١- سقوط القسطنطينية في قبضة اللاتين : ١- اللاتين في القسطنطينية ٢-الدولة البيزنطية والحملة الصليبية الرابعة الامبراطور اسحق الثاني انجيلوس (١١٩٥ -١١٨٥) لقد تمخضت ثورة ١١٨٥ عن اعلان اسحق انجيلوس امبراطورا، وبه يبدأ حكم بيت لنجيلوس فى الدولة البيزنطية. وكان عهده الذى امتد من سنة ١١٨٥ الى سنة ١١٩٥ عبارة عن سلسلة متصلة من الكوارث التى حلت بالبلاد، فلم تترك فترة من الراحة والهدوء تهيئ لها جوا من الاستقرار. من ذلك استقلال أحد أبناء البيت الكومنينى بجزيرة قبرص. وقد استمرت الجزيرة على هذا الحال الى أن جاء ملك انجلترا ريتشارد قلب الاسد أحد قادة الحملة الصليبية الثالثة، فأحتل الجزيرة سنة ١١٩١ . وبذلك انقطعت علاقتها نهائياً بالدولة البيزنطية. ومن هذا التاريخ يتصل تاريخ جزيرة قبرص بالحروب الصليبية. كذلك استطاعت الدول البلقانية التابعة للامبراطورية مثل بلغاريا وصربيا اعلان استقلالها والمحافظة عليه، فى وقت لم يكن فيه بوسع بيزنطة توجيه حملات تأديبية ضدها، على عكس الحال فى أيام الأسرة المقدونية مثلا. وإذا اضفنا الى ما تقدم الحملة الصليبية الثالثة التى قدمت من أوروبا الى الشرق بقصد الغزو والفتح، بعد أن وحد صلاح الدين الأيوبى الجبهة العربية فى كتلة واحدة متحدة ضد الصليبيين نجد أنه كان من ضمن قادة تلك الحملة الامبراطور الالمانى فردريك بارباروسا العدو القديم للدولة البيزنطية. وقد اراد هذا الامبراطور أن يخترق الطريق البرى الذى اخترقه فعلا عبر آسيا الصغرى متحديا بذلك الامبراطور البيزنطى ورغما عن ارادته. وأحدثت جيوشه بالمدن الصليبية من الخراب والدمار ما لم يقع بها على يد رجال الحملات الصليبية السابقة. وقد قاوم اسحق انجيلوس قوات فردريك. ولكن ذلك زاد فى العداء التقليدى الكامن فى غرب أوروبا نحو الدولة البيزنطية، الامبراطور الكسيس الثالث (١٢٠٣-١١٩٥) واقام نفسه مكانه سنة ١١٩٥، واسمه الكسيس الثالث. ومن ذلك التاريخ حتى نهاية حكم بيت انجيلوس كانت البلاد تعج بالفتن والاضطرابات. واصبح الموقف أسوأمما كان من قبل. بل أراد أن يبعد أخاه المخلوع تماما عن العرش، فشمل عينيه، ثم القاه فى أحد السجون هو وابنه. ولكن هذا الابن الذى عرف فيها بعد باسم الكسيس الرابع استطاع أن يهرب من السجن إلى أوروبا حيث استنجد بملوكها ضد عمه المغتصب. وكانت الحملة الصليبية الثالثة قد عادت من الشرق دون أن تحقق أية نتيجة. وزخذت أوروبا تستعد للحملة الصليبية المعروفة بالرابعة، وكان معظم رجالها قد وصلوا إلى البندقية للابحار منها الى بلاد الشام. ولكن البندقية وهى المدينه البحرية التجارية المعروفة باطماعها، والتى اشتهر ابناؤها بزنهم أولا بنادقة ثم بعد ذلك مسيحيون، أرادت أن تستغل الموقف للانتقام من الدولة البيزنطية لموقفها من رعاياها وتجارتها فى بيزنطة. وتم الاتفاق بين الكسيس الرابع وملوك غرب أوروبا على انقاذ بيزنطة مما حل بها على يد الكسيس الثالث. وهكذا تحولت الحملة الصليبية الرابعة التى كان هدفها الأساسى هو الاستيلاء على مصر، ثم التوجه شمالا إلى الأراضى المقدسة، تحولت عن غرضها الاصلى واتجهت صوب القسطنينية، لتحقيق اطماع قديمة راودت اللاتين منذ قيام الحركة الصليبية نفسها فى أخريات القرن الحادى عشر، بل وقبل قيام الحركة