. مثل مقتل الرئيس المصري أنور السادات عام 1981 على يد أحد أفراد جماعة “الجهاد” الإسلامية المتطرفة”(11). واستخلاصا لما سبق من تتبع لبزوغ ظاهرة الإسلام السياسي كما نعرفها اليوم بوصفها جماعات وحركات وأحزاب وقوى منظمة، يمكن التأكيد على أن الإسلام السياسي ظهر منذ عصور الإسلام الأولى على شكل أفكار ومبادئ وتصرفات من المؤسسة الحاكمة والاتجاهات المتصارعة على تثبيت تفسير محدد للدين الإسلامي في الحياة العامة بوصفه محركا ومسّيرا لكل مناحي الحياة، كما وتم محاربة الأفكار التنويرية من اجتهاد وعلم كلام وفرق المعتزلة والفلاسفة عبر التشدد الديني ونزعات التكفير. ويتم التزاوج بينها عبر المال الخليجي وبمباركة من الدوائر الاستراتيجية والاستخباراتية في الغرب وبشكل خاص الولايات المتحدة الأميركية من أجل استخدام هذا “الجهاد” لإضعاف الاتحاد السوفييتي، والتي تفرعت لاحقا إلى حركات محلية ذاتية الإدارة اعتمدت العنف المفرط ضد المسلمين المخالفين معها وضد الغرب طبعا، لتحقيق أهدافها السياسية في السيطرة على الحكم وتثبيت الشريعة وفق رؤية أصولية شديدة التزمت والتطرف. هو مصطلح سياسي وإعلامي وأكاديمي سعت من خلاله هذه الحركات إلى توطيد مشروعها القائم على أن “الإسلام يصلح نظاما سياسيا للحكم”. ويمكن الحديث عن ثلاثة مستويات من “الإسلام” عند دراسة ظاهرة الإسلام السياسي وتفريقها عن بقية أنواع الممارسات للإسلام كدين وتراث وعقيدة، حيث تكتسب “العبادة” صفة “العادة” المتكيفة مع تقاليد المجتمع المحلي وخصوصياته الثقافية والحضارية والاجتماعية، وبالتالي فان كلمة سياسي في مصطلح الإسلام السياسي ليست توصيفا للإسلام بمقدار ما هي توصيف وتعريف للحركات التي تقبل بمفهوم المشاركة السياسية وخوض الانتخابات والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، ومن هنا “انبثق مفهوم (الإسلام السياسي) الذي نظر إليه البعض من هذه الزاوية التي يسعى من خلالها إلى ممارسة السلطة وإقامة النظام السياسي الإسلامي الذي يرجع في أصوله إلى المجتمع الذي أقامه النبي (صلى الله عليه وسلم) في المدينة المنورة، واعتمادا على ما سبق يمكن القول أن هناك تشابها وربما تطابقا بين مصطلحي الإسلام السياسي والإسلام الأصولي، وهكذا فإن “صفة الأصولية تشير في الغالب الأعم إلى تلك الحركات والإيديولوجيات التي تصر على أن جزءا لازما من الدين الإسلامي، وهو الأمر الذي يدفع بهذه الجماعات إلى إظهار نوع من “المرونة” في خطابها والاهتمام بالأمور الحياتية للمواطنين وطرح برامج تطويرية وتنموية أيضا، ومن هنا يمكن القول بأن الإسلام السياسي هو في واقع الأمر إيديولوجية تحاول التزاوج بين الدين وقداسته وبين مجموعة من المشاكل الدنيوية المعاصرة من اجل استغلال العامل الإيماني الاعتقادي لدى الناس للوصول إلى الحكم وتطبيق برامجها الرامية لإنشاء دولة الخلافة. على إنه “إيديولوجية وليست خطة موضوعية تهدف إلى تطبيق واقع متخيّل (يوتوبيا) فيه العدالة الكاملة والسعادة الكاملة، وأجندة الإسلام السياسي لا تحوي مكانا للقيم المدنية المعاصرة مثل العدالة والديمقراطية ودولة القانون والحقوق الفردية، يتمسك الكل بها مهما بدت الفروق بينها جوهرية وواضحة من الوهلة الأولى، ومن هنا فإن ” حركات الإسلام السياسي وبغض النظر عن الفروقات الظاهرة بينها إلا أنها تشترك معا في مبادئ لا يمكن تخطيها أو إهمالها، ومن هذا المنطلق نجد الكل يشترك في معاداة العلمانية، جميع الأفراد والجماعات التي تسعى لتغيير مجتمعاتها عن طريق اشتقاق أفكارها وبرامجها من الإسلام، وفي حين تختلف هذه الجماعات والأفراد في طرقها ومناهجها وأساليبها وقضاياها الآنية، إلا أنها تتفق على القيمة الإيجابية للإسلام والصلة الوثيقة بين مفاهيمه وقيمه الأساسية والعالم المعاصر، فهي تريد تحويل إطار المرجعية في الحياة العامة إلى مرجعية يكون فيها الإسلام بتفسيراته المختلفة قوة رئيسية في تشكيل هذه الحياة”(18). وهذا التجديد هو الرجوع إلى الأصول والتخلص من الأساطير الموروثة والتقاليد”(19). هو وصف للجماعات والحركات والأحزاب والمنظمات والكتل التي تحمل رؤى وأفكار مستمدة من الدين الإسلامي( تكون مطعمة ببعض البرامج الدنيوية الوضعيّة التي تهم حياة الناس) تهدف لتطبيق الشريعة،