الصليبية نفسها بوقت غير قصير. وانتهى الأمر فعلا بالقضاء على الامبراطورية البيزنطية قضاء رسميا حيث صارت بلادها أجزاء فى أيدى أمراء الصليبيين ما عدا أجزاء معينة لجأت إليها الدولة البيزنطية فى المنفى التى كانوا قد اقاموها فى نيقية وطرابيزون وشبه جزيرة المورة . وهكذا حقق اللاتين أطماعهم البعيده، حيث اقاموا من سنة ١٢٠٤ الى سنة ١٢٦١ امارة لاتينية فى بيزنطة، تضاف الى مستعمراتهم التى كانوا قد أقاموها فى الشرق العربى. وقد ظلوا بها أكثر من نصف قرن، وجدير بالذكر أن بعض المؤرخين جعل سنة ١٢٠٤ التى استولى فيها الصليبيون على القسطنطينية، نهاية الدولة البيزنطية. وحجتهم فى ذلك أن الامبراطورية البيزنطية وإن كانت قد أعيدت بعد ذلك واستمرت حتى أواسط القرن الخامس عشر، بسقوطها تحت ضربات الاتراك العثمانيين سنة ١٤٥٣- الا أن أحداثا ومؤتمرات جديدة من الغرب الأوروبى جدت على العالم البيزنطى، وممن يأخذ بهذا الرأى المؤرخ المعروف نورمان بينز الذى ينهى كتابه عن الامبراطورية البيزنطية عند سنة ١٢٠٤. اللاتين في القسطنطينية فضلا من الامتيازات التى منحت للإيطاليين، اذ ظهرت بلغاريا باستقلالها، وقامت الثورة بجزيرة قبرص، وأخيرا فى عام ١٢٠٣ قامت فى الغرب الأوروبى حملة صليبية جديدة هى المعروفة بالحملة الرابعة فىعاد العركة الصايبية. ولكن اطماع البنادقة حولتها إلى القسطنطينية. وحتى تكتمل الصورة، يحسن القاء الضوء على الدور الهام الذى قامت به البندقية فى العصور الوسطى . فتاريخها فى الحقبة الوسيطة من التاريخ هو فى الواقع تاريخ تطور التجارة فى حوض البحر المتوسط. وقد أصبح لها فى هذا البحر مع الزمن شأن عظيم، حتى غدت الشريك الأوروبى البارز فى نشاط أوروبا التجارى فى العصر الوسيط. وكان الشريك الشرقى وقتها هو دولة المماليك فى مصر والشام، التى اجتمعت فى أسواقها متاجر الشرق، وأتت مختلف أنواع السلع والبضائع من أوروبا، ووفد إليها التجار من فرنسيين واسبان وايطاليين، لا سيما البنادقة الذين كانت لهم امتيازات تجارية عديدة فى موانى مصر والشام افاض فى الكتابة عنها المؤرخ الفرنسى وليم هايد فى كتابه الكثير عن ((تاريخ تجارة حوض الليفانت فى العصور الوسطى»، وكذلك المؤرخ شارل ديل فى كتابه المنون «البندقية جمهورية ارستقراطية» . لقد كان للبنقية تاريخ بحرى مجيد انفردت به عن غيرها من دول الغرب الأوروبى، ذلك بحكم موقعها الجغرافى الذى يكشف عن عظمتها البحرية والتجارية. فهى تقع على رأس البحر الأدرياتى الذى كان يعتبر على الكاتبة ايلين بور أعظم طريق بحرية لتجارة العصر الوسيط. ثم هى فى موقع متوسط بين الشرق والغرب، فضلا عن كونها أحد موانى البحر المتوسط. وقد كسبها كل هذا ميزات حسدتها عليها كثير من بلدان أوروبا. ففيها كان يرسو التجار الوافدون من الثغور المصرية والشامية، ومن بلاد الشرق الأقصى ومعهم الأنسجة الحريرية والتوابل والكافور والعاج واللؤلؤ والعطور وغيرها. ومن البندقية كانت هذه البضائع تنقل الى ألمانيا وفرنسا وانجلترا والزراضى الواطئة وغيرها من بلدان الغرب. وكانت البندقية تجنى من وراء ذلك أرباحا طائلة. كما جعلت من دولة المماليك فى مصر والشام هى الأخرى جزءاً هاما فى تاريخ البندقية والتجارة الدولية فى العصور الوسطى. واذا عدنا قليلا الى الوراء، نجد زن تاريخ البندقية جمهورية مستقلة بشئونها، يرجع فى الاصل الى تمركز بعض الجاليات الرومانية منذ القدم، وهى التى كانت قد لجأت اليها هربا من الجرمان وغزواتهم المدمرة الكاسحة لتى احدثت بأوروبا ما أحدثته من فوضى ودمار فى أوائل العصور الوسطى. وظلت تلك الجاليات الرومانية فى تلك الجهات الضحلة الثائية أيام غزوات الجرمان الى أن امتدت اليهم سلطة القوط. وكانت النتيجة أن اعترفوا بالتبعية لدولة القوط الشرقيين. وفى عهد الامبراطور البيزنطى جستنيان الذى كان يسعى الى إعادة الدولة الرومانية إلى ما كانت عليه أيام القياصره القدماء، بالقضاء على الدول والممالك الجرمانية التى قامت على أنقاض الدولة الرومانية القديمة، وما تبع ذلك من هدم دولة القوط الشرقيين فى ايطاليا، والقضاء على مقاومتها - انتقلت تبعية البنادقة الى الدولة الرومانية الشرقية اى الدولة البيزنطية. ثم وقعت بعد جستنيان اغارات اللومبارديين فى النصف الثانى من القرن السادس، والتى ترتب عليها زوال معظم سلطان على ايطاليا. ولكن البندقية لم يصبها ما اصاب بقية ايطاليا، وبذلك اصبحت فى مأمن من تيار الفتح اللومباردى. تلك الجهات التى لم يبسط اللومبارديون سلطانهم عليها، بل تركوها وشأنها. وقد حملهم طبيعة بلادهم من الوقوع تحت سيطرة المغامرين من لومبارديين وغيرهم، وظلوا تابعين تبعية رسمية للدولة البيزنطية. ومع ذلك فقد أثرت الاغارات اللوماردية على البنادقة وأنظمتهم. ذلك فن الاربواسية اللومباردية التى اصبحت المذهب السائد فى ايطاليا بعد أن كون اللومبارديين مملكتهم، حملت كثيرا من الاسقفة المسيحيين الى البندقية اليت اصبحت ملجأ لكثيرين من الكوارث والتقلبات التى حلت بالغرب. وتحت تأثير التنظيم الكنسى الذى عمل الاساقفة اللاجلون على فرضه فى اقليم البنادقة، صارت البندقية بحكم وضعها الجغرافى، وبحكم العناصر التى كوننها، وفى ظل المؤثرات التى أثرت فيها، والظروف والتطورات التى مرت بها - وحدة سياسية مخالفة لما نشأ فى باقى أجزاء ايطاليا من الوحدات فى تلك الأزمنة، وذلك برغم تبعيتها الرسمية لبيزنطة . ومنذ أواخر القرن السابع، وعلى وجه التحديد منذ سنة ٩٦٧م غدت البندقية دوقية مستقلة بشئونها. وأول من شغل تلك الوظيفة فيها نبيل اسمه ومن الدلائل على هذا الكيان الجديد للبندقية، أنها عقدت فى سئة معاهدة مع ملك اللومبارديين تحددت بمقتضاها حدود البندقية، كما منحت تسهيلات خاصة للتجار البنادقة فى بلاد اللومبارديين مقابل جزية يدفعونها. ثم ظهر بعد ذلك على مسرح السياسة الايطالية عامل جديد لا يقل أثراً عن الحوادث الكبرى السالف الاشارة إليها، وذلك حينما قرر البابا الرومانى ستيفن الثاني ٧٥٢م) الاستعانة بشخص بين . أواسط القرن الثامن ضد خصومه. مما أدى إلى تدخل الفرنجة فى شئون ايطاليا حتى ازالت مملكة اللومبارديين فى أواخر زيام شارلمان (٨١٤-٧٦٨). ولقد استفادت البندقية من تلك العلاقة التى نشأت بين البابوية والدولة الفرنجية، أو بعبارة أكثر وضوحا بين ايطاليا والفرنجية، لأنها أصبحت حلقة الوصل بين البلدين. اذ فتحت ميدانا واسعا النشاط التجارى فى بلاد الفرنجة. واخذت البندقية من ثم تقوم بدور الوسيط فى التجارة بين شرقى أوروبا وغربها. وهذا هو الدور الذى بدات به البندقية عظمتها، والذى بنت عليه شهرتها فى العصور الوسطى. ولما كانت سلطة الفرنجة أيام شارلمان قد امتدت الى ايطاليا وغيرها من البلاد فقد اعترفت البندقية بنوع من السيادة لامبراطورية شارلمان غير أن تلك السيادة لم تدم طويلا، بل كانت سببا لصراع ووحروب طويلة عادت البندقية بعدها لتبعيتها القديمة للدولة البيزنطية، وهى تبعية قد زال مع الزمن معناها ومغزاها. وفى اثناء حروب البنادقة ضد سلطان الدولة الفرنجية كان مركز المقاومة فى جزيرة ريالتو Rialto وهى احدى المدن الجزرية التى تكونت منها جهات البندقية. واستمرت تبعية البندقية لبيزنطة حتى أواخر القرن العاشر الميلادى، وكانت تتربع على عرش بيزنطة وقتذاك أسرة من أقوى الأسرات التى حكمت فى التاريخ البيزنطى هى الأسرة المقدونية. ومع أن هذه التبعية كانت تبعية اسميه ضئيلة، فأنها كانت فى طريقها الى الانكماش والتقاص التدريجى بسبب النمو المطرد للبندقية كقوة بحرية، حتى اصبحت تعتبر نفسها ندا للدولة البيزنطية. وأخذت تطالب بامتيازات لجالياتها التجارية فى القسطنطينية. هذا عن طبيعة العلاقات بين البندقية والدولة البيزنطية منذ القدم حتى أواخر القرن العاشر. فقد دأبت البندقية على مواجهتها معتبرة نفسها دولة مستقلة قائمة بذاتها. وعقدت معاهدات تجارية كثيرة . أما من ناحية النمو الداخلى، فقد استمرت البندقية تنمو كقوة تجارية كبرى. وقد بدت البندقية دولة ذات مدينة زاهرة منذ أوائل القرن التاسع. فمنذ سنة ٨٢٩م كانت علاقتها بمصر قوية متينة، ومن دلائل عظمة البندقية أن اسطولها التجارى كان قد بلغ ستين سفينة، فضلا عن اعتماد بعض الدول المجاورة لها، ومن بينها بيزنطة، على مراكبها فى كثير من ضروراتها الحربية. هذا ولما كان القرن الحادى عشر فى أوروبا مملوءا بحوادث ظهور النورمان، وتكوين الدولة النورمانية، لاسيما فى صقلية وجنوب ايطاليا، فقد تأثرت البندقية بظهور النورمان الدين أخذوا يتوسعون على حساب جيرانهم من مسحيين ومسلمين على السواء. وكان هدفهم أن يجعلوا من البحر الأدرياتى بحرالجيوشهم واسطولهم، ولهم فى جنوبى ايطاليا والبلقان، مما يتنافى وسياسة البندقية ومصالحها التجارية. وأخذ النورمان يمدون سلطانهم نحو الشاطئ الشرقى البحر الأدرياتى تمهدد للاستيلاء على القسطنطينية. وحاصر روبرت جويسكار النورماندى فى أواخر القرن الحادى عشر مدينة دورازو لتحقيق ذلك المشروع. وكان واضحا أنه اذا استولى النورمان على دورازو انفتح الطريق أمامهم الى عاصمة الدولة البيزنطية. وكانت تلك المحاولة النورمانية من بين الاسباب التى جاءت بالكسيس كومنين الى العرش الامبراطورى فى بيزنطة سنة ١٠٨١م. لانقاذ الدولة من ذلك الخطر الذى كان يهددها تهديدا مباشرا. ورأى الكسيس الاستنجاد بالامبراطور الألمانى هنرى الرابع ضد النورمان وأطماعهم فى بلاده . ولكن حال دون تلبية الاغاثة ذلك الصرا الذى نشب بين هنرى الرابع والبابا الرومانى جريجورى السابع حول المسائل العلمانية، لميجد الكسيسى زمامه سوى البابوية يستنجد بها. ومن هنا بدأ التطور فى تاريخ البندقية، ومن هنا أيضا يظهر أثر النورمان فى القرن الحادى عشر فى تاريخ البندقية، وكان طبيعيا فى مثل هذه الظروف أن تسرع البندقية الى مساعدة الكسيس ضد النورمان واطماعهم. فقد كان يجمع بينهما فى تلك الفترة هدف واحد هو القضاء على عدو مشترك لكليهما، وأن اختلفت الاسباب. بينما كان البنادقة يخشون على مصالحهم التجارية التى كان الخطر النورمانى يهددها فى الصميم. وكانت البندقية تعلم جيدا ان اطماع النورمان التى لم تكن تقف عند حد، وتوسعهم فى البحر، سوف يضيق الخناق حولها، ويجعلها تحت رحمة اسطولهم البحرى. لذلك أسرعت البندقية الى اجلاء النورمان عن ثر دورازو سنة ١٠٨١م. ويجب أن نعرف أن هذه المساعدة ليس لها اى قيمة فى تاريخ البندقية . أنما القيمة الحقيقية تنحصر فى أن البندقية وافقت على مساعدة الامبراطور البيزنطى بشرط أن يكون للبنادقة حق الاتجار فى المدن البيزنطية، بمعنى أن يكون لهم جالية فى أحياء بعثة من المدن البيزنطية، ويكون لهم فيها محاكم خاصة، وليس لبيزنطة عليهم من سلطان، تماما مثلما فعلوا عندما ساعدوا الصليبيين الغربيين فى الاستيلاء على المدن والموانى المصرية والشامية أثناء الحركة الصليبية. وقد دأبت البندقية على مساعدة الامبراطورية البيزنطية ضد الدورمان تحقيقا لمصالحها الخاصة. والنتيجة أنها افادت من وراء ذلك فائدة حربية ومادية. والخلاصة أن البندقية أصبحت فى أواخر القرن الحادى عشر دولة بحرية قوية تهتم بالتجارة وتعمل على أن تكون لمتاجرها أسواق خاصة ف يمختلف البلاد شرقى حوض البحر المتوسط المعروف باسم حوض الليفاتت. تلك هى حالة البندقية وما وصلت إليه فى الفترة التى أخذت فيها أوروبا تفكر فى الحروب الصليبية. وتاريخ البندقية فى أثنائها وموقفها منها تاريخ معروف. فقد كانوا يجرون وراء مصالحهم حيثما وجدت. فكانوا يشتركون مع الصليبين اذا وجدوا فى ذلك مصلحة لهم. ولكنهم سرعان ما يتحولون ويسارعون الى التفاهم مع المسلمين وفقا لما تمليه عليهم مصالحهم الخاصة. بمعنى أن الحروب الصليبية كانت مجرد ورقة يلعبون بها. لقد كان هدف البنادقة منذ بداية الحركة الصليبية حتى نهايتها هو الربح والكسب المادى، ولم يكن يعنيهم الباعث الدينى الا بالقدر الذى يحقق مصالحهم. فقد غلبت الصفة التجارية البحتة على مسلكهم وتصرفاتهم، ويكفى أن نعرف أن شعارهم الذى عرفوا به وقتذاك هو («النكن أولا بنادقة، ثم لنكن بعد ذلك مسيحيين» وسيلقى هذا الموقف الكثير من الأضواء على طبيعة العلاقات بين البندقية والدولة البيزنطية وقتذاك. واذا عدنا إلى الصراع الدائر بين البندقية والنورمان خلال تلك الفترة من الزمن، تجد أن تاريخ البندقية وقتذاك عبارة عن شرح لموقفها من القوى النورمانية الصقلية، الذى أعاد الى الذكرى موضوع الاستيلاء على الشاطئ الأدرياتى. وقد رأينا أن موقف البندقية من الحروب الصليبية وحملاتها المتابعة على مصر والشام، موقتا تطلب من زعمائها كثيرا من الحذر. ذلك أنه اذا مالت البندقية الى الصليبيين من بنى جنسها بحكم أنها دولة مسيحية مثلهم، كان معنى ذلك أنها تفقد تجارتها النامية مع البلاد الاسلامية فى مصر والشرق الأدنى، كما أنها تجلب على نفسها عداوة بيزنطة واباطرتها. ثم أن تكونيها السياسى وقوتها البحرية لم تكن قد بلغت درجة الكمال بعد. اذ كان النورمان من ناحية الشاطئ الأدرياتى، والمجربون من ناحية دالماشيا والشواطئ البلقانية أصحاب الموانئ المتحكمة فى الشاطئ الأدرياتى. وكان لابد البندقية أن تصبح صاحبة السيادة فى تلك الثغور لتكون السيطرة على الطريق الذى تتوقف عليه تجارتها. واذا كان على البندقية أن توجه اهتمامها الى الدورمان والمجرمين قبل أن تفكر فى الصلييين وغيرهم. وعملاء بتلك السياسة التى كانت تمليها مصالحها الخاصة، رأت البندقية أن تقف موقف المحايد من الجانبين المسيحى والاسلامى أثناء الصراع الصليبى بان تتاجر مع كل منهما، وأن تساعد الصايبيين بمتاجرها بشرط ألا يطلب إليها الدخول فى حرب ضد المسلمين تقضى على امتيازاتها التجارية النامية فى بلادهم، وواضح أن هذه السياسة كانت ذات شقين متناقضين، ولكنها على أية حال تنفق مع مصالحها الخاصة التى كانت بالنسبه لها فوق أى اعتبار. غير أن الدويلات الأخرى بايطاليا مثل جنوه وبيزا كانت قد شاركت الصليبيين فعلا منذ البداية فى عدائهم نحو المسلمين. فخشيت البندقية أن يؤدى ذلك إلى شل الحركة التجارية فى كل تلك البلاد، وأن تحرم البقية مما قد يفتح الصليدبيون من بلاد المسلمين. لذا تركت البندقية سياسة الحياة بعد أن وضح لها أن الفرنج سفتحون بلادا واسواقا، خاصة وأن الحملة الصليبية الأولى قد حققت أغراضها بالاستيلاء على بيت المقدس، فذهب بعض البنادقة على مراكب بندقية بقصد الاشتراك فى هذه الحروب. وكان هدفهم من وقوتهم بجانب الصليبيين تجاريا بحتا. وقد أبحرت الحملة سنة ١٠٩٦م، وأنزلت بعض قواتها فى رودمس، بمعنى أن البندقية دخلت الحروب الصليبية بهدف احتلال المكان التجارى الأول شرقى البحر المتوسط، والقضاء على ما قد يكون هناك من المناسك التجارية من جانب الدويلات الايطالية التى كانت أهدافها متشابهة. على أية حال، وصلت حملة البندقية الى شواطئ الشام سنة ١١٠٠م، وشاركت فعلا فى حصار حيفا. فلما سقطت هذه المدينة فى ايدى الفرنج ونفس العام، وسارع قواد البنادقة بالمطالبة بحى لهم فى حيفا ليكون خاصا بمتاجرهم. وبالفعل اخذت البندقية حيا خاصا بها بالمدينة. وهكذا بدأت الحلقة الأولى من المحطات التجارية التى أسستها البندقية لنفسها فى شواطئ البحر المتوسط. غير أن الدولة البيزنطية لم يكن باستطاعتها ترك البندقية تكبر وتنمو وتعمل على أساس تلك السياسة التجارية البحتة، مع الاعتماد على صداقة الصليبيين ومودتهم كلما دعت الظروف الى ذلك. فأخذ الامبراطور حنا كومتين (١١٤٣-١١١٨م) يضيق على مصالح البنادقة فى القسطنطينية سنة ١١٢٢م، والغى امتيازاتهم التجارية التى كانوا يتمتعون بها. ومع أن البندقية قد ردت على هذا الموقف وأن أغارت على الجزر البيزنطية الهامة مثل جزيرة رودس، فان حنا كومنين اضطر الى مصالحة البندقية ليضمن وقوفها الى جانبه ضد النورمان الذين كانوا عدوا مشتركا الكليهما. وهنا أيضاً أثرت حرك النورمان فى تاريخ البندقية تأثيرا عميقا. ذلك أن الحوادث التى جمعت بين البندقية وبيزنطة ضد النورمان، وجعلت الدولة البيزنطية تعتمد على البندقية فى احتياجاتها العسكرية، غير أنه كما جعلت حركات النورمان وسياستهم البندقية وبيزنطة فى جانب واحد يد النورمان واطماعهم، فان انتهاء الخطر النورمائى جعل البتدقية تواجه موقف الدولة البيزنطية منها دائما. وكان هذا أمراً طبيعيا متوقعا. كانت البندقية هى الدولة التجارية الكبرى، وتجارها هم المنافسين الاقوياء لمصالح الدولة البيزنطية وغيرها فى شرقى البحر المتوسط. ولكن طرأ وقتذاك عنصر جديد وخطير على الموقف حينما اتضحت احلام الامبراطور الأول كومنين (١١٨٠-١١٤٣م) ومطامعه فى الامبراطورية الواحدة. وكان ذلك مضادا لمصالح البندقية، ذلك أن الامبراطور البيزنطى كان يريد أن يمتد نفوذه الى ايطاليا فى الشمال والجنوب، كخطوة أساسية للتمهيد لفكرة الامبراطورية الواحدة. ولم تنته الأخطار بانتهاء حكم مانويل كومنين، لأن الامبراطورية الغربية والامبراطور فريدريك بارباروسا كان صاحب السلطة الكبرى فى ايطاليا. ومن المعروف أن الصراع بين الامبراطورية الغربية والبابوية فى روما قد تخلله النضال بين الامبراطورية الغربية والمدن الايطالية ومنها البندقية. كما انضمت الى العصبة اللومباردية سنة ١١٦٧م. وتلا ذلك سلسلة مصادرات لاملاك اللاتين الغريبين بالقسطنطينية حتى أن من تبقى منهم استغاثوا بالبندقية والملك وليم الأول ملك صقلية. وقامت البندقية للانتقام، وكانت حركتها سببا فى انتهاء عهد اندرونيق كومنين وقيام اسحق الثانى ايجياوس (١١٩٥-١١٨٥م) مؤسس أسرة انجيلوس، بفضل ما كان عنه من الميل الى البندقية. ثم جاءت الحملة الصليبية الثالثة التى قامت بهدف انقاذ كيان الوجود الصليبى المتداعى فى الأراضى المقدسة بعد الضريات القوية المتلاحقة التى وجهها صلاح الدين الايوبى اليها، والتى يتوجها انتصاره الساحق فى حطين سنة ١١٨٧م، وطردهم من بيت المقدس فى أكتوبر من نفس العام. وقد شاركت البندقية فى تلك الحطة مثلما شاركت فى الحملتين السابقتين طالما فى ذلك مصلحة محققة لها، وذلك من حيث تأجير مراكبها لنقل الجند الصليبيين الى الشام. وقد حصلت البندقية فى مقابل ما قامت به من مساعدات على امتيازات تجارية فى البلاد الصايبية المتبقية للاتين فى فلسطين، على حين أن تلك الحملة الصليبية الثالثة لم تؤد الى تحسين مركز اللاتين فى الأراضى المقدسة، وأوضحت أن مصير اللاثين ومقامهم الى زوال. فقد هدم صلاح الدين دولة الصليبيين بعد موقعة حطين واستعادة البيت المقدس حتى لم يبق منها سوى بصعة ثغور ضعيفة متهالكة، ممتدة على الساحل الشامى. ومع ذلك، فقد كانت فائدة البندقية من الحروب الصليبية مستمرة ومتزايدة بتزايد الأسواق التى فتحتها، والمكاسب التى حققتها، والامتيازات التى حصلت عليها بمختلف البلاد الصليبية، مما لم تصل إليه يد صلاح الدين. وفى ظل هذه الظروف تولى دوقية البندقية سنة ١١٩٣ الدوق دنولو، وكانت أوروبا وقتها تستعد لحملة جديدة هى المعروفة بالحملة الصليبية الرابعة، وأخذت تتجمع فى البندقية فى انتظار التسهيلات لعبور مناطق معينة. وكان الكسيس الثالث انجيلوس (٢٠٣-١١٩٥م) قد خلع أخاه اسحق وسجنه كما سجن ابنه الكسيس الرابع. وقد تمكن ذلك الابن من الهرب وطلب النجدة من أوروبا ضد عمه المغتصب. كما تشابكت اغراضها بعد الاستجابة لاستغاثة ابن اسحق اجيلوس. يضاف الى ذلك ثراء الدولة البيزنطية الذى كان الغرب على علم به. والذى تحدث عنه أحد مؤرخى الحملة الصليبية الأولى من اللاتين، وو فوشيه دى شارتر. هذا فضلا عن عدائها التقليدى للبندقية. الى حملة على الدولة البيزنطية وإذا كان الصدام بين الكسيس كومنين والصليبيين فى الحملة الصليبية الاولى فى أواخر القرن الحادى عشر، قد كشفت بما لا يدع مجالا للشك عن اطماع اللاتين فى بيزنطة، وحقدهم عليها، وكراهيتهم لها،